من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)
تفسير قوله تعالى ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، عَنْ أبي حاتم، عَنِ ابن الأثرم، عَنْ أبي عبيدة، قَالَ: معنى قوله ﷿: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ شديد المكر والعقوبة
وأنشدنا ابن الأنباري لعبد المطلب بن هاشم:
لاهم إن المرء يمنعرحله فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهمومحالهم غدراً محالك
وقَالَ الأعشى:
فرع نبعٍ يهتز فِي غصن المجدعزير الندى عظيم المحال
معناه عظيم المكر، وقَالَ نابغة بني شيبان:
إنّ من يركب الفواحش سرّاًحين يخلو بسره غير خالي
كيف يخلو وعنده كاتباهشاهداه وربّه ذو المحال
وقَالَ الآخر:
أبرّ عَلَى الخصوم فليس خصمٌولا خصمان يغلبه جدالا
ولبس بين أقوامٍ فكلٌّأعدّ له الشغازب والمحالا
الشغزبية: ضرب من الصراع، يُقَال: اعتقله الشغزبيّة، وهو أن يدخل المصارع رجله بين رجلي الآخر فيصرعه.
قَالَ أَبُو بَكْرِ سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى النحوى، قَالَ: يُقَال: المحال مأخوذ من قول العرب: محل فلانٌ بفلان إذا سعى به إِلَى السلطان وعرّضه لما يوبقه ويهلكه، قَالَ أَبُو بَكْرٍِ ومن ذلك قولهم فِي الدعاء: لا تجعل القرآن بنا ماحلاً أي لا تجعله شاهداً علينا بالتضييع والتقصير.
ومن ذلك قول النَّبِيّ ﷺ: القرآن شافع مشفع، وماحل مصدّقٌ، من شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن محل به القرآن كبّه الله عَلَى وجهه فِي النار وروى عَنِ الأعرج أنه قرأ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، بفتح الميم، أي شيد الحول، وتفسير ابن عباس يدّل عَلَى فتح الميم، لأنه قَالَ: وهو شديد الحول والمحالة فِي كلام العرب عَلَى أربعة معانٍ: المحالة: الحيلة، والمحالة، البكرة التي تعلّق عَلَى رأس البئر، والمحالة: الفقرة من فقر الظهر، وجمعها محالٌ، والمحالة مصدر قولهم: حلت بين الشيئين، قَالَ أَبُو زيد: ماله حيلةٌ ولا محالة ولا محالٌ ولا محيلةٌ ولا محتالٌ ولا احتيالٌ ولا حولٌ ولا حويلٌ، وأنشد: قد أركب الآلة بعد الآلة وأترك العاجز بالجدالة منعفرا ليست له محاله أي حيلة، والجدالة: الأرض، يُقَال: تركت فلاناً مجدّلاً أي ساقطاً عَلَى الجدالة،
وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ ابن الأنبارى: ما للرجال من القضاء محالةٌ ذهب القضاء بحيلة الأقوم
قَالَ: وحَدَّثَنِي أبي، قَالَ: بعث سليمان المهلبي إِلَى الخليل بن أحمد بمائة ألف درهم وطالبه لصحبته فردّ عليه المائة الألف وكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه فِي سعةٍوفي غنى غير أني لست ذا مال
شحي بنفسي أني لا أرى أحداًيموت هزلاً ولا يبقى عَلَى حال
والرزق عَنْ قدرٍ لا العجز ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال
والفقر فِي النفس لا فِي المال تعرفهومثل ذاك الغنى فِي النفس لا المال
والعرب تقول: حولق الرجل إذا قَالَ: لا حول ولا قوة إلا بالله،
أنشدنا محمد بن القاسم:
فداك من الأقوام كل مبخّليحولق إما ساله العرف سائل
أي يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقَالَ: أحمد بن عبيد: حولق الرجل وحوقل إذا قَالَ: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل الرجل إذا قَالَ: باسم الله، وقد أخذنا فِي البسملة،
وأنشدنا ابن الأعرابي:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتهافيا بأبي ذاك الغزال المبسمل
وقَالَ أَبُو عكرمة الضبي: قد هيلل الرجل إذا قَالَ: لا إله إلا الله، وقد أخذنا فِي الهيللة، وقَالَ الخليل بن أحمد: حيعل الرجل إذا قَالَ حيّ عَلَى الصلاة، قَالَ الشاعر:
أقول لها ودمع العين جارٍألم يحزنك حيعلة المنادي
النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع