من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
قصيدة العطوى فِي الرد عَلَى هشام ومن قَالَ قوله
قَالَ: وأنشدنا عَلَى بن سليمان بن الفضل الكاتب، للعطوى:
جلّ ربّ الأعراض والأجسامعَنْ صفات الأعراض والأجسام
جلّ ربّي عَنْ كلّ ما اكتنفتهلحظات الأبصار والأوهام
برئ الله من هشامٍ وممّنقَالَ فِي الله مثل قول هشام
أيّ زادٍ تزوّدته يداهعامداً من كبائر الآثام
سوف تلقاه حين يلقاه نارتتلظّى لأهلها بضرام
كم شديد العناد للإسلامبين أبناء ملّة الإسلام
كهشام فإنه خلع الربقةمن كلّ حرمةٍ وذمام
قل لمن قَالَ قوله ورآهخير مسترشدٍ وخير إمام
لم أنكرت أن يكون مصيباًفِي مساعيه عابد الأصنام
لم أنكرت قول من عبد الشمسوصلّى للأنجم الأعلام
إن ترم بينها انفصالًا فهياتلقد رمت منه صعب المرام
ما الدّليل المبين عَنْ حدث العالمأفصح به لدى الأقوامٍ
لا دليل فلا ترمه وقد قلتكبعض الأنام ربّ الأنام
لم ترد غير قدمة الخلق فاقصدقصده دع مناقضات الكلام
قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ، ﵀:
لا أدفع ابن العلم يمشي عَلَى شفاًوإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبهلترجعه يوماً إِلَى الرّواجع
وحسبك من ذلٍّ وسوء صنيعةٍمناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
جنادع الشر: أوائله، واحدها جندعة، وأصل الجنادع: دوابّ تكون فِي حجرة الضّباب فإذا جاء المضبّب فرآها، قَالَ: هذه جنادعه.
قَالَ: وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، عَنْ يونس، قَالَ: لما أنشد أَبُو النجم: بين رماحي مالكٍ ونهشل قَالَ رؤبة: أو ليس نهشلٌ من مالك! فقَالَ له: يا بن أخي، إن الكمر أشباهٌ، يريد مالك ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعى، للمخبّل السّعدي:
إذا أنت عاديت الرجل فلاقهموعرضك عَنْ غبّ الأمور سليم
وإنّ مقادير الحمام إِلَى الفتىلسوّاقة ما لا يخاف هموم
وقد يسبق الجهل النّهي ثمّ انهاتريع لأصحاب العقول حلوم
وقد تزدرى النفس الفتى وهو عاقلويؤفن بعد القوم وهو حزيم
أي حازم، وقرأت هذا البيت عَلَى أبي عمر فِي نوادر ابن الأعرابي، قَالَ: وأنشدنا أَبُو العباس، عَنِ ابن الأعرابي: ويؤفن بعض القوم وهو جريم أي عظيم الجرم، الجرم: الجسد
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، للمغير بن حبناء:
إني امرؤٌ حنظلىّ حين تنسبنيلا ملعتيك ولا أخوالي العوق
لا تحسبنّ بياضاً فِي منقصةًإنّ الّلهاميم فِي أقرابها البلق
الّلهاميم واحدها لهموم: وهو الكثير الجري.
والعرب تقول: أضعف الخيل البلق وأشدّها البهم.
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، لعروة بن الورد:
قلت لركبٍ فِي الكنيف تروّحواعشيّة بتنا عند ماوان رزّح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكمإِلَى مستراحٍ من عناءٍ مبرّح
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراًيغرّر ويطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةًومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
ماوان: ماء لبنى فزارة، والرازح: الذي قد سقط من الهزال والإعياء، والجميع رزح.
قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا أَبُو عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، لمعن بن أوس:
لعمرك ما أهويت كفّي لريبةٍولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لهاولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أنّي لم تصبني مصيبةُُمن الدّهر إلا قد أصابت فتىً قبلي
ولست بماشٍ ما حييت بمنكرمن الأمر ما يمشي إِلَى مثله مثلي
ولا مؤثراً نفسي عَلَى ذي قرابتيوأوثر ضيفي ما أقام عَلَى أهلي
قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو معاذ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن شبيب أَبُو جعفر النحوي، عَنِ ابن أبي خالد، عَنْ سفيان بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، قَالَ: وقع ميراث بين بني هاشم وبين بني أمية تشاحّوا فيه وتضايقوا، فلما تفرّقوا أقبّل علينا أبونا عمرو، فقَالَ: يا بنيّ، إن لقريش درجاً تزّل عنها أقدام الرجال، وأفعالًا تخشع لها رقاب الأموال، وغاياتٍ تقصر عنها الجياد المسوّمة، وألسناً تكلّ عنها الشّفار المشحوذة، ثم إنه ليخيّل إِلَى أن منهم ناساً تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رفقُُ فِي اللّؤم، وتخرّق فِي الحرص، إن خافوا مكروهاً تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمةُ أخّروا عليها الشّكر، أولئك أنضاء الفكر، وعجوة حملة الشكر
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو معاذ، عَنْ محمد بن شبيب النحوي، قَالَ: وفد عبيد الله بن زياد بن ظبيان عَلَى عتّاب بن ورقاء فأعطاه عشرين ألفاً، فلما ودّعه قَالَ: يا هذا، ما أحسنت فأمدحك، ولا أسأت فأذمّك، وإنك لأقرب البعداء، وأحبّ البغضاء قَالَ يعقوب، يُقَال: وقع ذلك الأمر فِي روعي وفي خلدي وفي ضميري، وفي نفسي.
وحكى التّوّزيّ: وقع فِي صفري وفي جخيفي، ومنه: قيل لا يلتاط بصفري، أي لا يلزق بقلبي، وكذلك يُقَال لا يليق بصفري.
وأَخْبَرَنَا بعض أصحابنا عَنْ أحمد بن يحيى، أنه قَالَ: حكى لنا عَنِ الأصمعي أنه قيل له: إن أبا عبيدة يحكى: وقع فِي روعي، وفي جخيفي.
قَالَ: أما الرّوع فنعم، وأما الجخيف فلا.
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو عبد الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي محمد بن يونس، عَنِ الأصمعي، قَالَ: أتى أَبُو مهدية بإناء فيه ماء، فتوضأ فأساء الوضوء، فقيل له: يا أبا مهدية، أسات الوضوء، وكان الإناء يسع أقل من رطل، فقَالَ: القر شديد، والرّبّ كريم، والجواد يعفو
قَالَ: وقرأت عَلَى أبي عمر المطرّز، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن يحيى، عَنِ ابن الأعرابي، قَالَ: قيل لابنة الخس: ما أحسن شيء رأيت؟ قَالَت: غادية فِي إثر سارية، فِي نبخاء قاوية قَالَ: النّبخاء: الأرض المرتفعة المشرفة، لأن النبات فِي الموضع المرتفع أحسن.
قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عثمان، عَنِ التوزي، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: خرج جرير والفرزدق مُرتدفين عَلَى ناقة إِلَى هشام بن عبد الملك، فنزل جرير يبول فجعلت الناقة تتلّفت فضربها الفرزدق وقَالَ:
إلام تلفتين وأنت تحتيوخيرُ الناس كلّهم أمامي
متى تردي الرّصافة تستريحيمن التهجير والدّبر الدّوامي
ثم قَالَ: الآن يجيء جرير، فأنشدهُ هذين البيتين فيردّ عَلَى:
تلفّت أنها تحت ابن قينٍإِلَى الكيرين والفأس الكهام
متى ترد الرّصافة تخز فيهاكخزيك فِي المواسم كلّ عام
فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقَالَ: ما يضحكك يا أبا فراس؟ فأنشده البيتين، فقَالَ جرير:
تلفت أنها تحت ابن قين
كما قَالَ الفرزدق سواءً، فقَالَ الفرزدق: والله لقد قلت هذين البيتين، فقَالَ جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع