من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)
مدح السوقة
وأما مدح السوقة من البادية والحاضرة، فينقسم قسمين، بحسب انقسام السوقة إلى المتعيشين بأصناف الحرف وضروب المكاسب، وإلى الصعاليك والخراب والمتلصصة ومن جرى مجراهم.
فمدح القسم الأول: يكون بما يضاهي القضائل النفسانية التي قدمنا ذكرها خالياً من مثل مدح الملوك ومن قدمنا ذكره من الوزراء والكتاب والقواد، وذلك مثل قول الشاعر:
متراحمينَ ذوُو يسارِهِمُيتعاطفونَ علَى ذوِي الفقرِ
وذوُو معاسرِهم كأنهمُمن صِدْقِ عفتِهِمْ ذوُو وَفْرِ
متجملينَ لطيبِ خيمهمُلا يهلعونَ لنبوَة الدهرِ
ومدح القسم الثاني يكون بما يضاهي المذهب الذي يسلكه أهله من الإقدام
والفتك والتشمير والجلد والتيقظ والصبر، مع التخرق والسماحة، وقلة الاكتراث للخطوب الملمة، كما قال تأبط شراً يمدح شمس ابن مالك:
إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌبه لابْنِ عمِّ الصِّدْقِ شمسْ بن مالك
أهزُّ بهِ في ندوَة الحيَّ عِطْفَهِكما هَزَّ عِطْفِي بالهجانِ الأواركِ
لطيفُ الحوايَا يقسمُ الزادَ بينهسواءً وبين الذئب قسمَ المشاركِ
يظلُّ بموماةٍ ويمْسِى بغيرهاجَحِيشاً ويعروْرِي ظهورَ المهالكِ
كأنَّ بهِ في البُرْدِ أثناءَ حَيَّةٍبعيدُ الخُطَى شتى النَّوَى والمسالِكِ
وَيسسْقُ وفد الريحِ من حيثُ تنتحِيبمنخرقٍ من شدهِ المتداركِ
إذا خاطَ عينيهِ كرَى النوم لم يَزَللهُ كالئ من قلبِ شيخانَ فاتكِ
وإن طلعتْ أولَى العدىِّ فنفرهُإلى سلةٍ من صارِم الغربِ باتكِ
إذا هزهُ في عظم قرنِ تهللتْنواجذُ أفواهِ المنايَا الضواحكِ
قليلُ التشكِّي للمهمِّ يصيبهُرحيبُ مناخِ العِيس سهلُ المباركِ
وقال أبو كبير الهذلي:
ولقدْ سريتُ على الظلامِ بمغشمٍجلدٍ من الفتيانِ غيرِ مثقلِ
ممنْ حملن به وهنَّ عواقدٌحبكَ النطاقِ فشبَّ غيرَ مهبلِ
حملتْ بهِ في ليلةٍ مزؤودةٍكرهاً وعقدُ نطاقهَا لمْ يحللِ
فأتتْ به حوشَ الفؤادِ مبطّناًسهداً إذا ما نامَ ليلُ الهوجلِ
ومبرأً من كلِّ غبرِ حيضةٍوفسادِ مرضعةٍ وداءٍ مغيلِ
ما إنْ يمسُّ الأرضَ إلا منكبّمنهُ وحرفُ الساق طي المِحْمل
فإذَا طرحتَ له الحصاةَ رأيتهُينزُو لوقعتهَا نزوَّ الأخيلِ
وإذا يهبُّ من المنامِ رأيتهُكرتوب كعبِ الساقِ ليسَ بزملِ
وإذا رميتَ بهِ الفجاجَ رأيتهُينضُو مخارمهَا هوىَّ الأجدلِ
وإذا نظرتَ إلى أسرةِ وجههِبرقتْ كبرقِ العارضِ المتهللِ
يحمِى الصحابَ إذا تكونُ كريهةٌوإذا همُ أزموا فمأوَى العيلِ
ثم نعقب الكلام في المديح بالكلام في الهجاء.
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع