تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما يستكره للطائي من المطابق

ورأى الطائي الطباق في أشعار العرب، وهو أكثر وأوجد في كلامها من التجنيس، وهو: مقابلة الحرف بضده أو ما يقارب الضد، وإنما قيل " مطابق " لمساواة أحد القسمين صاحبه، وإن تضادا أو اختلفا في المعنى، ألا ترى إلى قولهم في أحد المعنيين - إذا لم يشاكل صاحبه - ليس هذا طبق هذا، وقولهم في المثل " وافق شنٌ طبقه " والطبق للشيء إنما قيل له طبقٌ لمساواته إياه في المقدار، إذا جعل عليه أو غطى به، وإن اختلف الجنسان.

قال الله ﷿ " لتركبن طبقاً عن طبق " أي: حالا بعد حال، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى، وإنما أراد جل وعز - وهو أعلم - تساويهما فيكم، وتغييرهما إياكم؛ بمرورهما عليكم، ومنه قول العباس بن عبد المطلب:

إذا انقضى عالمٌ بدا طبق

أي: جاءت حال أخرى تتلو الحال الأولى؛ ومنه طباق الخيل، يقال: طابق الفرس إذاوقعت قوائم رجليه في موضع قوائم يديه في المشي أو العدو؛ وكذلك مشي الكلاب، قال الجعدي:

طباق الكلاب يطأن الهراسا

فهذا حقيقة الطباق، إنما هو مقابلة الشيء لمثله الذي هو على قدره، فسموا المتضادين - إذا تقابلا - مطابقين؛ ومنه قول زهير:

ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذاما الليث كذب عن أقرانه صدقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

فطابق بين قوله " كذب " وبين قوله " صدقا "؛ وقول طفيلٍ الغنوى يصف فرساً:

يصان وهو ليوم الروع مبذول

فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول "، وقول طرفة بن العبد:

بطئ عن الجلى سريعٍ إلى الخنا

فطابق بين " بطئ " و " سريع ": فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا الفن من حلو الألفاظ وصحيح المعنى نحو قوله:

نثرت فريد مدامعٍ لم تنظم

ونحو قوله:

جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب

ونحو قوله:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمتويبتلى الله بعض القوم بالنعم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إلياس كن في ضمان الله والذمم»

وأشباه هذا من جيد أبياته، وتجنب مثل قوله:

قد لان أكثر ما تريد، وبعضهخشنٌ، وإني بالنجاح لواثق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قرب الحيا وانهل ذاك البارق»

وقوله:

لعمري لقد حررت يوم لقيتهلو أن القضاء وحده لم يبرد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»

وقوله:

وإن خفرت أموال قومٍ أكفهممن النيل والجودى فكفاه مقطع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

ونحو هذا مما يكثر، إن ذكرته ذهب عظيم شعره وسقط، وأكثر ما عيب عليه منه.

وهذا باب - أعني المطابق - لقبه أبو الفرج قدامة بن جعفر في كتابه المؤلف في نقد الشعر " المتكافئ "، وسمى ضرباً من المجانس المطابق، وهو: أن تأتي الكلمة مثل الكلمة سواء في تأليفها واتفاق حروفها، ويكون معناها مخالفاً، نحو قول الأفوه الأودي:

وأقطع الهوجل مستأنسابهوجلٍ عيرانةٍ عنتريس
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إما ترى رأسي أزرى به»

والهوجل الأول: الأرض البعيدة، والهوجل الثاني: الناقة العظيمة الخلق الموثقة، وقول أبي دواد الإيادي:

عهدت لها منزلا دارساًوآلاًِ على الماء يحملن آلا

فالآل الأول: أعمدة الخيام، والآل الثاني: ما يرفع الشخوص.

وقول زياد الأعجم:

ونبئتهم يستنصرون بكاهلٍوللؤم فيه كاهلٌ وسنام

وما علمت أن أحد فعل هذا غير أبي الفرج، فإنه وإن كان هذا اللقب يصح لموافقته معنى الملقبات، وكانت الألفاظ غير محظورة،

فإنى لم أكن أحب له أن يخالف من تقدمه، مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه الأنوع والألف فيها؛ أذا قد سبقوه إلى اللقب، وكفوه المؤونة.

وقد رأيت قوماً من البغداديين يسمون هذا النوع المجانس الممائل، ويلحقون به الكلمة إذا تكررت وترددت، نحو قول جرير:

تزود مثل زاد أبيك فينافنعم الزاد زاد أبيك زادا
للشاعر جرير، من قصيدة «أبت عيناك بالحسن الرقادا»

[وبابه قليل]

وهذا

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.