من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام خاصة مما نقلته من صحيح ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب
؛ لأنه استقصى ذلك استقصاء بالغ فيه حتى تجاوز إلى ما ليس بمسروق، فكفانا مؤونة الطلب.
قال أبو تمام:
فسواءٌ إجابتي غير داعٍودعائي بالقفر غير مجيب
فقال البحتري:
وسألت مالا يستجيب، وكنت في استخباره كمجيب من لا يسأل
وقال أبو تمام:
فكادج بأن يرى للشرق شرقاًوكاد بأن يرى للغرب غربا
فقال البحتري:
فأكون طوراً مشرقاً للمشرق الأقصى، وطوراً مغرباً للمغرب
وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍطويت أتاح لها لسان حسود
فقال البحتري:
ولن تستبين الدهر موضع نعمةٍإذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
وقال أبو تمام:
فإن تكن وعكةٌ قاسيت سورتهافالورد حلفٌ لليث الغابة الأضم
إن الرياح إذا ما أعصفتعيدان نجدٍ ولم يعبأن بالرتم
فقال البحتري:
فلست ترى شوك القتادة خائفاًسموم الرياح الآخذات من الرند
ولا الكلب محموماً وإن طال عمرهألا إنما الحمى على الأسد الورد
وقال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همةًولكنه في سائر الناس مطمع
فقال البحتري:
ثنى أملى فاحتازه عن معاشرٍيبيتون والآمال فيهم مطامع
وقال أبو تمام:
بمحمدٍ ومسودٍ ومحسدٍومكفرٍ وممدحٍ ومعذل
فقال البحتري: ذاك المحمد والمسو - د والمكرم والمحسد وقال أبو تمام:
وقد قرب المرمى البعيد رجاؤهوسلت الأرض العزاز ركائبه
فقال البحتري:
أدار رجاه فاغتدى جندل الفلاتراباً، وقد كان التراب جنادلا
وقال أبو تمام:
رافعٌ كفه لسبرى فما أحسبه جاءني لغير اللطام
فقال البحتري: ووعدٌ ليس يعرف من عبوس ان - قباضهم أوعدٌ أم وعيد
وقال أبو تمام:
ونغمة معتفٍ جدواه أحلىعلى أذنيه من نغم السماع
فقال البحتري:
نشوان من طرب السوال كأنماغناه مالك طيءٍ أو معبد
وقال أبو تمام:
ومجربون سقاهم من بأسهفإذا لقوا فكأنهم أغمار
فقال البحتري:
ملكٌ له في كل يوم كريهةٍإقدام غرٍ واعتزام مجرب
وقال أبو تمام:
لا المنطق اللغو يزكو في مقامهيوماً، ولا حجة الملهوف تستلب
فقال البحتري:
إن أغفلوا حجةً لم يلف مسترقاًلها، وإن يهموا في القول لم يهم
وقال أبو تمام:
مجدٌ رعى تلعات الدهر وو فتىحتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم
فقال البحتري:
صحبوا الزمان الفرط، إلا أنههرم الزمان وعزهم لم يهرم
وقال أبو تمام:
كريمٌ متى أمدحه والورىمعي، وإذا ما لمته لمته وحدي
فقال البحتري:
أأشكو نداه بعد أن وسع الورىومن ذا يذم الغيث إلا مذمم
وقال أبو تمام:
البيد والعيس والليل التمام معاًثلاثةٌ أبداً يقرن في قرن
فقال البحتري:
أطلبا ثاثاً سواي فإنيرابع العيس والدجى والبيد
وقال أبو تمام:
وما نفع من قد باي بالأمس صادياًإذا ما السماء اليوم طال انهمارها
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍللناس ما لم يأت في إبانه
وقال أبوتمام:
تكاد مغانيه تهشّ عراصهافتركب من شوقٍ إلى كلّ راكب
فقال البحتري:
ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير مافيوسعه لمشى إليك المنبر
وقال أبو تمام:
وكيف احتمالىللّسحاب صنيعةًبإسقائها قبراًوفي لحده البحر
فقال البحتري:
ملآن من كرمٍ؛ فليس يضّرهمرّ السّحاب عليه وهو جهام
وقال أبو تمام:
فليشكروا جنح الظّلام ودروزاًفهم لدروز والظّلام موالى
فقال البحتري:
نجا وهو مولى الرّيح يشكر فضلهاعليه، ومن يول الصّنيعة يشكر
وقال أبو تمام:
أنت المقيم فما تعدو رواحلهوعزمه أبداً منه على سفر
فقال البحتري:
مسافرٌ ومطاياه محللةٌغروضها، ومقيمٌ وهو مر تحل
وقال أبو تمام:
وسرّف العليا، وهل بك مذهبٌعنهاوأنت علىلمكارم قيّم؟
فقال البحتري:
متقلقل العزمات في طلب العلاحتّىيكون على المكارم قيمّا
وقال أبو تمام:
فلم يجتمع شرقٌ وغربٌ لقاصدٍولا المجد في كف امرئ والرام
فقال البحتري:
ليفر وفرك الموفى وإن أعوز أن يجمع الندى ووفوره
وقال أبو تمام:
فوفرت يافوخ الجبان على الردىوزدت غداة الروع في نجدة النجد
فقال البحتري:
ويغدو ونجدته في الوغىتدرب نجدات فرسانه
وقال أبو تمام:
ما زال وسواسي لعقلي خادعاًحتى رجا مطراً وليس سحاب
فقال البحتري:
وعجيبٌ أن الغيوم يرجيهن من لا يرى مكان الغيوم
وقال أبو تمام:
بكل صعب الذرى من مصبٍ يقظٍأقام متئداً أن سار معتزما
فقال البحتري:
لايبرح الحزم يستوفى صريمتهأقام متئداً أم سار معتزما
وقال أبو تمام:
لرددت تحفته عليه وإن علتعن ذاك واستهديت بعض خصاله
وقال أبو تمام أيضاً:
وانفح لنا من طيب خيمك نفحةًإن كانت الأخلاق مما توهب
فقال البحتري:
لا تسل ربك الكثير وسلهخصلةً تستفيدها من خصاله
وقال أبو تمام:
غريبةٌ تؤنس الآداب وحشتهافما تحل على قومٍ وترتحل
فقال البحتري:
ضوارب في ألافاق ليس بنازحٍبها من محلٍ أوطنته ارتحالها
وقال أبو تمام:
كأنما خارمه أولقٌأو غازلت هامته الخندريس
فقال البحتري:
وتخال ريعان الشباب يروعهمن جنةٍ أو نشوةٍ أو أفكل
وقال أبو تمام:
حمدٌ حبيت به وأجرٌ حلقتمن دونه عنقاء ليلٍ مغرب
فقال البحتري:
فأنت تصيب الحمد حيث تلألأتكواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
وقال أبو تمام:
تدعي عطاياه وفراً وهي إن شهرتكانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفا
فقال البحتري:
وإذا اجتداه المجتدون فإنهيهب العلى في سيبه الموهوب
وقال أبو تمام:
وتلبس أخلاقاً كراماً كأنهاعلى العرض من فرط الحصانة أدرع
فقال البحتري:
قومٌ إذا لبسوا الدروع لموقفٍلبسوا من الأحساب فيه دروعا
وقال أبو تمام:
لما أظلتني غمامك أصبحتتلك الشهود على وهي شهودي
فقال البحتري:
ومعترضون إن حاولت أمراًبهم شهدوا على وهم شهودي
وقال أبو تمام:
أنضرت أيكتي عطاياط جتىصار ساقاً عودي وكان قضيبا
فقال البحتري:
حتى يعود الذئب ليثاً ضيغماًوالغصن ساقاً والقرارة نيقا
وقال أبو تمام:
فما تصطاد غير الصيد
فقال البحتري:
وتصطاد الفوارس صيدها
وقال أبو تمام:
الآن حين غرست في كرم الندىتلك المنى وبنيت فوق أساس
فقال البحتري:
غفل الرجال بنوا على جدد الثرىلما بنوا، وبنيت فوق أساس
وقال أبو تمام:
فعلام الصدود من غير جرمٍوالصدود الفراق قبل الفراق
فقال البحتري:
على أن هجران الحبيب هو النوىلدى، وعرفان المشيب هو العذل
وقال أبو تمام:
وفتىً إذا جنف الزمان فما يرىإلا إلى عزماته يتظلم
فقال البحتري:
ولو أنصفتني سر مراءٌ لم أكنإلى العيس من قطانها أتظلم
من دوحة الكلم الذي لم ينفككوقفاً عليك رصينه محبوساً
فقال البحتري:
ولك السلامة والسلام؛ فإننيغادٍ، وهن على علاك حبائس
وقال أبو تمام:
وكذاك لم تفرط كآبة عاطلٍحتى يجاورها الزمان بحال
فقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسنٍ جوارهاخلائق أصفارٍ من المجد خيب
وقال أبو تمام:
وما العرف بالتسويف إلا كخلةٍتسليت عنها حين شط مزارها
فقال البحتري:
وكنت وقد أملت مراً لحاجتيكطالب جدوى خلةٍ لا تواصل
وقال أبو تمام:
آساد موتٍ مخدراتٌ ما لهاإلا الصوارم والقنا آجام
فقال البحتري:
حشدت حولها سباع المواليوالعواي غابٌ لتلك السباع
وقال أبو تمام:
ولاذت بحقويه الخلافة، والتقتعلى خدرها أرماحه ومناصله
فقال البحتري:
لاذت بحقويه الخلافة؛ إنهاقسمٌ لأفضل هاشمٍ فالأفضل
وقال أبو تمام:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديتهخرقاً، ولو شئنا لقلنا المركب
فقال البحتري:
حملت عليه في سبيل فتوةٍهي الثغر خلف المجدبل تفضل الثغرا
وقال أبو تمام:
وقد تألف العين الدجى وهو قيدهاويرجى شفاء السم والسم قاتل
فقال البحتري:
ويحسن دلها والموت فيهوقد يستحسن السيف الصقيل
وقال أبو تمام:
أورقت لي وعداً وثقت بنجحهبالأمس، إلا أنه لم يثمر
فقال البحتري:
والوعد كالورق الجنى تأودتمنه الغصون ونجحه أن يثمرا
وقال أبو تمام:
إنّ الهلال إذارأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
فقال البحتري:
مثل الهلال بدا؛ فلم يبرح بهصوغ الليالي فيه حتّىقمرا
وقال أبو تمام:
نرمى بأشباحنا إلى ملكٍنأخذ من ماله ومن أدبه
فقال البحتري:
نغدو فإمّا استمحنا من مواهبهفضلاً، وإما استفدنا منه آداب
وقال أبو تمام:
وما خير برقٍ لاح في غير وقتهووادٍ غدات ملآن قبل أوانه
فقال البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافعٍللناس ما لم يأت في إبانه
وقال أبو تمام:
لا يكرم النائل المعطى وإن أخذتبه الرغائب حتى يكرم الطلب
فقال البحتري:
علمتني الطلب الشريف، وإنماكنت الوضيع من اتضاع مطالبي
وقال أبو تمام:
أرسى بناديك الندى، وتنفستنفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
فقال البحتري:
راحت لأربعك الرياح ضعيفةًوأصاب مغناك الغمام الصيب
وقال أبو تمام:
الود للقربى ولكن رفدهللأبعد الأوطان دون الأقرب
فقال البحتري:
بل كان أقربهم من سيبه سيباًمن كان أبعدهم من جذمه رحما
وقال أبو تمام:
شرخٌ من الشرف المنيف يهزههز الصفيحة شرخ غمرٍ مبقل
فقال البحتري:
أدركت ما فات الكهول من الحجىفي عنفوان شبابك المستقبل
وقال أبو تمام:
بعثن الهوى في قلب من ليس هائماًفقل في فؤادٍ رعنه وهو هائم
فقال البحتري:
فبعثن وجداً للخلى، وزدن فيبرحاء وجد الهائم المستهتر
وقال أبو تمام:
غرةٌ بهمةٌ، ألا إنما كنت أغرا أيام كنت بهيما
فقال البحتري:
عجبت لتفويف القذال، وإنماتفويفه لء كان غير مفوف
وقال أبو تمام:
وما زالت تجد أسى وشوقا "له وعليه أخلاق الرسوم
فقال البحترى:
فهيج وجدى ربعها وهوساكنوجدد شوقى رسمها وهومخلق
وقال أبو تمام:
تراه يذب عن حرم المعالىفتحسبه يدافع عن حريم
فقال البحترى:
حامى عن المكرمات مجتهدا "ذب المحامى عن ماله ودمه
وقال أبو تمام:
تنصل ربها من غير جرمإليك سوى النصيحة والوداد
فقال البحترى:
أقر بما لم أجنه متنصلا "إليك على أنى إخا لك ألوما
وقال أبو تمام:
وتند عندهم العلى إلا علىجعلت لها مرر القصيد قيودا
فقال البحترى:
والمجد قد يأبق عن أهلهلولا عرى الشعر الذى قيده
وقال أبو تمام:
شك حشاها بخطبة عننكأنها منه طعنة خلس
فقال البحترى:
فرجت جونتها بخطبة فيصلمثل لها فى الروع طعنة فيصل
وقال أبو تمام:
جم التواضع والدنيا بسوددهتكاد تهتز من أقطارها صلفا
فقال البحترى:
أبدى التواضع لما نالها رعةعنها، ونالته فاختالت به تيها
وقال أبو تمام:
إذا أطلقواعنه جوامح غلهتيقن أن المن أيضا " جوامح
فقال البحترى:
وفى عفوه لو يعلمون عقوبة تقعقع فى الأعراض إن لم يعاقب
وقال أبو تمام:
قصر ببذلك عمر وعدك تجولىشكرا " يعمر عمر سبعة أنسر
فقال البحترى:
وجعلت فعلك تلو وعدك قاصرا "عمر العدو به وعمر الموعد
وقال أبو تمام:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةفلباه طل الدمع يجرى ووابله
فقال البحترى:
نصرت له الشوق اللجوج بعبرةتواصل فى أعقاب وصل تصرما
وقال أبوتمام:
من ليلة فى وبلها ليلاءفلو عصرت الصخر صار ماء
فقال اليحترى:
أشرقن حتى كاد يقتبس الدجىورطبن حتى كاد يجرى الجندل
وقال أبو تمام:
بر بدأت به ودار بابهاللخلق مفتوح ووجه مقفل
فقال البحترى:
إلام بابك معقود على خلقوراءه مثل مد النيل محلول
هذا ما أخذه البحترى من أبى تمام.
ولعل قائلاً يقول: إني قد تجاوزت فى هذا الباب، وقصرت، ولم تستقص جميع ما خرجه أبو الضياء بشر بن تميم من المسروق، وليس الأمر كذلك، بل قد استوفيت جميعه، فأوضحت، وسامحت بأن ذكرت مالعله لا يكون مسروقا "، وإن اتفق المعنيان أو تقاربا، غير أنى اطرحت سائر ماذكره أبو الضياء بعد ذلك لأنه لم يقنع بالمسروق الذى يشهد التأمل الصحيح بصحته، حتى تعدى ذلك إلى التكثير، وإلى أن أدخل فى الباب ما ليس منه، بعد أن قدم مقدمة افتتح بها كلامه.
وقال: ينبغي لمن نظر في هذا الكتاب أن لا يعجل بأن يقول: ما هذا مأخوذ من هذا، حتى يتأمل المعنى دون اللفظ، ويعمل الفكر فيما خفى، فإنما السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد آخذه في أخذه.
قال: ومن الناس من يبعد هنه إلا عن مثل بيت ارمئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية، فقال أحدهما " وتحمل " وقال الآخر " وتجلد ".
قال: وفي الناس طبقة أخرى يحتاجون إلى دليلٍ من اللفظ مع المعنى، وطبقة يكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل.
فجعل هذه المقدمة توطئةً لما اعتمده من الإطالة والحشد، وأن يقبل منه كل ما يورده، ولم يستعمل مما وصى به - من التأمل وإعمال الفكر - شيئاً، ولو فعل ذلك لرجوت أن يوفق لطريق الصواب؛ فيعلم أن السرق إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الساعر، لا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم، ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال: أخذه من غيره.
غير أن أبا الضياء استكثر من هذا الباب، وخلط به ما ليس من السرق في شيء، ولا بين المعنيين تناسبٌ ولا تقارب، وأتى بضربٍ آخر ادعى فيه أيضاً السرق والمعاني مختلفة؛ وليس فيه إلا اتفاق ألفاظ ليس مثلها مما يحتاج واحد أن يأخذه من آخر؛ إن كانت الألفاظ مباحةً غير محظورة، فبلغ غرضه في توفير الورق وتعظيم حجم الكتاب.
وأنا أذكر في كل بابٍ من هذه الأبواب أمثلة تدل على صحة ما ذكرناه، ونجعلها قياساً على ما لم نذكره؛ فإن في البعض غنى عن الإطالة بذكر الكل.
فمما أورده أبو الضباء من المعاني المستعملة الجارية مجاري
الأمثال وذكر أن البحتري أخذه من أبي تمام قول أبي تمام:
جرى الجود مجرى النوم منه؛ فلم يكنبغير سماحٍ أو طعانٍ بحالم
وقال البحتري:
ويبيت يحلم بالمكارم والعىحتى يكون المجد جل منامه
وهذا الكلام موجود في عادات الناس، ومعروف في معاني كلامهم، وجارٍكالمثل علىلسنتهم، بأن يقولوا لمن أحبّ شيئاًأو استكثر منه: فلان لايحلم إلا بالطعام، وفلان لايحلم إلا بفلانه من شدة وجده بها، وهذا الزنحبى ما حلمه إلا بالتمر؛ ولا يقال لمن كانت هذه سبيله: سرق، وإنما يقال له: اتفاق؛ فإن كان واحد سمع هذا المعنى أو مثله من آخر فاحتذاه فإنما ذكر معنى قد عرفه واستعمله، لا أنه أخذه سرقة.
وأنشد لأبي تمام:
إذا القصائد كانت من مدائحهميوماً فأنت لعمري من مدائحها
فذكر أن البحتري أخذه فقال:
ومن يكن فاخراً بالشعر يذكر فيأضعافه فبك الأشعار تفتخر
وهذا غلط على البحتري؛ لأن الناس لا يزالون يقولون: فلان يزين الثياب ولا تزينه، ويجمل الولاية ولا تجمله، وفلانة تزيد في حسن الحلى ولا يزيد في حسنها، وفلان تفتخر به الأنساب ولا يفخر بها، وهذا ليس من المعاني التي يجوز أن يدعى أحد من الناس أنه ابتدعها واخترعها أو سبق إليها، ولا يجوز أن يكون مثل هذا - إذا اتفق فيه خطيبان، أو شاعران - أن يقال: إن أحدهما أخذه من الآخر.
وأنشد لأبي تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
وذكر أن البحتري أخذه فقال:
وأيامنا فيك اللواتي تصرمتمع الوصل أضغاثٌ وأحلام نائم
وكأنه ما سمع الناس يقولون: ماكان الشباب إلا حلماً، وما كانت أيامه إلا نومة نائم، وما أشبه ذلك من اللفظ، فكيف يجوز أن يكون ذلك مسروقاً؟ وذكر أن من ذلك قول أب يتمام:
قد يقدم العير من دعرٍ على الأسد
وقول البحتري:
فجاء مجيء العير قادته حيرةٌإلى أهرت الشدقين تدمى أظافره
أو لم يسمع ما هو كالمجمع عليه من أن العير إذا رأى السبع أقبل إليه من شدة خوفه منه، حتى صار مثلا يتمثل به، كما يتمثل بالفراشة إذا تهافتت في الناء، وفي ذلك أمثال وأشعار كثيرة، فما أظن علمها سقط عن البحتري.
ومن ذلك قول أبي تمام:
هيهات لم يعلم بأنك لو ثوىبالصين لم تبعد عليك الصين
وقول البحتري:
يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوافي الصين في بدها ما استبعد الصينا
وهذا جار على أفواه العامة والخاصة والنساء والصبيان أن يضربوا المثل ف يالبعد بالصين، وأن يوقعوا التهديد به؛ فيقولوا: لو أنك بالصين لما بعدت على، فكيف لا يهتدي البحتري إلى مثل هذا؟ ومن ذلك قول أب يتمام:
كأن بني نبهان يوم وفاتهنجوم سماء خر من بينها البدر
وقول البحتري:
فإذا لقيتهم فموكب أنجمٍزهرٍ وعبد الله بدر الموكب
وهذا معنى متقدم مبتذل: جاء به النابغة وغيره، وكثر على الألسن حتى صار أشهر من كل مشتهر، وبيت أب يتمام خاصة فإنما سرقة على سياقه من مريم بنت طارق ترثي أخاها:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌيجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهممثل النجوم هوى من بينها القمر
ومن ذلك قول أبي تمام:
همةٌ تنطح النجوم وجدٌآلفٌ للحضيض فهو حضيض
وقل البحتري:
متحيرٌ يغدو بعزمٍ قائمٍفي كل نائبةٍ وجدٍ قاعد
وهذان المعنيان جنسهما واحد، ولفظهما مختلف، وهما شائعان في الكلام، وجاريان في الأمثال، يقال: فلان علي الهمة، وهمته في
الثريا وحاله في الحضيض، وفلان يسامي بهمته النجم ولكن قعد به حظه، ونحو هذا من اللفظ؛ فليس يجوز أن يعتور هذا المعنى شاعران فيقال: أحدهما أخذه من الآخر.
ومن ذلك قول أب يتمام:
وليست فرحة الأوبات إلالموقوفٍ على ترح الوداع
وقول البحتري:
ما لشيء بشاشةٌ بعد شيءٍكتلاق مواشكٍ بعد بين
وهذا معنى مستفيض معروف، ومنه قول الحجاج بن يوسف: لولا فرحة الأوبات لما عذبتهم إلا بالأسفار، وغرض كل واحد من هذين الشاعرين في هذين البيتين مخالف لغرض صاحبه؛ لأن أبا تمام ذكر أنه لا يفرح بالقدوم إلا من شجاه وأحزنه التوديع، وأراد البحتري أنه ليس شيء من المسرة والجذل إذا جاء في أثر شيء ما كالتلاقي بعد التفرق؛ فليس - وإن كان جنس المعنيين واحداً - يصح أن يقال: إن أحدهما
أخذ من الآخر؛ لأن هذا قد صار جارياً في العادات وكثيراً على الألسن؛ فالتهمة ترتفع عن أن يأخذ أحد عن آخر.
ومن ذلك قول أبي تمام:
لهم نشبٌ، وليس لهم سماحٌوأجسامٌ، وليس لهم قلوب
وقول البحتري:
خلقٌ ممثلةٌ بغير خلائقٍترجى، وأجسامٌ بلا أرواح
وهذا الكلام أيضاً هو أعرف في كلامهم وأشهر من أن يحتاج شاعرٌ أن يأخذه من الآخر، وهم دائماً يقولون: ما فلان إلا شبحٌ من الأشباح، وما هو إلا صورة في حائط، أو جسدٌ فارغ؛ ونحو هذا من القول الشائع المشتهر.
ومن ذلك قول أبي تمام:
لا تدعون نوح بن عمرو دعوةًللخطب إلا أن يكون جليلا
وقول البحتري: يا أبا جعفرٍ! وما أنت بالمد - عو إلا لكل أمرٍ كبار ونسى قول الناس: اختر لعظيم الحوائج العظيم من الناس، ولكبير الأمور كبيرهم، وقال رجل لابن عباس: إن لي إليك حاجةً صغيرة، فقال: اطلب لها رجلا صغيراً.
ومن ذلك قول أبي تمام:
بيضٌ فهن إذا رمقن سوافراًصورٌ، وهن إذا رمقن صوار
وقول البحتري:
أنى لحظت فأنت جوذر رملةٍوإذا صددت فأنت ظبي كناس
وهذا تسبيه أعين النساء بأعين البقر، وتمثيلهن بالصوار، وبالظباء؛ وجل كلام العرب عليه يجري، فلا تكون الشعراء فيه إلا متفقين.
ومن ذلك قول أبي تمام:
ولقد جهدتم أن تزيلوا عزهفإذا أبانٌ قد رسا ويلملم
وقول البحتري:
ولن ينقل الحساد مجدك بعدماتمكن رضوى واطمأن متالع
وهذا المعنى أيضاً شائع من معانيهم، وكثير من أشعارهم، ومنه قول الفرزدق:
فادفع بكفك إن أردت بناءناثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل
وقوله يخاطب جريرا أيضاً:
فرم حضناً فانظر متى أنت ناقله
أفترى البحتري ما سمع هذا من قول الفرزدق ولا من قول غيره فنقله كما سمعه أبو تمام فنقله؟ ومن ذلك قول أبي تمام:
وفي شرف الحديث دليل صدقٍلمختبرٍ على شرف لاقديم
وقول البحتري:
على أنا نوكل بالأدانيوتخبرنا الفروع عن الأصول
وهذا معنىٍ شائعٌ في الكلام أيضاً، مشهور كثير على الأفواه أن يقولوا: إن العروق عليها ينبت الشجر، ومن أشبه أباه فما ظلم، والعصى من العصية، والغصن من الشجرة، ودلت على الأم السخلة، ومثل هذا لا يكون مأخوذاً مستعاراً ومن ذلك قول أبي تمام:
ولذاك قيل: من الظنون جليةٌصدقٌ، وفي بعض القلوب عيون
وقول البحتري:
وإذا صحت الروية يوماًفسواء ظن امرئ وعيانه
وهذا أيضاً من الأمثال المشهورة المتداولة السائرة، وهو قولهم: ظن العاقل كيقين غيره، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
الألمفي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا
وقال أبوتمام:
لا نجم من معشرٍ إلا وهمتهعليك دائرةٌ يأيها القطب
بقي بيت البحتري لم يذكره، وهو هذا:
ودارت بنو ساسان طرا عليهممدار النجوم السائرات على القطب
وكأنه ما سمع قول الناس: فلان قطب هذا الأمر، وعلى فلان مدار القصة، ونحو هذا من القول الذي يستغنى الإنسان بما جرى منه في عاداته أن يستعبره من غيره.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وأقل الأشياء محصول نفعٍصحة القول والفعال مريض
وقول البحتري:
وما لمثلي في القول منك رضاًوالقول في المجد غير محسوب
وأبو تمام زعم أن رونق القول بالمواعيد لا يتحصل منه نفع إذا لم يكن فعال، وجعل الصحة ف يالقول والمرض في الأفعال مثلن في الاستعارة، والبحتري إنما ذكر أنه لا يرضى بالقول؛ لأن القول لا يحتسب به للماجد بغير فعل؛ فالغرضان مختلفان، والمعنى معنى واحد شائع جار في عادات الناس أن يقولوا: إنما زيد كلام، وإنما عمرو قول بلا فعل، ومثل هذا - مع كثرته على الألسن - لا يقال: إنه مسروق.
ومن ذلك قول أبي تمام:
ستر الصنيعة واستمر ملعناًيدعو عليه النائل المظلوم
وقول البحتري:
أكافرٌ منك فضل نعمىوستر نعمى الكريم كفر
فذكر أبو تمام رجلا ذمه بستر الصنيعة، وجعله ملعناً يدعو عليه النائل المظلوم، على الاستعارة، والبحتري ذكر أن ستر النعمى كفر، وكلا اللفظين مستعملان شائعان على الألسن؛ فلا يقال لمن تكلم بأحد اللفظين: إنه استعاره من الآخر.
ومن ذلك قول أبي تمام:
شهدت جسيمات العلى وهو غائبٌولو كان أيضاً شاهداً كان غائبا
وقول البحتري:
بشيراً لكم فيها، نذيراً لغيركمله شاهدٌ عن موضع الفهم غائب
وهذا المعنى أيضاً جارٍ على الأفواه، ومستعمل في الكلام، تعرفه العامة كما تعرفه الخاصة، وذلك قولهم: فلان شاهد كغائب، وحاضر كمن لم يحضر، وفلان سواء والعدم.
ومن ذلك قول أبي تمام:
دعيني على أخلاقي الصم للتيهي الوفر أو سربٍ ترن نوادبه
وقول البحتري:
وخد القلاص يردني لك بالغنىفي بعض ذا التطواف أو يرديني
وهذان المعنيان أصلهما واحد، وهو قول امرئ القيس:
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وشهرته وكثرة استعمال الناس إياه يغنى البحتري عن أن يقال: إنه استعاره، أو أخذه.
ومن ذلك قول أبي تمام:
كحلت بقبح صورته فأمسىلا إنسان عيني في السياق
وقول البحتري:
شكوت قذى بعينك بات يدمىكأنك قد نظرت إلى طماس
وهذا أيضاً من المعاني التي تمنع شهرتها وابتذال العامة والخاصة لها من أن يقال: إنها مسروقة، وإن واحداً ائتم فيها بآخر.
ومما جاء به أبو الضياء على أنه مسروق، والمعنيان مختلفان ليس بينهما اتفاق ولا تناسب، قول أب يتمام:
فاقسم اللحظ بيننا؛ إن في اللحظلعنوان ما يجن الضمير
وقال البحتري:
سلامٌ وإن كان السلام تحيةفوجهك دون الرد يكفي المسلما
وأبو تمام سأل من يخاطبه أن يقبل عليه، ويجعل له قشطاً من النظر؛ فإن إدامة النظر تدل على المودة، كما أن الإعراض يدل على البغض.
والبحتري إنما سلم على الهيثم الغنوى، وذكر أن السلام تحية، وأن وجهه لجماله وطلاقته يكفي المسلم قبل رده، والمعنيان مختلفان، وليس لواحد منهما من الرقة والغرابة ما ينسب أحدهما إلى انه محذوٌ على ألآخر أو مسروق منه.
ومن ذلك قول أبي تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌكوسعه لم يضق عن أهله بلد
وقول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم يكنليسلكها فرداً سليك المقانب
وأبو تمام ذكر أن رحب صدر الممدوح وسعته تزيد على سعة الأرض، فأسرف، وأخطأ ف يالمعنى بما قد ذكرته في باب خطائه في المعاني، والبحتري ذكر سعة صدر الممدوح، وجعل له مفازة على اللاستعارة، وذكر أنه لو تطرق لم يكن ليسلكها سليكٌ الذي لم يكن ليكبر عليه سلوك الأرض وإن عرضت وطالت، وإنما أراد جميعاً سعة صدر الممدوح، كما جرت العادة بهذا الضرب
من المدح، فأفرطا، ولكن سلك كل واحد منهما معنىً غير معنى صاحبه كما ترى.
ومن ذلك قول أبي تمام:
إنما البشر روضةٌ؛ فإذا ماكان برٌ فروضةٌ وغدير
وقول البحتري:
فإن العطاء الجزل ما لم تحلهببشرك مثل الروض غير منور
فأراد أبو تمام البشر مع البر كالروضة والغدير، وأراد البحتري أالعطاء ما لم يكن معه بشر كان كالروض غير منور؛ فليس بين المعنيين اتفاق إلا في ذكر البشر والروض، والألفاظ غير محظورة على واحد.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وغني ما حورفت في طلب الغنىولكنما حورفتم في المكارم
فقال البحتري:
إذا ابتدا بخلاء الناس عارفةًيتبعها المن فالمرزوق من حرما
فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارفٍ في ملتمساته ومطالبه،
ولكن الذين أملهم وطلب ما عندهم حورفوا ف يمكارمهم؛ فأحسن في المعنى واللفظ كل الإحسان؛ وأراد البحتري أن البخيل إذا امتن بمعروفه فالمرزوق من حرم ذلك المرعوف؛ فهذا المعنى غير معنى أب يتمام، وليس بينهما اتفاق ولا تقارب.
ومن ذلك قول أبي تمام:
إذا شب ناراً أقعدت كل قائموقام لها من خوفه كل قاعد
وقول البحتري:
ومبجلٌ وسط الرجال، خفوفهملقيامه، وقيامهم لقعوده
وليس أحد المعنيين من الآخر في شيء؛ لأن أبا تمام أراد أن الممدوح إذا شب نار الحرب أقعدت كل قائم لقتاله ومنابذته: أي تزعج كل واحد خوفاً وفرقاً؛ وذلك مأخوذ من قول الفرزدق:
أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌآل تميمٍ أقعدت كل قائم
وقوله " وقام لها من خوفه كل قاعد " أي: زال عن الطمأنينة والهدو والقرار فقام، وإنما يريد انزعاج الخائف؛ فجعل ذلك قياماً له، والبحتري إنما ذكر أن الرجال يخفون لقيام ممدوحه، أي:
يسرعون بين يديه إذا قام، فإذا قعد قاموا إجلالا وهيبة، وأن من شأنه أن لا يجلس أحد بجلوسه وأن يكون الناس كلهم قياماً إذا جلس، والمعنيان مختلفان، وليس بينهما اتفاق إلا في ذكر القيام والقعود، والألفاظ مباحة.
ومن ذلك قول أبي تمام:
ورب يومٍ كأيامٍ، تركت بهمتن القناة ومتن القرن منقصفا
وقول البحتري:
من معركٍ ضنكٍ تخال به القنابين الضلوع إذا انشنين ضلوعا
وليس بين المعنيين اتفاق إلا في أن الشاعرين وصفا حال الطعن بالقنا كيف يقع؛ فذكر ذلك أن ممدوحه يقصف متن القرن ومتن القناة، وشبه هذا انطواء الرماح واعوجاجها - إذا وقعت بضلوع القوم - باعوجاج ضلوعهم، وهذا من التشبيهات الظريفة العجيبة، وهو المعنى الذي استغربه واستحسنه أبو تمام لما أنشد البحتري محمد بن يوسف القصيدة، وذلك أول اجتماعهما وتعارفهما على ما يرويه الشاميون.
ومن ذلك قول أبي تمام:
بين البين فقعدها، قلما يعرف فقدٌ للشمس حتى تغيبا
وقول البحتري:
فاضل بين الإخوان عسرى فيظلماء ليلٍ تفاضلت شهبه
وليس بين المعنيين تناسبٌ؛ لأن أبا تمام ذكر أن موضع فقدها بان، وأنه قلما يعرف فقد الشمس إلا بعد غروبها، وهذا جارٍ ف يعادات الناس واستعمالهم أن يقولوا: لا يعرف فضل الإنسان حتى يفقد، ولا يعرف فضل العافية إلا عند البلية، ولا قدر الدرهم إلا عند الحاجة إليه؛ والبحتري أراد أن عسره بين له عن مراتب إخوانه، وفضل بعضهم على بعض في معونته وبره، كما يتفاضل الشهب في ظلمة الليل، وأراد بالشهب الكواكب، وهذا المعنى لطيف جداً، وليس من معاني أب يتمام في شيء.
هذا، ومما دعى أبو الضياء على البحتري فيه السرق، والاتفاق في أكثر ذلك إنما هو في الألفاظ التي ليست محظورة على أحد، وقد مضى فيما قبل من هذا الباب أبيات.
فمن ذلك قول أبي تمام:
إن الصفائح منك قد نضدت على ملقى عظامٍ لو علمت عظام
وقول البحتري:
مساعٍ عظامٌ ليس يبلى جديدهاوإن بليت منهم رمائم أعظم
فأراد أبو تمام أن عظام الرجل الذي رثاه عظام القدر، وأراد البحتري أن مساعي القوم عظام لا يبلى جديدا وإن بليت عظامهم، وليس ههنا اتفاق إلا في لفظ العظام لا غير.
ومن ذلك قول أبي تمام:
لا يدهمنك من دهمائهم عددٌفإن أكثرهم أو جلهم بقر
وقول البحتري:
على نحت القوافي من مقاطعهاوما على لهم أن تفهم البقر
فأراد أبو تمام أنه لا يجب أن ينظر إلى كثرة عددهم؛ فإن أكثرهم بقر، وذكر البحتري أن عليه أن يجيد القول، وليس عليه أن تفهمه البقر، وما ههنا اتفاق إلا في لفظة البقر.
ومن ذلك قول أبي تمام:
لهان علينا أن نقول وتفعلا
وقول البحتري:
إن الخليفة ليس يرقب في لاذيحاولت إلا أن نقول ويفعلا
والاتفاق ههنا إنما هو في القول والفعل.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وما يوم زرت اللحد يومك وحدهعلينا، ولكن يوم زيدٍ وحاتم
وقول البحتري:
بأبيض وضاحٍ كأن قميصهيزر على الشيخين زيدٍ وحاتم
أفترى البحتري ما سمع بذكر زيد الخيل ولا حاتم الطائي اللذين يفخر بهما اليمن كلها فيشبه ممدوحه بهما إلا من بيت أبي تمام؟ ومن ذلك قول أبي تمام:
لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوةٍولكنهم كانوا ثلاث قبائل
وقول البحتري:
كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بهمولع المنون إلى ثلاثة أقبر
فجعلهم أبو تمام ثلاث قبائل، وجعلهم البحتري ثلاثة أبحر؛
فليس ههنا اتفاق إلا في ذكر ثلاثة.
ومن ذلك قول أبي تمام:
كساك من الأنوار أبيض ناصعٌوأحمر ساطعٌ وأصفر فاقع
وقول البحتري:
من واضحٍ يققٍٍ وأصفر فاقعٍومضرج جسدٍ وأحمر قاني
أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع وأحمر قانٍ لولا بيت أبي تمام؟ ومن ذلك قول أب يتمام:
لولا مناشدة القربى لغادركمفريسة المرهفين لاسيف والقلم
وقول البحتري:
زنت الخلافة إشرافاً وقد حبطتوذدت عن حقها بالسيف والقلم
وكذلك أيضاً لم يكن البحتري يهتدي إلى الجمع بين السيف والقلم لو لم يجمعهما له أبو تمام!
ومن ذلك قول أبي تمام:
أبي لي نجر الغوث أن أراأم التيأسب بها، والنجر يشبهه النجر
وقول البحتري:
سيدٌ نجر المعالي نجرهيملك الجود عليه ما ملك
وقد كان يبغي لأبي الضياء أن لا يخرج مثل هذا في السرق، ولا يفضح نفسه!!
ومن ذلك قول أبي تمام:
متواطئو عقبيك في طلب العلىوالمجد، ثمة تستوى الأقدام
وقول البحتري:
حزت العلى سبقاً، وصلى ثانياًثم استوت من بعده الأقدام
ومثله قول أبي تمام:
في غداةٍ نهضوبةٍ كان فيهاناضر الروض للسحاب نديما
وقول البحتري:
قد تعالت بك المروءة حتىقد حسبناك للسماك نديما
وما يجعل مثل هذا مسروقا إلا من لا معرفة له بحلي المعاني فضلاً عن خفيها.
ومن ذلك قول أبي تمام يصف الفرس:
من نجل كل تليدةٍ أعراقهطرفٍ معم في السوابق مخول
وقول البحتري:
وافى الضلوع يشد عقد حزامهيوم اللقاء على معم مخول
وما في " معم مخول " من الغرابة حتى يتلقنه البحتري من أبي تمام، على كثرته على الألسن، وقول الناس في مدح الفرس: كريم الآباء والمهات، وشريف الأنساب ونحو هذا؟ ومن ذلك قول أب يتمام:
فأذرت جماناً من دموع نظامهاعلى الخد إلا أن صائغها الشفر
وقول البحتري:
جرى في نحرها من مقلتيهاجمانٌ يستهل على جمان
فالاتفاق ههنا إنما هو في لفظ " جمان " وقول ذلك " نظامها على الخد " وقول هذا " جرى في نحرها " فلا يقتضى أن يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن الدمع على الخد جريه، وإلى النحر يصل، وهذه حال لا يجهلها أحد ممن وصف الدمع.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وهل للقريض الغض أو من يحوكهعلى أحدٍ إلا عليك معول
وقول البحتري:
وعليك سقياهم لنا إذ لم يكنفي نوبةٍ إلا عليك معول
فحظر على البحتري لفظة " معول " وحرمها عليه من أجل أن أبا تمام لفظ بها!.
ومن ذلك قول أبي تمام:
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةًمن جاهه فكأنها من ماله
وقول البحتري:
حاز حمدي، وللرياح اللواتيتجلب الغيث مثل حمد الغيوم
فمعنى أبي تمام مشترك بين الناس، وليس مخترعاً؛ لأنك أبداً تسمع قول القائل - إذا بلغ حاجته بشفاعة - أن يقول للشفيع: ما أعتد هذه إلا من الله ومنك؛ فليس لأبي تمام فيه شيء أكثر من أن عبر فيه بعبارة حسنة مكشوفة؛ فالبحتري لم يأخذ المعنى منه لأنه من العادات موجود، ولكنه أحسن في التمثيل، وأغرب وأحسن.
وهذا الآن
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع