من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب في فضل البحتري
ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذاً، وأسلم طريقاً من أبي تمام، ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك عدداً كثيراً، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمحٌ تكفى إشارهوليس بالهذر طولت خطبه
وكما قال أيضاً:
ومعانٍ لو فصلتها القوافيهجنت شعر جرولٍ ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراًوتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ الغريب فأدركن به غاية المرام البعيد
فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.
قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدركٍ لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من
صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادةً لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيدٍ ولا لفظ حسن كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه.
وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم
بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها.
وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع الحيوان والنبات.
ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوعٍ محتاجٌ إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية.
فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري ﵎ ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جملٍ أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات.
والعلة الفاعلة هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة.
والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص منها.
وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله ﷿ إياها: لا تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية.
فهذا قولٌ جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن فضائل الكلام خمسٌ لو نقص منها فضيلة واحدة
سقط فضل سائرها، وهي: أن يكون الكلام صدقا، وأن يوقع موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة. قال: ورذائله بالضد من ذلك؛ فإنه إن كان صدقا ولم يوقع موقع الانتفاع به بطل فضل الصدق منهن وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به ولم يتكلم به في حينه لم يغنه الصدق ولم ينتفع به، وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه ولم يحسن تأليفه لم يستقر في قلب مستمعه، وبطل فضل الخلال الثلاث منه، وإن كان صدقاً وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه وأحسن تأليفه، ثم استعمل منه فوق الحاجة خرج إلى الهذر، أو نقص عن التمام صار مبتورا وسقط منه فضل الخلال كلها.
وهذا إنما أراد به بزرجمهر الكلام المنثور الذي يخاطب به الملوك، ويقدمه المتكلم أمام حاجته، والشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صدقاً، ولا أن يوقعه موقع الانتفاع به؛ لأنه قد يقصد إلى أنه يوقعه موقع الضرر، ولا أن يجعل له وقتاً دون وقت، وبقيت الخلتان الأخريان، وهما واجبتان في شعر كل شاعر، وذلك أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئاً على قدر حاجته؛ فصحة التأليف في لاشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة
المعنى، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه.
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة بينهما، ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
خاتمة
﷽
وصلى الله على سيدنا حمد وآله وصحبه أجمعين
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أن أوازن بين البتين أو القطعتين، إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يكاد يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد، وهي المرمى والغرض.
وبالله أستعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وترك التحامل؛ فإنه جل اسمه حسبي ونعم الوكيل.
وأنا ابتدئ بإذن الله من ذلك بما افتتحا به القول: من ذكر الوقوف على الديار والآثار، ووصف الدمن والأطلال، والسلام عليها، وتعفية الدهور والأزمان والرياح والأمطار إياها، والدعاء بالسقيا لها، والبكاء فيها، وذكر استعجامها عن جواب سائلها، وما يخلف قطينها الذي كانوا حلولاً بها من الوحش، وف يتعنيف الأصحاب ولومهم على الوقوف بها، ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها. وأقدم من ذلك ذكر ابتداءات قصائدهما في هذه المعانين إن شاء الله.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع