من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
ترجمة امرئ القيس بن ربيعة الملقب بمهلهل أخي كليب، وما وقع له من أخذه بثأر أخيه وقصيدته الرائية التي أولها: أليتنا بذي حسم أنيرى. . . . . الخ
وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرِ بن دريد، وأملى علينا أَبُو الحسن الأخفش، قَالَ: مهلهل بن ربيعة، ومهلهل لقب، وإنما سمي مهلهلاً بقوله
لمّا توعّر فِي الغبار هجينهمهلهلت أثأر جابراً أو صنبلا
هذا قول أبي الحسن، وأَبِي بَكْرٍ إلا أن أبا بكر روى:
لما توقّل فِي الكراع هجينهم
الكراع: أنف الحرّة،
وقرأت عَلَى أحمد، عَنْ أبيه: إنما سمي مهلهلاً لأنه أول من أرقّ المراثي، واسمه عديٌ، وفي ذلك يقول: رفعت رأسها إِلَى وقالت:
يا عدياً لقد وقتك الأواقيأليلتنا بذي حسمٍ أنيري
إذا أنت انقضيت فلا تحوري
ذي حسم: موضع، وتحوري: ترجعي، يُقَال: ماله لا حار إِلَى أهله أي لا رجع إليهم، ويقَالَ: نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة، الكور مأخوذ من كور العمامة كأنه رجع عّما كان أحكمه من الخير وشدّه، ومثلٌ من أمثالهم حورٌ فِي محارة يضرب مثلاً للرجل ينقص بعد الزيادة، وقَالَ أَبُو عبيدة: الحور: الهلكة.
فإن يك بالذنائب طال ليليفقد أبكي من الليل القصير
يقول: إن كان طال ليلي بهذا الموضع لقتل أخي فقد كنت أستقصر الليل وهو حيّ.
وأنقذني بياض الصّبح منها لقد أنقذت من شرٍّ كبير كأن كواكب الجوزاء عوذٌ معطّفةٌ عَلَى ربع كسير العوذ: الحديثات التاج واحدتها عائذ، وإنما قيل لها عوذ، لأن أولادها تعوذ بها، والربع: ما نتج فِي الربيع، يقول: كأن كواكب الجوزاء نوقٌ حديثات النّتاج عطّفت عَلَى ربع مكسور فهي لا تتركه، وهو لا يقدر عَلَى النهوض.
كأن الجدى فِي مثناة ربقٍ أسيرٌ أو بمنزلة الأسير المثناة: الحبل، والمثناة هاهنا عندي: المثنيّ: والرّبق: الحبل، والرّبق: الشّدُّ بالرّبق، فيقول: كأن الجدى قد شدّ بحبل مثنيّ فهو أحكم لشدّه، وكان أَبُو الحسن يقول: المثناة هاهنا: الحبل، والربق: الشد، ولا أعرف الريق الشَّدُّ إلا عنه.
كأنّ النَّجم إذ ولى سحيرا فصال جلن فِي يومٍ مطير النجم: الثُّريَّا، إنما شبّهها بالفصال فِي يومٍ مطير لبطئها، وذلك أن الفصيل يخاف الزَّلق فلا يسرع.
كواكبها زواحف لا غباتٌكأنّ سماءها بيدي مدير
الزواحف: المعيبات التي لا تقدر عَلَى النّهوض.
واللّواغب: مثلها، كرّره توكيداً لمّا اختلف اللفظ، وكان أَبُو الحسن يقول: كان يجب أن يقول مزاحف، لأنه جمع مزحف، لأنه يُقَال: أزحف، فإمّا حذف الزائد وإما جعله كالمنسوب كقولهم: ليلٌ غاضٍ وما أشبهه، أرادوا مغضٍ أو أرادوا
ذو غضو، وأنكر زحف، زحف صحيح، يُقَال: زحف المعى، وأزحف أي لم يقدر عَلَى النهوض مهزولاً كان او سميناً، وقوله: كأنّ سماءها بيدي مدير، يريد أن سماءها أثقل من أن يديرها مدير، فهو إذا تكلف إدارتها لم يقدر عليها.
كواكب ليلة طالت وغمتفهذا الصبح راغمة فغوري
وتسألني بديلة عَنْ أبيهاولم تعلم بديلة ما ضميري
فلو نبش المقابر عَنْ كليبٍفيخبر بالذنائب أيّ زير
يُقَال: هو زير نساء، وتبع نساء، وطلب نساء، وخلم نساء، وخلب نساء، إذا كان يتحدّث إليهنّ، ويطلبهنّ، ويتبعهنّ، ويهواهنّ، ويخالبهنّ، والخبر محذوف كأنه قَالَ: أيّ زيرٍ أنا:
بيوم الشّعثمين لقرعيناوكيف لقاء من تحت القبور
وإنّي قد تركت بوارداتٍبجيراً فِي دمٍ مثل العبير
الشعثمان: موضع معروف، ويجير بن الحارث بن عباد قتله مهلهل، فلما بلغ خبره أباه قَالَ: نعم، القتيل قتيلاً أصلح بين بكر وتغلب! فقيل له: إن مهلهلاً حين قتله قَالَ: بؤ بشسع نعل كليب، قوله: بؤ بشسع نعل كليب، أمر من قولهم باء الرجل بصاحبه بوءا إذا قتل به وكان كفأ له أي مت بشسع نعل كليب، فأنت فِي القود كفءُ له أي كفءٍ، ويقَالَ: القوم بواءٌ أي أمثال فِي القود مستوون، قَالَت ليلى الأخيلية:
فإن تكن القتلى بواءً فانكمفتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
فحينئذ قَالَ الحارث:
قرّباً مربط النعامة منّيلقحت حرب وائلٍ عَنْ حيال
ينوء بصدره والرُّمح فيهويخلجه خدبُّ كالبعير
ينوء: ينهض، يُقَال: نؤت بالحمل أنوء به نوءاً إذا نهضت به، وناء بي الحمل ينوء بي نوءاً إذا جعلني أنهض به، وكذلك قول الله ﷿: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي تجعلهم ينوءون بها أي ينهضون بها، وليس القلب الذي ذكره أَبُو عبيدة بشيء، وإنما يجوز ما ذكر فِي الشعر إذا اضطر
الشاعر فِي الموضع الذي يقع فيه لبسٌ ولا يحتمل إلا القلب، فأمّا فِي القرآن فلا يجوز، ويخلجه: يجذبه، ومن هذا قيل للحبل خليج، وقيل للماء الذي انجذب إِلَى ناحية خليج، ويروى: ويأطره أي: يثنيه ويعطفه، والحدبُّ: الضّخم.
هتكت به بيوت بني عبادٍوبعض القتل أشفى للصدور
وهمّام بن مرّة قد تركناعليه القشعمين من النسور
ويروى: عليه القشعمان من النسور فمن رفع جعله حالاً كأنه قَالَ: وعليه القشعمان من النسور، وجاز حذف الواو، لأن الهاء التي فِي عليه تربط الكلام بأوّله، والقشعم، الهرم من النسور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبإذا طرد اليتيم عَنِ الجزور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبإذا رجف العضاه من الدّبور
رجف: تحرك حركة شديدة، والعضاه: كل شجر له شوك واحدها عضةٌ
عَلَى أن ليس عدلًا من كليبإذا ماضيم جيران المجير
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبإذا خيف المخوف من الثغور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبغداة بلابل الأمر الكبير
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبإذا برزت مخبأة الخدور
عَلَى أن ليس عدلاً من كليبإذا علنت نجيّات الأمور
فداً لبني الشقيقة يوم جاءواكأسد الغاب لجّت فِي زئير
البلابل: الاضطراب، وروى بعضهم: التلاتل، وهو الانزعاج والحركة، والنجيّات: السرائر، يُقَال: زأر يزئر، والزئير الاسم، ويجيء مثل هذا فِي الأصوات، قالوا: الفحيح والكشيش والهدير والقليح، يُقَال: فحَّت الأفعى وهو صوتها من فيها، وكشت وكشيشها: صوت جلدها، وقلخ البعير إذا هدر، وبهذا سمي الشاعر قلاخاً
كأن رماحهم أشطان بئربعيدٍ بين جاليها جرور
الأشطان: الحبال، واحدها شطن، والبئر هاهنا: الهواء الذي من الجال إِلَى الجال، والبين: الوصل، وقرأ بعضهم: لقد تقطّع بينُكم وقَالَ أَبُو عبيدة: البين: الوصل، والبين: الافتراق وهو
من الأضداد، وجال البئر وجولها، ناحيتها وما يحبس الماء منها، ولهذا قيل للرجل الأحمق: ماله جولٌ أي شيءٌ يمسكه، وكذلك يُقَال: ماله زبرٌ، وزبر البئر: طيّها، وماله صيورٌ أي رأيٌ يصير إليه، وماله معقول، كل هذا فِي معنى واحد أي ماله عقلٌ، واللغويون يقولون: معقول أي عقل، وأَبُو عَلَى يقول: إنما أراد بمعقول أي ماله شيءٌ عُقل أي شدّ، أي ليس له هناك عقلٌ أمسك عليه.
فلا وأبي جليلة ما أفأنامن النعم المؤبل من بعير
جليلة: أخت كليب، وكانت تحت جساس قاتل كليب، وأفأنا: رجعنا، والنعم: الإبل خاصة، فإن اختلط بها غنمٌ جاز أن يُقَال: نعم، ولا يجوز أن يُقَال للغنم: وحدها: نعم، وجمع نعم: أنعام، والمؤبل: كان أَبُو الحسن يقول: المكمل، يُقَال: إبل مؤبّلة كما يُقَال: مائة ممآة، وقَالَ الأصمعي: المؤبّلة: التي للقنية، وقَالَ غيره، المؤبّلة: الجماعة من الإبل.
ولكنا نهكنا القوم ضرباًعَلَى الأثباج منهم والنحور
نهكنا القوم: أجهدناهم، والأثباج: الأوساط، واحدها ثبجٌ، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: الكتد: ما بين الكاهل إِلَى الظهر، والثبج نحوه.
قتيلٌ ما قتيل المرء عمرووجساس بن مرّة ذو ضرير
تركنا الخيل عاكفةً عليهمكأن الخيل تدحض فِي غدير
يُقَال: إنه لذو ضرير أي ذو مشقة عَلَى العدو، وعاكفة: مقيمة، تدحض: تزلق، يُقَال: مكان دحض مزلة ومدحضة، فأما قول علقمة.
رغا فوقهم سقب السماء فداحصٌ بشكّته لم يستلب وسليب فبالصاد غير معجمة، يُقَال: دحص برجله وفحص، وكان بعض العلماء يرويه فداحض، وهذا الحرف أحد ما نسب فيه إِلَى التصحيف
كأنا غدوةً وبني أبينايجنب عنيزةٍ رحيا مدير
فلولا الريح أسمع أهل حجرصليل البيض تقرع بالذكور
حجر: قصبة اليمامة، وحريمهم إنما كانت بالجزيرة،
قَالَ أَبُو الحسن، حَدَّثَنِي أَبُو العباس الأحول، قَالَ: أول كدبٍ سمع فِي الشعر هذا، والصليل: الصوت، قَالَ الراعي:
فسقوا صوادي يسمعون عشيةًللماء فِي أجوافهن صليلا
أي تصلّ أجوافها من العطش كما يصلّ الخزف إذا أصابه الماء، والذكور: السيوف التي عملت من حديد غير أنيث، ويروى: نقاف البيض يقرع بالذكور، قَالَ الأصمعي: قد غلث طعامه وعلثه، وقد اغتلث طعامه واعتلث، والعلاثة، أقطٌ وسمن يخلط أو ربٌّ وأقط، ويقَالَ: فلان يأكل الغليث إذا أكل خبزاً من شعير وحنطة.
ما سمع من العرب فِي لعل من اللغات قَالَ: وفي لعلّ لغات، بعض العرب يقول: لعلي، وبعضهم لعلني، وبعضهم عَلَى، وبعضهم علّني، وبعضهم لعنّي، وبعضهم لغنّي، وأنشدنا للفرزدق.
هل أنتم عائجون بنا لعنّانرى العرصات أو أثر الخيام
قَالَ وقَالَ عيسى بن عمر: سمعت أبا النجم يقول: أغد لعلنا فيالرهان نرسله وبعض العرب يقول: لأنني، وبعضهم يقول لأني، وبعضهم لوني، قَالَ: وقَالَ رجل بمنىً: من يدعو إِلَى المرأة الضالّة، فقَالَ أعرابي: لوّن عليها خماراً أسود، يريد لعلّ عليها خماراً أسود، فقَالَ: سوّد الله وجهك.
ما تعاقب فيه العين المهملة الغين المعجمة وقَالَ الفراء: سمعت وعاهم ووغاهم، وهي الضّجّة، ويقَالَ: ماله عَنْ ذلك وعل وماله عَنْ ذلك وغل فِي معنى لجأ، وقَالَ اللحياني يُقَال: ماله ارمعلّ دمعه، وارمغلّ إذا قطر وتتابع، وقَالَ أَبُو عمرو الشيباني: نشعث به ونشغت أي أولعت به، وإنه لمنشوع بأكل اللحم، ونشعته ونشغته إذا سعّطته، والنشوع والنشوغ: السعوط.
وحَدَّثَنَا أَبُو عمر، عَنْ أبي العباس، أن ابن الأعرابي، قَالَ فِي بيت الكميت:
وما استنزلت فِي غيرنا قدر جارناولا ثفّيت إلا بنا حين تنصب
يقول: إذا جاورنا أحد لم نكلّفه أن يطبخ من عنده، بل يكون ما يطبخه من عندنا، بما نعطيه من اللحم حين ينصب قدره
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو معمر عبد الأول، قَالَ: حَدَّثَنَا رجل من موالي بني هاشم، قَالَ: أذنب رجلٌ من بني هاشم ذنباً فعنّفه المأمون، فقَالَ: يا أمير المؤمنين، من كانت له مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومتّ بمثل قرابتي، غفر له فوق زلّتي، فأعجب المأمون كلامه وصفح عنه
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع