من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
حديث قيس بن ذريح وإلحاح أبيه عليه فِي طلاق لبني وما آل إليه أمره بعد فراقها
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الله بن خلف الدلال، قَالَ: قَالَ محمد بن زياد الأعرابي: لما ألحّ ذريح عَلَى ابنه قيس فِي طلاق لبنى فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه فِي الرّمضاء وقَالَ: لا والله لا أريم هذا الموضع حتى أموت أو يخلّيها، فجاءه قومه من كل ناحية فعظّموا عليه الأمر وذكّروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك! إن مات شيخك عَلَى هذا الحال كنت معينا عليه وشريكاً فِي قتله، ففارق لبنى عَلَى رغم أنفه، وقلة صبره، وبكاء منه حتى بكى لهما من حضرهما، وأنشأ يقول:
أقول لخلّتي فِي غير جرٍمألا بينى بنفسي أنت بيني
فوالله العظيم لنزع نفسيوقطع الرّجل مني واليمين
أحب إليّ يا لبنى فراقافبكّى للفراق وأسعديني
ظلمتك بالطلاق بغير جرمفقد أذهبت آخرتي وديني
قَالَ: فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا، وأنشأت تقول:
رحلت إليه من بلدي وأهليفجازاني جزاء الخائنينا
فمن راني فلا يغترَّ بعديبحلو القول أو يبلو الدَّفينا
فلما انقضت عدَّتها وأرادت الشخوص إِلَى أهلها، أتيت براحلة لتحمل عليها، فلما رأى ذلك قيس داخله منه أمر عظيم واشتد لهفه، وأنشأ يقول:
بانت لبيني فأنت اليوم متبولوإنك اليوم بعد الحزم مخبول
فأصبحت عنك لبني اليوم نازحةودلّ لبني الخيرات المعسول
هل ترجعنَّ نوى لبنى بعاقبةٍكما عهدت ليالي العشق مقبول
وقد أراني بلبني حقّ مقتنعوالشَّمل مجتمعٌ والحبل موصول
فصرت من حبِّ لبنى حين أذكرهاالقلب مرتهن والعقل مدخول
أصبحت من حب لبنى بل تذكُّرهافِي كربة ففؤادي اليوم مشغول
والجسم منِّي منهوك لفرقتهايبريه طول سقامٍ فهو منحول
كأنني يوم ولَّت ما تكلمنيأخو هيام مصاب القلب مسلول
أستودع الله لبنى اذ تفارقني عَنْ غير طوع وأمر الشيخ مفعول ثم ارتحلت لبنى، فجعل قيس يقبِّل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها، فلما رأى ذلك قومه أقبلوا عَلَى أبيه بالعذل واللوم، فقَالَ ذريح لما رأي حاله تلك: قد جنيت عليك يا بنيَّ، فقَالَ له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي! وأقبل قومه يعذلونه فِي تقبيله التراب، فأنشأ يقول:
فما حبيّ لطيب تراب أرضٍولكن حب من وطئ الترابا
فهذا فعل شيخينا جميعاًأرادا لي البلية والعذابا
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد:
كسوناها من الريط اليمانيمسوحاً فِي بنائقها فضول
وهدّمنا صوامع شّيدتهالها حببٌ مخالطها نجيل
يقول: كانت هذه الإبل بيضاً كأن عليها الريط، ثم اسودت من العرق من شدّة ما أتعبناها، فكأننا كسوناها المسوح، يعني أنها صارت أن كانت بيضاً وقوله: وهدّمنا صوامع شيدتها.
يعني أسمنتها رفعتها.
لها حببٌ، وهي جمع حبة وهي بزور البقل والنبات.
مخالطها نجيل، والنجيل من الحمض، ومنه قول الشماخ:
ولا عيب فِي مكروهها غير أنهاتبدّل جونا لونها غير أزهرا
شيء من أمثال العرب قَالَ أَبُو عبيدة: من أمثال العرب: العقوق ثكل من لم يثكل، يقول: إذا عقه ولده فقد ثكلهم وإن كانوا أحياء.
قَالَ ومن أمثالهم: تجّنب روضةً وأحال يعدو، يقول واختار الضّيق، يضرب مثلاً للرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان.
: ترك الخصب قَالَ الأصمعي ومن أمثالهم: إذا نزا بك الشر فاقعد، أي فاحلم ولا تسارع اليه.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع