من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
التصرف في التشبيه
ومن أبواب التصرف في التشبيه أن يكون الشعراء قد لزموا طريقاً واحداً في تشبيه شيء بشيء، فيأتي الشاعر من تشبيهه بغير الطريق التي أخذ فيها عامة الشعراء.
مثال ذلك أن أكثر الشعراء يشبهون الخوذ بالبيض، كما قال سلامة بن جندل:
كأنَّ النعامَ باض فوق رؤسهمْبنهيِ القذافِ أو بنهيٍ مخفقِ
وقال معقر البارقي:
كأنَّ نعامَ الدوِّ باضَ عليهمُوأعينهمْ تحت الحبيك الجواحرُ
وأكثر الشعراء يلتزمون هذا التشبيه.
قال أبو شجاع أحد بني سلامان بن مفرج من الأزد:
فلم أرَ إلا الخيلَ تعدُو كأنمَاسنورهَا فوق الرؤوسِ الكواكبُ
وربما كان الشعراء يأخذون في تشبيه شيء بشيء، والشبه بين هذين الشيئين من جهة ما، فيأتي شاعر آخر بتشبيه من جهة أخرى، فيكون ذلك تصرفاً أيضاً.
مثال ذلك أن جل الشعراء يشبهون الدرع بالغدير الذي تصفقه الرياح، كما قال أوس بن حجر:
وأملسَ صوليَّاً كنهيِ قرارَةٍأحسَّ بقاعٍ نفحَ ريحٍ فأجْفَلا
وقال آخر:
وعلىَّ سابغةُ الذيولِ كأنهَاسوقُ الجنوب حبابَ نهيٍ مفرطِ
وكثير من الشعراء ينحون في تشبيه الدروع هذا المنحى، وإنما يذهبون إلى الشكل، وذلك ن الريح تفعل بالماء في تركيبها إياه بعضاً على بعض ما يشبهه في حال التشكيل بحال الدرع في مثل هذا الشكل، فقال سلامة بن جندل عادلاً عن تشبيه الشكل إلى تشبيه اللين، وذلك أن اللين من دلائل جودة الدرع لصغر قتيرها وحلقها:
فألقًوا لنا أرسانً كل نجيبةٍوسابغةٍ كأنهًا متن خرنق
وقال يذكر بريقها، وهو وجه غير الوجهين الأولين:
مداخلةٍ منْ نسجِ داؤدَ سكُّهاكمنكب ضاحٍ من عمايةَ مشرقِ
ومن التشبيه الجيد للحكم الخضري يصف غليان القدر بما فيها من قطع اللحم:
كأنَّ جذولَ الناب فيها إذا غلتْدعاميصُ تخشى صائِداً فتعومُ
ولقيس بن زهير:
كأنَّ خذاريفَ السواعدِ بيننامغالي غواة يلعبونَ بها لعبَا
وللزفيان أحد بني عوافة بن سعد بن زيد:
وقد سقوهنَّ سجَالاً فاستقوْامنْ أجنٍ كأنهنَّ الزنبقُ
ثم لنتبع القول في التشبيه القول في الوصف.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع