من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
نعت الهجاء
إنه قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقته،
ما تقدم من قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم ننزل الطبقات على مقدار قلة أصناف الأهاجي فيها وكثرتها.
فمن الهجاء المقذع الموجع ما أنشدناه أحمد بن يحيى:
كائرْ بسعدٍ إن سعْداً كثيرةٌولا تبغِ من سَعْدٍ وَفَاءً ولا نَصْرَا
ولا تَدْعُ سَعْداً للقِرَاعِ وخَلِّهَا،إذا أَمِنَتْ، وَرَعْيَهَا البَلَدَ القَفْرَا
يروعكَ من سعدِ بن عمروٍ جسومُهَاوتزهدُ فيهَا حينَ تقتلهَا خبْرَا
فمن إصابة المعنى في هذا الهجاء أن هذا الشاعر سلم لهؤلاء القوم أمرين يظن أنهما فضيلتان، وليستا بحسب ما وصفناه من الفضائل مصيبتين، وهما كثرة العدد وعظم الخلق، وغزا بذلك مغازي دلت على حذقه بالشعر، فمنها أن أدخل هجاءه لهم في باب الأقوال الصادقة لإعطائه إياهم شيئاً ومنعه له شيئاً آخر، وقصده بذلك لأن يظن أن قوله فيهم إنما هو على سبيل الصدق، وذكره إياهم بما هم من جيد ورديء، ومنها ما بان من معرفته بالفضائل حتى ميز صحيحها من باطلها، فسلم الباطلة ومنه الصحيحة، ومنها أن قطع عن هؤلاء القوم ما يعتذر به الكرام من قلة العدد، فإن الكرام أبداً فيهم قلة، كما قال السموأل ابن عاديا:
تعيرنَا أنَّا قليلٌ عديدنَافقلتُ لها إن الكِرام قليلُ
ومن خبيث الهجاء ما أنشدني أحمد بن يحيى أيضاً:
إن يغدرُوا أو يفجرُواأو يبخلُوا لا يحفلُوا
يغْدُوا عليكَ مرجلينَ كأنهمْ لم يفعَلُوا
فمن جودة هذا الهجاء أن الشاعر تعمد أضداد الفضائل على الحقيقة فجعلها فيهم، لأن الغدر ضد الوفاء، والفجور ضد الصدق، والبخل ضد الجود، ثم أتى بعد ذلك بضد أجل الفضائل وهو العقل، حيث قال:
يغدُوا عليكَ مرجِلين كأَنَّهُمْ لَمْ يفعَلُوا
لأن هذا الفعل إنما هو من أفعال أهل الجهل والبهيمية والقحة التي هي من عمي القوة المميزة، كما قال جالينوس في كتابه في أخلاق النفس.
ولزياد الأعجم في غياظ بن حصين بن المنذر:
وسميتَ غيَّاظاً ولستَ بغائظٍعدوَّاً، ولكنَّ الصديق تغيظُ
عدوكَ مسرورٌ وذو الودِّ للذِيأتى منكَ من غيظٍ عليكَ كظيظُ
نسيٌّ لما أوليتَ من صالحٍ مضَىوأنتَ لتعدادِ الذنوبِ حفيظُ
تلينُ لأهل الغلِّ والغمرِ منهمُوأنتَ على أهلِ الصفاءِ فظيظُ
ومن الهجاء أيضاً ما تجمل فيه المعاني، كما يفعل في المدح، فيكون ذلك حسناً إذا أصيب به الغرض المقصود مع الإيجاز في اللفظ، وذلك مثل قول العباس بن يزيد الكندي في مهاجاته جريراً ومعارضته إياه في قوله:
إذا غضبتْ علَيْك بنو تميمٍحسبتَ الناس كلهمُ غِضابا
وقال:
لقدْ غضبت علىَّ بنُو تميمٍفما نكأتْ لغضبَتِها ذبَابا
لو اطلعَ الغرابُ على تميمٍوما فيهمْ من السوءاتِ شابَا
ومثل قول مرة بن عداء الفقعسي:
وإذا تسركَ من تميمٍ خصلةٌفلما يسوءُك من تميمٍ أكثرُ
وقال الآخر:
ويقضَي الأمرُ حين تغِيب تيمٌولا يستأذنونَ وهم شهودُ
وللحكم الخضري:
ألم تَرَ أنهم رُقِموا بلؤمِكما رقمتْ بأذرعها الحميرُ
ومثل قول أعشى باهلة:
بنو تيْم قرارةُ كل لؤمٍلكلِّ مصبِّ سائلةٍ قرارُ
وقد تبع أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الاعشى في هذا المعنى فقال:
أضحَوْا بمستنِّ سيلِ اللؤمِ وارتفعتْأموالهم في هضابِ المطلِ والعللِ
لو كان يخْفَى على الرَّحمن خافيةٌمن خلقهِ خفيتْ عنهُ بنو أسَدِ
ومثل قول الآخر:
قومٌ إذا ما جنَى جانيهمُ أمنُوامن لؤمِ أحسابهمْ أن يقتلُوا قودَا
ومثل قول زياد الأعجم:
إني لأكرِمُ نفسِي أن أكلِّفَهاهجاءَ جَرْمٍ ولما يهجهمْ أحدُ
ماذا يقول لهم مَن كان هاجيَهُمْلا يبلغُ الناسُ ما فيهم وإن جَهَدُوا
ومثل قول أوس بن مغراء:
فلسْتُ بعافٍ عن شتيمةِ عامرٍولا حابِسي عما أقولُ وعيدُها
ترى اللؤمَ ما عاشُوا جَديداً عليهمُوأبقَى ثيابَ اللابسينَ جديدهَا
لعمركَ ما تبلَى سرابيلُ عامرٍمن اللؤمِ ما دامتْ عليها جلودُها
وهذه الأبيات قالها أوس وهو يهاجي النابغة الجعدي، فيقال: إن النابغة كان يقول: إني وأوس بن مغراء لنبتدر بيتاً ما قلناه بعد، لو قاله أحدنا لقد غلب على صاحبه.
فلما قال أوس البيت الاخير، قال النابغة: هذا هو البيت الذي كنا نبتدره، فغلب أوس عليه.
ومثل قول عباس بن مرداس السلمي في سفيان بن عبد يغوث النضري:
وأوعِدْ وقُلْ ما شئتَ إنَّك جاهلٌعلى أنَّما أنتَ امرؤ من بَنِي نَضْرِ
وما أجود ما قال الفرزدق في عبد الله بن عمير الليثي حين هرب من أبي فديك الخارجي وكان يتمنى لقاء الخوارج كهجاء:
تمنيتهمْ، حتَّى إذا ما لقيتهمْتركْت لهم عند الجِلاد السرادِقَا
وأعطيتَ ما تُعْطى الحليلةُ بَعْلَهاوكنتَ حُبَارى إذ رأيتَ البوارِقَا
ففي قوله: ما تعطى الحليلة بعلها، مع إيجازه، عجائب، وكذلك في قوله: حبارى.
ومنهم من يفرط في ذكر نقيصة واحدة، كما يغلو عند المدح في فضيلة واحدة.
فمن ذلك للحطيئة يغرق في ذكر البخل وحده:
كددتُ بأظفارِي وأعملتُ مِعْوليفصادفتُ جُلْمُوداً من الصخرِ أملَسا
تشاغَلَ لما جئتُ في وَجْهِ حاجَتِيوأطرقَ حتى قلتُ قدْ مَات أو عَسَى
وأجمعتُ أنْ أنعاهُ حين رأيتُهيفوقُ فواقَ الموتِ حتى تنفسَا
فقلت لهُ: لا بأس لسْتُ بعائِدٍفأفرخَ تعلوهُ السماديرُ مبلسَا
ولجرير في ذكر الجهل وحده:
ولا تتقونَ الشرَّ حتى يصيبكُمولا تعرفون الأمرَ إلا تدبرَا
ثم ينظر أقسام المديح وأسبابه، فيجري أمر الهجاء بحسبها في المراتب والدرجات والأقسام، ويلزم ضد المعنى الذي يدل عليه إذ كان المديح ضده الهجاء.
ولنتبع القول في الهجاء: القول في المراثي.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع