من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
تفسير حديث أكل السفرجل يذهب بطخاء القلب
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَزْهَرَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَكْلُ السَّفَرْجَلِ يَذْهَبُ بِطَخَاءِ الْقَلْبِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: الطخاء: الثقل والظلمة، يُقَال: ليلةٌ طخياء وطاخيةٌ.
قَالَ: وأنشدنا أَبُو العباس ثعلب عَنِ ابن الأعرابي:
ليت زماني عاد لي الأولّوما يردّ ليت أو لعلّ
وليلة طخياء يرمعلّفيها عَلَى الساري ندى مخضل
يقَالَ: ارمعلّ وارمعنّ إذا سال، وقَالَ الطخاء: الغيم الكثيف، لم أسمع الطخاء الغيم الكثيف إلا منه، فأما الذي عليه عامة اللغويين فالطخاء: الغيم الذي ليس بكثيف.
وقَالَ الأصمعي: الطخاء، والطهاء والطخاف والعماء: الغيم الرقيق، كذلك روى عنه أَبُو حاتم، وقَالَ أَبُو عبيد عنه: الطّخاء: السحاب المرتفع، وفسّر أَبُو عبيد حديث النَّبِيّ ﷺ، قَالَ: الطخاء: الغشى والثقل، وهذا شبيه بالقول الأول، وحقيقته عندي أي ما جلّل القلب حتى يسدّ الشهوة، ولذا قيل للسحاب: طخاء لأنه يجلّل السماء، ولذلك قيل لليلة المظلمة: طخياء لأنها تجلّل الأرض بظلمتها.
ما وقع لدريد بن الصمة يوم الظعينة وإغارة بني كنانة عَلَى بني جشم
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حاتم، عَنْ أبى عبيدة، قَالَ: خرج دريد بن الصمّة فِي فوارس من بني جشم حتى إذا كانوا فِي واد لبني كنانة رفع لهم رجل فِي ناحية الوادي ومعه ظعينةٌ،
فلما نظر إليه قَالَ لفارس، من أصحابه: صح به: خلّ الظعينة وانج بنفسك، وهم لا يعرفونه، فانتهى إليه الفارس، فصاح به وألح عليه، فلما أبى ألقى زمام الرحلة وقَالَ للظعينة:
سري عَلَى رسلك سير الآمنسير رداح ذات جأشٍ ساكن
إنّ انثنائي دون قرني شائنيأبلى بلائي وأخبري وعايني
ثم حمل عليه فصرعه وأخذ فرسه وأعطاه للظعينة، فبعث دريد فارساً آخر لينظر ما فعل صاحبه، فلما انتهى إليه ورآه صريعاً صاح به فتصامّ عنه، فظنّ أنه لم يسمع فغشيه، فألقى زمام الراحلة إِلَى الظعينة ثم رجع وهو يقول:
خلّ سبيل الحرة المنيعةإنك لاق دونها ربيعه
فِي كفة خطية مطيعة ...
أولا فخذها طعنةً سريعه
والطّعن منّى فِي الوغى شريعه
ثم حمل عليه فصرعه، فلما أبطأ عَلَى دريد بعث فارساً ثالثاً لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجرّ رمحه فقَالَ له: خلّ سبيل الظعينة، فقَالَ للظعينة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل فقَالَ:
ماذا تريد من شتم عابسألم تر الفارس بعد الفارس
أرداهما عامل رمح يابس
ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحيّ ووجد أصحابه قد قتلوا، فقَالَ: أيها الفارس، إنّ مثلك لا يقتل ولا أرى معك رمحاً، والخيل ثائرة بأصحابها فدونك هذا الرّمح فإني منصرف إِلَى أصحابي فمثبطهم عنك، فانصرف دريد وقَالَ لأصحابه، إنّ فارس الظعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع دمى، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم فقَالَ دريد:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهحامي الظعينة فارساً لم يقتل
أردى فوارس لم يكونوا نهزةًثم استّمر كأنه لم يفعل
متهللاً تبدو أسرّة وجههمثل الحسام جلته كف الصيقل
يزجى ظعينته ويسحب رمحهمتوّجهاً يمناه نحو المنزل
وترى الفوارس من محافة رمحهمثل البغاث خشين وقع الأجدل
ياليت شعري من أبوه وأمّهيا صاح من يك مثله لا يجهل
: البُغاث، والبِغاث: والبُغاث أكثر وأشهر، وقَالَ ربيعة:
إن كان ينفعك اليقين فسائليعني الظعينة يوم وادي الأخرم
إذ هي لأوّل من أتاها نهبةٌلولا طعان ربيعة بن مكدّم
إذ قَالَ لي أدنى الفوارس ميتةًخل الظعينة طائعاً لا تندم
فصرفت راحلة الظعينة نحوهعمداً ليعلم بعض ما لم يعلم
وهتكت بالرّمح الطويل إهابهفهوى صريعاً لليدين وللفم
ومنحت آخر بعده جياشةًنجلاء فاغرةً كشدق الأضجم
ولقد شفعتهما بآخر ثالثٍوأبى الفرار لي الغداة تكرّمي
ثم لم تلبث بنو كنانة أن أغارت عَلَى بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأجفى نفسه، فبينا هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوةٌ يتهادين إليه، فصرخت إحداهنّ، فقَالَت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرّ علينا قومنا! هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت عليه ثوبها، وقَالَت: يال فراسٍ، أنا جارةٌ له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي، فسألوه: من هو؟ فقَالَ: أنا دريد بن الصّمّة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم، قَالَ: فما فعل؟ قالوا: قتلته بنو سليم، قَالَ: فما فعلت الظعينة؟ قَالَت المرأة: أنا هيه وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقَالَ بعضهم: لا ينبغي لدريد أن نكفر نعمته عَلَى صاحبنا، وقَالَ آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره، فانبعثت المرأة فِي الليل وهي ريطة بنت جذل الطّعان تقول:
سنجزي دريداً عَنْ ربيعة نعمةًوكل امرئ يجزى بما كان قدّما
فإن كان خيراً كان خيراً جزاؤهوإن كان شرا كان شرّاً مذمما
سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرةبإعطائه الرّمح الطويل المقوّما
فقد أدركت كفاه فينا جزاءهوأهلٌ بأن يجزي الذي كان أنعما
فلا تكفروه حقّ نعماه فيكمولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
فلو كان حياً لم يضق بثوابهذراعاً غنياً كان أو كان معدما
ففكّوا دريداً من إسار مخارقٍولا تجعلوا البؤسى إِلَى الشر سلّما
فلما أصبحوا أطلقوه، فكسته وجهّزته ولحق بقومه، فلم يزل كافاً عَنْ غزو بني فراس، حتى هلك
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع