من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
تفسير قوله تعالى ﴿وكان الله عَلَى كل شيء حسيبا﴾
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن الأنبارى، قَالَ: فِي قوله ﷿: ﴿وكان الله عَلَى كل شيء حسيباً﴾ أربعة أقوال، يُقَال: عالما، ويقَالَ: مقتدرا، ويقَالَ: كافياً، ويقَالَ: محاسباً، فالذي يقول: كافياً، يحتجّ بقوله جل وعز: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، أي: كافيك الله، وبقوله ﷿: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي كافياً، وبقول الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصافحسبك والضّحّاك سيفٌ مهنّد
أي يكفيك ويكفي الضحاك، وبقول امرئ القيس:
فتملأ بيتنا أقطا وسمناوحسبك من غنىً شبع ورى
أي يكفيك الشّبع والرّيّ، وتقول العرب: أحسبني الشيء يحسبني إحساباً وهو محسبٌ، قَالَ الشاعر:
وإذ ما أرى فِي الناس حسناً يفوقهاوفيهنّ حسنٌ لو تأملّت محسب
ويقول الآخر:
ونقفى وليد الحيّ إن كان جائعاًونحسبه إن كان ليس بجائع
أي نعطيه حتى يقول: حسبي أي كفاني، وقَالَت الخنساء:
يكّبون العشار لمن أتاهمإذا لم تحسب المائة الوليدا
والذي يجعله بمعنى محاسب يحتجّ بقول قيس المجنون:
دعا المحرمون الله يستغفرونهبمكة يوماً أن تمحي ذنوبها
وناديت يا رباه أوّل سؤلتيلنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فمعناه أنت محاسبها عَلَى ظلمها.
والذي يقول: عالما، يحتج بقول المخبّل السّعدي:
فلا تدخلنّ الدّهر قبرك حوبةًيقوم بها يوماً عليك حسيب
أي محاسبك عليها عالم بظالمك والذي قَالَ مقتدراً، لم يحتجّ بشيء: والقولان الأوّلان صحيحان فِي الأشتقاق مع الرواية، والقولان الآخران لا يصحّان فِي الأشتقاق، ألا تراه قَالَ فِي تفسير بيت المخّبل السّعدي: محاسبك عليها عالم بظلمك، فالحسيب فِي بيته المحاسب وهو بمنزلة قول العرب: الشّريب للمشارب، وأنشد الفراء.
فلا أسقى ولا يسقى شريبيويرويه إذا أوردت مائي
أي مشاربي، وأنشد أَبُو بَكْرِ بن دريد، عَنْ أبي حاتم، عَنْ أبي زيد والأصمعي:
رب شريب لك ذي حساسشرابه كالحزّ بالمواسي
ليس بمحمودٍ ولا مواسىعجلان يمشي مشية النّفاس
ويروي: النّفاس، فمعناه ربّ مشاربٍ لك، والحساس: الشّرّ شرح حديث رب تقبل دعوتي.......... إلخ
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَنْبَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ خَالِدٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ طُلَيْقِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءٍ لَهُ: «رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: الحوبة: الفعلة من الحوب وهو الإثم، يُقَال: حاب الرجل إذا أثم، قَالَ الله ﷿: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ وقرأ الحسن: إنه كان حوباً كبيراً، فقَالَ الفراء: الحوب المصدر، والحوب الاسم، وقَالَ نابغة بني شيبان:
نماك أربعةٌ كانوا أئمتنافكان ملكك حقاً ليس بالحوب
والسخيمة: الحقد، وفيه لغات، يُقَال: فِي قلبي عَلَى فلان ضغنٌ، وحقدٌ، وضبٌّ، ووترٌ، ودعثٌ، وطائرةٌ، وترة، ودحل، وتبلٌ، ووغمٌ، ووغرٌ، وغمرٌ، ومئرةٌ، وإحنة، ودمنة، وسخيمةٌ، وحسيكةٌ، وحسيفةٌ، وكتيفة، وحشنة، وحزاز، وحزازٌ، ويقَالَ: حزّازٌ، قَالَ الشاعر:
فتىً لا ينام عَلَى دمنةٍولا يشرب الماء إلا بدم
وقَالَ لبيد:
بيني وبينهم الأحقاد والدّمن
وقَالَ الأعشى:
يقوم عَلَى الوغم فِي قومهفيعفو إذا شاء أو ينتقم
وقَالَ أيضاً:
ومن كاشحٍ ظاهرٍ غمرهإذا ما انتسبت له أنكرن
وقَالَ ذو الرمة:
إذا ما امرؤٌ حاولن أن يقتتلنهبلا إحنةٍ بين النفوس ولا ذحل
وقَالَ نصيب:
أمن ذكر ليلى قد يعادوني التبلعَلَى حين شاب الرأس واستوسق العقل
وقَالَ القطامي:
أخوك الذي لا تملك الحس نفسهوترفضّ عند المحفظات الكتائف
أي الأحقاد، واحدها كتيفة، والكتيفة أيضاً: الضبّة من الحديد، وأنشد أَبُو محمد الأموي فِي الحشنة:
ألا لا أرى ذا حشنةٍ فِي فؤادهيجمجمها إلا سيبدو دفينها
وأنشدنا محمد بن القاسم، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى النحوي:
إذا كان أولاد الرجال حزازةًفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع