تجاوز إلى المحتوى

من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)

نعت القوافي

أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج، وأن يقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها، فإن الفحول المجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه، وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول، وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره.

وأكثر من كان يستعمل ذلك امرؤ القيس، لمحله من الشعر فمنه قوله:

قِفَا نَبْكِ من ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ بِسقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولٍ فَحَوْمَلِ

ثم أتى بعد هذا البيت بأبيات، فقال:

أفَاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هذَا التَّدَلُّلِ وَإِنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ صُرْمِى فأَجْمَلِي

ثم أتى بأبيات بعد هذا البيت، فقال:

ألا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإصباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

وقال في قصيدة أخرى أولها:

ألاَ أَنْعَمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ الْبَالِي وَهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كَان في العُصُرِ الْخَالِي

وقال بعد بيتين من هذا البيت:

دِيَارٌ لِسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالٍأَلَحَّ عَلَيْهَا كُلُّ أَسْحَمَ هَطَّالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

ثم قال بعد أبيات أخر:

أَلا إِنَّني بَالِ عَلَى جَمَلٍ بَالييَقُودُ بِنَا بَالٍ وَيَتْبَعُنَا بَالِ

وقال في قصيدة أخرى أولها:

غَشِيتُ دِيَارَ الْحَيِّ بالبَكَرَاتِفَعَارِمَةِ فَبُرْقَةِ العِيرَاتِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «غشيت ديار الحي بالبكرات»

وأتى بيتين، ثم قال:

أعْنِّى عَلَى التَّهْمَامِ والذِّكِرَاتِيَبِتْنَ عَلَى ذِي الهَمِّ مُعْتَكِرَاتِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «غشيت ديار الحي بالبكرات»

وقال في قصيدة أخرى أولها:

عَيْنَاكَ دَمْعُهُمَا سِجَالُكَأَنَّ شَأْنَيْهِمَا أَوْشالُ

وقال بعد أبيات من هذا البيت:

قُلُوبَ خِزّانِ ذي أَوْرَالِقُوتاً كَمَا يُرْزَقُ الْعِيَالُ

وقد سلك هذا السبيل غير امرئ القيس شعراء كثيرون، فمنهم أوس قال في قصيدة أولها:

وَدِّعْ لَمِيسَ وَدَاعَ الصَّارِمِ اللاحيقَدْ فَتَكَتْ فِي فَسَادٍ بَعْدَ إِصْلاحِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»

ثم أتى بأبيات وقال:

إني أَرِقْتُ ولَم تأْرقْ مَعِي صَاحِلِمُسْتَكِفٍّ بَعِيدِ النَّومِ لَوَّاحِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»

ومنهم مرقش قال في قصيدة أولها:

أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ مَاءُ عَيْنَيْكَ يَسْفَحُ غَدَا مِنْ مُقَامٍ أَهْلُهُ وَتَرَوَّحُوا

ثم أتى ببيت وقال:

أَمِنْ بنتِ عَجْلانَ الْخَيَالُ الْمُطَرَّحُأَلَمَّ ورَحْلِي سَاقِطٌ مُتَزَحْزِحُ
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «أمن رسم دار ماء عينيك يسفح»

وقال حسان بن ثابت من قصيدة أولها:

ألم تَسْأَل الرَّبْعَ الْجَدِيدَ التَكَلُّمَابِمَدْفَعِ أشداَخ ٍفبُرْقَةِ أظلَمَا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

وقال البيت التالي لهذا:

أبَى رسمُ دارِ الحيِّ أنْ يتكلمَاوهلْ ينطقُ المعروفَ من كانَ أبكَمَا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

وقال الشماخ قصيدة أولها:

ألا نَادِيَا أظعانَ لَيْلَى تُعَرِّجِفقد هَجْنَ شوقاً ليتُه لَمْ يُهَيَّج
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

ثم أتى بأبيات وقال:

ألا ادْلَجَتْ لَيْلاكَ من غير مُدْلِجٍهَوَى نَفْسِها إذا أَدْلَجَتْ لم تُعَرّجِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

وقال عبيد بن الأبرص قصيدة أولها:

أقفرَ من أَهْلِهِ مَلْحُوبُفَالقطَبِيّاتُ فَالذَّنُوبُ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

ثم أتى بأبيات وقال:

أرضٌ تَوَارَثَها شَعُوبفكلُّ مَنْ حَلَّهَا مَحْرُوب
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

ثم أتى بأبيات وقال:

والْمَرْءُ ما عاش في تكذيبِطُولُ الحياةِ له تعذيبٌ
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

وقال الراعي قصيدة أولها:

أبتْ آياتُ حُبِّى أن تُبِينَالنا خَبَراً فأَبْكَيْنَ الحزينَا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «أبت آيات حبى أن تبينا»

ومن الشعراء من ربما أغفل التصريع في البيت الأول، فأتى به في بعض الأبيات من القصيدة فيما بعد.

قال ابن أحمر الباهلي قصيدة أولها:

قد بكرتُ عاذِلتي بكرةًتزعمُ أني بالصِّبا مُشْتَهِرْ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

فلم يصرع أول القصيدة، وأتى ببيتين بعد الأول، ثم قال:

بل وَدِّعيني طَفْلَ إني بَكُرْوَقَدْ دَنَا الصُّبْحُ فما أَنْتَظِرْ
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «قد بكرت عاذلتي بكرة»

وقال ابن أحمر أيضاً من قصيدة أولها:

لعَمْرِيَ ما خلفتُ إلا لما أرىوَرَاءَ رجالٍ أسلموني لما بِيَا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «لعمري ما خلفت إلا لما أرى»

فأتى بالأول غير مصرع، وقال أبياتاً بعده، ثم قال:

فأمسى جنابُ الشَّوْل أغبَرَ كابيَاوأمسى جنابُ الحيِّ أبلجَ وارِيا
للشاعر عمرو بن أحمر الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال أمية بن حرثان بن الأسكر الكناني قصيدة أولها:

أصبحتُ هزءاً لراعِي الضأن أُعْجِبُهُماذا يُريبُك مِنِّي راعِيَ الضانِ

فلم يصرع أول بيت، وأتى بعده ببيت واحد، ثم قال:

يا ابني أميةَ إنِّي عنكما غانيوما الغِنى غيرُ أني مشعرٌ فانِي

وإنما يذهب الشعراء المطبوعون المجيدون إلى ذلك، لان بنية الشر إنما هو التسجيع والتقفية، فكلما كان الشعر أكثر اشتمالاً عليه كان أدخل له في باب الشعر وأخرج له عن مذهب النثر.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من النعوت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.