من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
حديث عثمان بن إبراهيم الخاطبي مع عمر بن أبي ربيعة
وقرأت عَلَى عبد الله نفطويه، قَالَ: عثمان بن إبراهيم الخاطبي، فقَالَ لي بعد أن قرأت قطعة من الخبر فتبينه حَدَّثَنَا بهذا الخبر أحمد بن يحيى، عَنِ الزبير بن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي مصعب بن عبد الله، عَنْ عثمان بن ابراهيم الخاطبي، قَالَ: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنتين، فانتظرته فإذا هو فِي مجلس قومه بني مخزوم حتى إذا تفرق الناس عنه دنوت منه ومعي صاحب لي، فقَالَ لي: هل لك أن تنظر هل بقي من الغزل شيء فِي نفسه؟ فقلت: دونك، فقَالَ: يا أبا الخطاب، أحسن والله رسيان العذري، فقَالَ: وفيما ذا؟ قَالَ حين يقول:
لو جذ بالسيف رأسي فِي مودتهالمال لا شك يهوى نحوها راسي
فقَالَ عمر: أحسن والله! فقَالَ: يا أبا الخطاب، وأحس والله بجبة بن جنادة العذري، قَالَ: فيما ذا؟ قَالَ حين يقول:
سرت لعينك سلمى عند مغناهافبت مستهليا من بعد مسراها
فقلت أهلاً وسهلاً من هداك لناإن كنت تمثالها أو كنت إياها
تأتي الرياح التي من نحو بلدتكمحتى أقول دنت منا برياها
وقد تراخت بنا عنها نوىً قذفٌهيهات مصبحها من بعد ممساها
من حبها أتمنى أن يلاقينيمن نحو بلدتها ناعٍ فينعاها
كيما أقول فراقٌ لا لقاء لهوتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت لهايا بؤس للموت ليت الدهر أبقاها
فضحك عمر، وقَالَ: أحسن ويحه والله! للقد هيجتم عَلَى ما كان مني ساكنا، لأحدثنكم حديثا حلوًا: أنا منذ أعوامٍ جالسٌ إذ أتاني خالدٌ الخريت، فقَالَ: يا أبا الخطاب، مرَّ قبيلاً أربع يردن
كذا وكذا من مكة ولم أر مثلهن قط، فهل لك تأتي متنكراً فتسمع من حديثهن ولا يعلمن؟ قلت: ويحك! وكيف لي بأن يخفى ذلك؟ قَالَ: تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس عَلَى قعود حتى تهجم عليهن.
قَالَ: فجلست عَلَى قعود ثم أتيتهن وسلمت عليهن، فسألنني أن أحدثهن وأنشدهن، فأنشدتهن لكثير وجميل وغيرهما، فقلن: يا أعرابي، ما أملحك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا! فإذا أمسيت انصرفت.
قَالَ: فأنخت قعودي فجلست معهن فتحدثت وأنشدتهن، فدنت هند وهي التي كنت أشبب بها، فمددت يدها فألقت عمامتي عَنْ رأسي ثم قَالَت: بالله أتراك خدعتنا منذ اليوم، نحن والله خدعناك، ثم أرسلنا إليك خالداً ليأتينا بك عَلَى أقبح هيئاتك، ونحن عَلَى ما ترى.
ثم أخذنا فِي الحديث فقَالَت: يا سيدي لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي فِي جيبي فلما نظرت إِلَى كعثبي فرأيته ملء العين وأمنية المتمني ناديت: يا عمراه يا عمراه! فصاح عمر: يا لبيكاه يا لبيكاه! ثم أنشأ يقول: قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي أولها ألم تسأل الأطلال والمتربعا
ألم تسأل الأطلال والمتربعاببطن حليات دوارس بلقعا
: وأملى علينا أَبُو عبد الله:
عرفت مصيف الحي والمتربعا
وهو غلط، لأن عرفت مصيف الحي أول قصيدة جميل:
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعدمانكأن فؤاداً كان قدماً مفجعا
بهند وأترابٍ لهند إذ الهوىجميعٌ وإذ لم نخش أن يتصدعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجهكما صفق الساقي الرحيق المشعشعا
وإذ لا ولا نرى لواشٍلدينا يطلب الصرم مطمعا
تنوعتن حتى عاود القلب سقمهوحتى تذكرت الحديث المودعا
فقلت لمطريهن بالحسن إنماضررت فهل تسطيع نفعاً فتنفعا
واشتريت فاستشري وقد كان قد صحافؤادٌ بأمثال المها كان موزعا
وروي أَبُو عبد الله بأمثال الدمى كان مولعاً ومعنى مولع وموزع واحد.
وهيجت قلباً كان قد ودع الصّباوأشياعه فاشفع عسى أن تشفعا
لئن كان ما قد قلت حقاً لما أرىكمثل الألى أطريت فِي الناس أربعاً
فقَالَ تعال انظر فقلت وكيف ليأخاف مقاماً أن يشيع فيشنعا
هذا البيت لم يمله عَلَى أَبُو عبد الله، وقرأته عليه من خط ابن سعدان.
فقَالَ اكتفل ثم التثم وأت باغياًفسلّم ولا تكثر بأن تتورعا
فإني سأخفي العين عنك فلا ترىمخافة أن يفشو الحديث فيسمعا
فأقبلت أهوى مثل ما قَالَ صاحبيلموعده أزجي قعودا موقعا
فلما توافقنا وسلّمت أشرقت وجوهزهاها الحسن أن تتقنعا
وروى أَبُو عبد الله: فلما تلاقينا.
تبالهن بالعرفان لما عرفننيوقلن امرؤ باغٍ أكلّ وأوضعا
وروى أَبُو عبد الله: لما رأينني، وروي أيضا: أضل فأوضعا، وهو أحب إِلَى.
وقربّن أسباب الهوى لمتيميقيس ذراعاً كلّما قسن إصبعا
فلما تنازعَنِ الأحاديث قلن ليأخفت علينا أن نغر نخدعا
وروى أَبُو عبد الله: لكنت أن تغرّ وتخدعا فبالأمس أرسلنا بذلك خالداً إليك وبّينا له الشأن أجمعا وروى أَبُو عبد الله لبالأمس أرسلنا.
فما جئتنا إلا عَلَى وفق موعدٍعَلَى ملأٍ منا خرجنا له معا
رأينا خلاءً من عيون ومجلساًدميث الربى سهل المحلة ممرعا
وقلنا كريمٌ نال وصل كرائمفحقّ له فِي اليوم أن يتمتعا
وبخط ابن سعدان: فحقّ لنا فِي اليوم أن نتمتعا
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أنشدنا عبد الرحمن، عَنْ عمه لمرار بن هبّاش الطائي:
فما ماء مزنٍ فِي ذرى متمنعحمى ورده وعرٌ به ولصوب
بأطيب من فيها وما ذقت طعمهسوى أن أرى بيضاً لهنُّ غروب
أأهجر من قد خالط القلب حبهومن هو موموق إِلَى حبيب
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع