من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
وصف أعرابي الدنيا وقد سئل عنها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، قَالَ: وجد بخط العتبي بعد موته فِي كتبه، أن رجلاً سأل بعض الزهاد فقَالَ: أَخْبَرَنِي عَنِ الدنيا، فقَالَ: جمة المصائب، رنقة المشارب، لا تمتع صاحباً بصاحب
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى زيد قَالَ: سأل الوليد بن عبد الملك أباه عَنِ السياسة، فقَالَ: هيبة الخاصة مع صدق مودتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع، فإن شكرها أقرب الأيادي إليها
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: قيل لبعض الحكماء: ما الداء العياء؟ فقَالَ: حسد ما لا تنأله بقول ولا تدركه بفعل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: سمعت أعرابياً يقول: من لم يضن بالحق عَنْ أهله فهو الجواد، وسمعت آخر يقول: الصبر عند الجود أخو الصبر عند اليأس، وسمعت آخر يقول: سخاء النفس عما فِي أيدي الناس أكثر من سخاء البذل
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: شاور أعرابي ابن عمٍّ له فأشار عليه برأي، فقَالَ: قد قلت بما يقول به الناصح الشفيق الذي يخلط حلو كلامه بمره وحزنه بسهله، ويحرك الإشفاق منه ما هو ساكن من غيره، وقد وعيت النصح منه وقبلته إذ كان مصدره من عند من لا شك فِي مودته وصافى غيبه، وما زلت بحمد الله إِلَى الخير منهجًا واضحًا وطريقًا مهيعًا: المهيع: الواضح ما كان زياد يقوله للرجل إذا أراد أن يوليه عملاً
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبي عبيدة، عَنْ يونس، قَالَ: كان زياد إذا ولى رجلاً عملاً قَالَ له: خذ عهدك وسر إِلَى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إِلَى أربع
خلال فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلنا بك لضعفك وسلمتك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك قوياً خائناً استهنا بقوتك، وأحسنا عَلَى خيانتك أدبك، وأوجعنا ظهرك وثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أميناً قوياً زدنا فِي عملك ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك وأوطأنا عقبك
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ عبد الله بن مصعب الزبيري، قَالَ: كنا بباب الفضل بن الربيع والآذن يأذن لذوي الهيئات والشارات، وأعرابي يدنو فكلما دنا صرخ به، فقام ناحيةً وأنشأ يقول:
رأيت آذننا يعتام بزتناوليس للحسب الزاكي بمعتام
ولو دعينا عَلَى الأحساب قدمنيمجدٌ تليدٌ وجدٌ راجحٌ نامي
متى رأيت الصقور الجدل يقدمهاخلطان من رخمٍ قزعٍ ومن هام
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، ﵀، لطفيل الغنوي:
وأصفر مشهوم الفؤاد كأنهغداة الندى بالزعفران مطيب
تفلت عليه تفلةً ومسحتهبثوبي حتى جلده متقوّب
يراقب إيحاء الرقيب كأنهلما وتروني أول اليوم مغضب
أصفر يعني قدحاً، مشهوم الفؤاد أي كأن فؤاده مذعور من سرعة خروجه، والشهم الحديد الفؤاد الذكي، وقوله: بالزعفران، أراد: قد أصابه الندى فاصفر كأنه مطيب بالزعفران، وروى الأصمعي: وأصفر مسموم الفؤاد يعني قدحاً محزوز الصدر، وكل ثقب فهوسم وسمٌّ، فجعل الحز ثقباً وجعل صدر القدح فؤاده، وقوله تفلت عليه، يقول: كان ضرب به فتترب، فتفلت عليه ومسحته بثوبي ليتملس فيكون أسرع لخروجه، ومتقوب: متقشر: وقوابته قشره، وقوله: يراقب إيحاء الرقيب، يقول: كأن هذا القدح بصير بما يراد منه، فهو يلامح الرقيب، فإذا قيل للمفيض: أفض، فكأنه يوحي إليه إيحاء، وقوله: لما وتروني، يقول: كأنه مغضب لقهرهم إياي فِي أول النهار فهو يثار لي.
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع