تجاوز إلى المحتوى

من «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ)

نعت المراثي

إنه ليس بين المرثية والمدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك، مثل: كان وتولى وقضى نحبه وما أشبه ذلك، وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه، لأن تأبين الميت إنما هو بمثل ما كان يمدح به في حياته، وقد يفعل في التأبين شيء ينفصل به لفظه عن لفظ المدح بغير كان وما جرى مجراها، وهو أن يكون الحي وصف مثلاً بالجود، فلا يقل: كان جواداً ولكن بأن يقال: ذهب الجود او فنم للجود بعده ومثل: تولى الجود وما أشبه هذه الأشياء.

كما قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة ابن الحمير بالنجدة على هذه السبيل:

فليس سنانٌ الحرب يا توب بعدهابغازٍ ولا غادٍ بركبٍ مسافرِ

ومن الشعراء من يرثي بكاء الأشياء التي كان الميت يزاولها، وعتد ذلك ومثله يحتاج إلى أن يعلم صحة المعنى فيما يتكلم به من مثل هذه الأشياء، فإنه ليس من إصابة المعنى أن يقال ف كل شيء تركه الميت: إنه يبكي عليه، لأن من ذلك ما إن قيل إنه بكى عليه كان سبة وعيباً لاحقين به.

فمن ذلك مثلاً إن قال قائل في ميت: بكتك الخيل إذ لم تجد لها فارساً مثلك، فإنه مخطئ، لأن من شأن ما كان يوصف في حياته بكده إياه، أن يذكر اعتباطه بموته، وما كان يوصف بالإحسان إليه في حياته أن يذكر اغتمامه بوفاته.

ومن ذلك إحسان الخنساء في مرثيتها صخراً وإصابتها المعنى، حيث قالت تذكر اغتباط حذفة فرس صخر بموته:

فقدْ فقدتكَ حذفةُ فاستراحتْفليتَ الخيلَ فارسُها يرَاها

ولو قالت: فقدتك حذفة فبكت، لأخطأت، بل إنما يجب أن يبكي على الميت

ما كان يوصف إذا وصف في حياته بإغاثته الإحسان إليه، كما قال كعب بن سعد الغنوي في مرثية أخيه:

ليبككَ شيخٌ لم يجدْ من يعينُهوطاوِى الحشى نائِي المزارِ غريبُ

وكما قال أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي:

ليبككَ الشربُ والمدامةُ والفتيانُ طُرّاً وطامعٌ طمعَاً
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
وذاتُ هدْم عارٍ نواشرُهاتصمتُ بالماءِ تولباً جدعَا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
والحيُّ إذ حاذرُوا الصباحَ وقدْخافُوا مُغيراً وسائراً تلعَا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

فيجب أن يتفقد مثل هذا من إصابة الغرض والانحراف عنه.

وإذ قد تبين بما قلنا آنفاً إنه لا فصل بين المدح والتأبين إلا في اللفظ دون المعنى، فإصابة المعنى به ومواجهة غرضه هو أن يجري الأمر فيه على سبيل المدح.

فمن المراثي التي تشتبه في المديح استيعاب الفضائل التي قدمنا ذكرها والإتيان عليها، مثل قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:

لعمري لئن كانت أصابتْ منيةٌأخي والمنايا للرِّجال شعوبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
لقد كانَ، أما حلمهُ فمروحٌعلينا، وأما جهلهُ فغريبُ
أخي ما أخِي، لا فاحشٌ عند بيتهِولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»

فقد أتى في هذه الأبيات بما وجب أن يأتي في المراثي، إذا أصيب بها المعنى، وجرت على الواجب، أما في البيت الأول فيذكر ما يدل على أن الشعر مرثية لهالك لا مديح لباق، وأما سائر الأبيات الأخر فتجمع الفضائل الأربع التي هي العقل والشجاعة والحلم والعفة، ثم افتن كعب في هذه المرثية في ذلك، وزاد في وصف بعض الفضائل ما لم يخرج به عن استيفائه، وهو قوله:

حليمٌ إذا ماسورةُ الجهلِ أطلقتْحُبَى الشيبِ للنفسِ اللجوجِ غلوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينيِّ، لم يكنْإذا ابتدَر الخيلَ الرجالُ يخيبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
فإني لباكيهِ وإني لصادقٌعليه، وبعض القائلينَ كذوبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
ليبككَ شيخٌ لم يجدْ من يعينهُوطاوِى الحشَا نائِي المزارِ غريب
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كل جانبٍإذا جاءَ جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
فتىً لا يبالي أن يكونَ بجسمهِإذا نالَ خلاتِ الكرامِ شحوبُ
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
حليمٌ إذا ما الحلمُ زينَ أهلهُمع الحلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
إذا ما تراءاهُ الرجالُ تحفظُوافلم تنطقِ العوراءُ وهو قريبُ
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة

ومثل قول أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة الأسدي بجميع الفضائل التي ذكرناها إلا العفة وحدها فإنه ترك ذكرها، إلا أنه في بعض القصيدة وصفه بالكمال، وفي الكمال كل فضيلة من العفة وغيرها:

أبا دليجةَ من يكفِي العشيرةَ إذأمْسَوْا من الأمرِ في لبسٍ وبلبالِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»
أمْ من يكونُ خطيبَ القومِ إذا حفلُوالدى الملوكِ ذوي أيدٍ وإفضالِ
أمْ من لأهلِ لواءٍ في مسكعةٍمن خصمهمْ لبسُوا حقاً بإبطالِ
أم من لحيٍّ أضاعُوا بعضَ أمرهمُبينَ القسوطِ وبين الدينِ دلدالِ
فرجتَ غمهمُ وكنتَ غيثهمُحتى استقرتْ نواهم بعد تزوال
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»

فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس العقل والرأي واللسن ونحو ذلك، وقال:

أبا دليجَةَ من تُوصِى بأرملَةٍأمْ منْ لأشعثَ ذي طمرينِ طملالِ
وما خليجٌ من المروتِ ذو حدبٍيرمي الضريرَ بخشبِ الطلحِ والضالِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»
يوماً بأجودَ منه حين تسألهُولا مغبٌّ بترجٍ بين أشبالِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»
ليثٌ عليهِ من البرديِّ هبريةٌكالمزبرانيِّ عيالٌ بأوصالِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»
يوْماً بأجزا منه جدَّ بادرةٍعلى كميٍّ بمهوِ الحدِّ فصالِ

فقد رثاه في هذه الأبيات بما جانس البذل والسماحة والجود والشجاعة، ولم يذكر العفة، إلا أنه قال في أول القصيدة:

أمُّ حصانٌ فلم تضربْ بكلتهَاقد طُفْتُ في كل هذا الناسِ أحوالِي
على امرئٍ سوقةٍ ممن سمعتُ بهِأندَى وأكملَ منه أيَّ إكمالِ
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «عيني لا بد من سكب وتهمال»

وقال أوس يرثي فضالة أيضاً:

أيتهَا النفسُ أجملِي جزعَاًإن الذي تحذرِين قد وقعَا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»
إن الذِي جمعَ السماحةَوالنجدةَ والحزمَ والقوَى جمَعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»
الألمعيَّ الذِي يظن لكَ الظَّنَّ كأنْ قد رأَى وقدْ سمعَا

فقد جمع في هذه الأبيات المرثية بجميع الفضائل، ووضع الشيء من ذلك في موضعه.

ومن المراثي التي تشبه في المديح اقتضاب المعاني واختصار الألفاظ، ما قاله أوس في قصيدته يرثي فضالة التي أولها:

ألم تكسفِ الشمسُ شمسُ النهارِ مع النجمِ والقمرِ الواجب
لهلك فضالةَ لا تستوي الفقودُ ولا خلةُ الذاهبِ
وأفضلتَ في كلِّ شيءٍ فمايقاربُ سعيكَ من طالبِ
نجيحٌ مليحٌ أخو ماقطٍنقابٌ يخبرُ بالغائبِ
ويكفي المقالةَ أهلَ الدحَالِ غيرُ معيبِ ولا عائبِ

في ظاهر النظر أن يظن بنا خطأ في وضعنا مليح موضع المدح بالفضائل الحقيقية، إذ كانت الملاحة لا تجري مجرى الفضائل النفسية، لأن المليح في هذا الموضع ليس هو من ملاحة الخلق، لكنه على ما حكى عن أبي عمرو أنه المستشفى برأيه، قال: وهو من قولهم: قريش ملح الأرض، أي الذي يستشفى بهم، والذي يشهد على ما قاله أبو عمرو قول أوس بن حجر:

نقاب يخبر بالغائب

لأن هذا من جنس الرأي والحدس.

وقول الشماخ في عمر بن الخطاب:

فمَنْ يسعَ أو يركبْ جناحيْ نعامةٍليدركَ ما قدمتَ بالأمسِ يسبقِ
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «جزى الله خيرا من أمير وباركت»

وقول الحطيئة يرثي علقمة بن علاثة:

فما كان بينِي لو لقيتكَ سالِماًوبينَ الغنَى إلا ليالٍ قلائلُ
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أرى العير تحدى بين قو وضارج»
ولو عشتَ لم أمللْ حياتِي وإن تمتْفما في حياةٍ بعد موتكَ طائلُ

ومنهم أيضاً من يغرق في وصف فضيلة واحدة على حسب ما تقدم، وتكون جميع الأحوال في المراثي جارية على حسب أحوال المديح، وفي ما تقدم في باب المديح من وصف ذلك ما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

ولنتبع كلامنا في المراثي الكلام في التشبيه.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٣٠٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من النعوت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.