من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
سرقات أبي تمام
كان أبو تمام مشتهراً بالشعر، مشغوفاً به، مشغولا مدة عمره بتخيره ودراسته، وله كتب اختيارات فيه مشهورة معروفة؛ فمنها: الاختيار القبائلي الأكبر اختار فيه من كل قبيلٍ قصيدةً، وقد مر على يدى هذا الاختيار، ومنها اختيارٌ آخر ترجمته القبائلى، اختار فيه قطعاً من محاسن أشعار القبائل، ولم يورد فيه كبير شيء للمشهورين؛ ومنها: الاختيار، الذي تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية والإسلام، وأخذ من كل قصيدة شيئاً حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة، وهو اختيار مشهور معروف باختيار شعراء الفحول، ومنها اختيار تلقط فيه أشياء من الشعراء المقلين ولا شعراء المغمورين غير المشهورين، وبوبه أبواباً، وصدره بما قيل في الشجاعة، وهو أشهر اختياراته، وأكثرها في أيدي الناس، ويلقب بالحماسة، ومنها اختيار المقطعات، وهو مبوب على ترتيب الحماسة، إلا أنه يذكر فيه أشعار المشهورين وغيرهم والقدماء والمتأخرين، وصدره بذكر الغزل، وقد قرأت هذا الاختيار، وتلقطت منه نتفاً وأبياتاً كثيرة، وليس بمشهور شهرة غيره.
ومنها اختيار مجرد في أشعار المحدثين، وهو موجود في أيدي الناس؛ وهذه الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وأنه اشتغل به، وجعله وكده، واقتصر من كل الآداب والعلوم عليه؛ فإنه ما شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا محدث إلا قرأه واطلع عليه، ولهذا أقول: إن الذي خفى سرقاته أكثر مما قام منها، على كثرتها.
وأنا أذكر ما وقع إلي في كتب الناس من سرقاته، وما استنبطته أنا منها واستخرجته؛ فإن ظهرت بعد ذلك منها على شيء ألحقته بها، إن شاء الله.
قال الكميت الأكبر، وهو الكميت بن ثعلبة:
ولا تكثروا فيه اللجاج؛ فإنهمحا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
أخذه الطائي فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب
وذلك أن أهل التنجيم كانوا حكموا بأن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم: إنا نجد في كتبنا أن مدينتنا هذه لا تفتح إلا في وقت
إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهورٌ يمنعك من المقام فيها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها حتى فتحها وأبطل ما قالوه؛ فلذلك قال الطائي:
السيف أصدق أنباء من الكتب
هو أحسن ابتداءاته.
وقال النابغة يصف يوم الحرب:
تبدو كواكبه والشمس طالعةٌلا النور نورٌ ولا الإظلام إظلام
أخذه الطائي، فقال وذكر ضوء النهار وظلمة الدخان في الحريق الذي وصفه:
ضوءٌ من الناء والظلماء عاكفةٌوظلمةٌ من دخان في ضحى شحب
فالشمس طالعةٌ من ذا، وقد أفلتوالشمس واجبةٌ من ذا، ولم تجب
وقال الأعشى:
وإن صدور العيس سوف يزوركمثناءٌ على أعجازهن معلق
أخذه الطائي فقال:
من القلاص اللواتي في حقائبهابضاعةٌ غير مزجاةٍ من الكلم
وقال مسلم بن الوليد في صفة الخمر:
قتلت وعاجلها المدير ولم يقدفإذا به قد صيرته قتيلا
أخذه الطائي وأحسن الأخذ فقال:
إذا اليد نالتها بوترٍ توفرتعلى ضغنها ثم استقادت من الرجل
فإن كان أخذها من ديك الجن فلا إحسان له؛ لأنه أتى بالمعنى بعينه، قال ديك الجن:
تظل بأيدينا تقعقع روحهاوتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
كذا وجدته فيما نقلته، وليس ينبغي أن يقطع على أيهما أخذ من صاحبه؛ لأنهما كانا في عصر واحد.
وقال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن ارمأفقد الشباب، وقد يصلن الأمردا
أخذ الطائي المعنى والصفة فقال:
أحلى الرجال من النساء مواقعاًمن كان أشههم بهن خدودا
وقال البعيث:
وإنا لنعطى المشرفية حقهافتقطع في أيماننا وتقطع
فقال الطائي:
فما كنت إلا السيف لا قى ضريبةفقطعها ثم انثنى فتقطعا
وقال الطائي:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
أخذ صدر البيت الأول من قول كثير:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرجواقلائص في أصلابهن نحول
ويشبه قول البعيث:
أطافت كالأسنة هجدٍبخاشعة الأصواء غبرٍ صحونها
وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر.
غلام وغى تقحمها فأبلىفخان بلاءه الدهر الخؤون
فكان على الفتى الإقدام فيهاوليس عليه ما جنت المنون
وقال جران العود العود يصف الخيال:
سقياً لزورك من زورٍ أتاك بهحديث نفسك عنه وهو مشغول
فذكر العلة في طروق الخيال، وهو السابق إلى هذا المعنى، فأخذه العباس ابن الأحنف فقال:
خيالك حين أرقد نصب عينيإلى وقت أنتباهى ما يزول
وليس يزورني صلة، ولكنحديث النفس عنك هو الوصول
فتبعه الطائي فقال:
زار الخيال لها، لا، بل أزاركهفكرٌ إذا نام فكر الخلو لم ينم
وقال في هذا المعنى أيضاً:
نم فما زارك الخيال، ولكنك بالفكر زرت طيف الخيال
وقال أبو تمام الطائي:
أما الهجاء فدق عرضك دونهوالمدح فيك، كما علمت، جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك؛ إنهعرضٌ عززت به وأنت ذليل
أخذه من قول هشام المعروف بالحلو أحد الشعراء البصريين يهجو بشار ابن برد:
بذلة والديك كسبت عزاوباللوم اجترأت على الجواب
وأخذه إبراهيم بن العباس فقال وأجاد وأحسن:
نجا بك عرضك منجى الذبابحمته مقاذره أن ينالا
وقال الطائي:
والشيب إن طرد الشباب بياضهكالصبح أحدث للظلام أفولا
أراد قول الفرزدق:
والشيب ينهض في الشباب كأنهليلٌ يصيح بجانبيه نار
فقصر عنه.
وقال قيس بن ذريح:
بليعٌ إذا يشكو إلى غيرها الهوىوإن هو لاقاها فغير بليغ
أخذه الطائي فقال:
لم تنكرين مع الفراق تبلديوبراعة المشتاق أن يتبلد؟!
وقال الحطيئة:
إذا هم بالأعداء لم يثن همهحصان عليها لؤلؤٌ وشنوف
فأخذه كثير فقال:
إذا هم بالأعداء لم يثن همهحصانٌ عليها عقد در يزينها
أخذه الطائي فخلط؛ لقصده إلى مجانسة اللفظ، فقال:
عداك حر الثغور المستضامة عنبرد الثغور، وعن سلسالها الخصب
وقال مسلم بن الوليد:
قد عود الطير عادات وثقن بهافهن يتبعته في كل مرتحل
أخذه الطائي فقال:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىبعقبان طير في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنهامن الجيش، إلا أنها لم تقاتل
فأتى في المعنى زيادةً، وهي قوله " إلا أنها لم تقاتل " وجاء به فيبتين.
[وأخطأ أيضاَ في المعنى بقوله: ((في الدماء نواهل)) والنهل: هو الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني والعقبان لا تشرب الدماء، وإنما]
تأكل اللحم.
وقد ذكر المتقدمون هذا المعنى؛ فأول من سبق إليه الأفوه الأودى، وذلك قوله:
وترى الطير على آثارنارأى عين ثقة أن ستمار
فتبعه النابغة فقال:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهمعصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقن أن قبيلهإذا ما التقى الجمعان أول غالب
فأخذه حميد بن ثور فقال يصف الذئب:
إذا ما غدا يوماً رأيت غمامةًمن الطير ينظران الذي هو صانع
وقال أبو نواس:
تتأيا الطير غزوتهثقةً بالشبع من جزره
أي: تتعمد وتقصد.
وقال منصور النمري يمدح الرشيد:
وعينٌ محيطٌ بالبرية طرفهاسواءٌ عليه قربها وبعيدها
أخذه أبو تمام فقال:
أطل على كلى الآفاق حتىكأن الأرض في عينيه دار
عجز هذا البيت حسنٌ جداً، وبيت النمري أحب إلى؛ لأن معناه أشرح
وقال مسلم بن الوليد:
فلما انتضى الليل الصباح وصلتهبحاشيةٍ من لونه المتورد
أخذه أبو تمام فقال:
حطت على قبة الإسلام أرحلهوالشمس قد نفضت ورساً على الأصل
[أو أخذه من قول النمري:
أجد ولما يجمع الليب شملهفما حل إلا وهو ورد المغارب]
هذا ما ذكره ابن المنجم، والذي أظنه أنه أخذه من قول الآخر:
والشمس صفراءكلون الورس
وقال مرار الفقعسي في وصف الأثافي:
أثر الوقود على جوانبهابخدودهن كأنه لطم
أخذه أبوتمام فقال:
أثافٍ كالخدود لطمن حزناًونؤيٌ مثملا انقصم السوار
أورد المعنى في مصراع، وأتى بالمصراع الثاني بمعنى آخر يليق به فأجاد، إلا أن بيت المرار أشرج وأوضح معنىٍ، لقوله " أثر الورود على جوانبها " فأبان المعنى الذي من أجله أشبه الخدود الملطومة.
وقال أبو نواس:
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌمن كف لؤلؤةٍ ممشوقة القد
أخذه أبو تمام فقال وأساء:
أوردةٌ بيضاء بكرٌ أطبقتحبلا على ياقوتةٍ حمراء
لأن قوله " أطبقت حبلا " كلام قبيح مستكره جداً.
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
أخذه من قول كثير:
إذا وصلتنا خلةٌ كي تزيلهاأبينا، وقلنا: الحاجبية أول
وذكر محمد بن داود بن الجراح في كتابه أنه أخذ المعنى من قول ابن الطثرية إذ يقول:
أتاني هوها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلباً فارغاً فتمكنا
وهذا أجود ما قيل في هذا المعنى؛ لأنه ذكر الصلة.
وقال أبو تمام:
وما سافرت في الآفاق إلاومن جدوالك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأمانيوإن قلقت ركابي في البلاد
أخذه من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وقد كان ابن أبي دؤاد سأله عن هذا المعنى أنشده القصيدة، فقال: أهو مما اخترعته؟ فقال: أخذته من قول ابن هاني:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ
وقال ابن الخياط في قصيدة يمدح بها المهدي، فأجازه بجائزة ففرقها في الدار، فبلغه فأضعف له الجائزة، فقال:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنىولم أدر أن الجود من كفه يعدى
أخذه أبوتمام فقال:
علمني جودك السماح؛ فماأبقيت شيئاً لدى من صلتك
وبيت ابن الخياط أبلغ وأجود.
وقال دعبل بن علي:
وإن امرأ أسدى إلى بشافعٍإليه ويرجو الشكر مني لأحمق
شفيعك فاشكر في الحوائج؛ إنهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
فأخذه أبو تمام فقال وألطف المعنى وأحسن اللفظ:
فلقيت بين يديك حلو عطائهولقيت بين يدي مر سؤاله
وإذا امرءٌ أهدى إليك صنيعةًمن جاهه فكأنها من ماله
وقال مسلم بن الوليد ف يالحجاب، وأخطأ ف يالمعنى:
كذلك الغيث يرجى في تحجبهحتى يرى مسفراً عن وابل المطر
أخذه أبو تمام فقال:
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاًإن السماء ترجى حين تحتجب
إلا أن لبيت أبي تمام وجهاً من الثواب، وقد ذكرته في بابٍ ف يهذا الكتاب مع ما أخذ على مسلم بن الوليد في بيته من العيب.
وقال النابغة الجعدي:
وتستلب الدهم التي كان ربهاضنيناً بها، والحرب فيها الحرائب
فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
لما رأى الحرب رأى العين نوفلسٌوالحرب مشتقة المعنى من الحرب
أو أخذه من قول إبراهيم بن المهدي:
وسعروا الحرب واسم الحرب قد علموالو ينفع العلم مشتقٌ من الحرب
وقالت مريم بنت طارق ترثى أخاها، في أبيات أنشدها ابن الأنباري في أماليه:
كنا كأنجم ليلٍ بينها قمرٌيجلو الدجى، فهوى من بينها القمر
أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى، فقال:
كأن بني نبهان يوم وفاتهنجوم سماء من بينها البدر
أو أخذه من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهممثل النجوم هوى من بينها القمر
ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه؟ أمريم أخذت من جرير، أم جرير أخذ منها؟ وروى دعبل بن علي الخزاعي لأبي سلمى المونى، من ولد زهير، واسمه مكنفٌ وهو الذي كان يهجو بني القعقاع آل ذفافة العبسي فيقول:
إن الضراط به تعاظم مجدكمفتعاظموا ضرطاً بني القعقاع
قال دعبل: فلما مات ذفافة رثاه أبو سلمى فقال:
أبعد أبي العباس يستعتب الدهروما بعده للدهر عتبي ولا عذر؟
[إذا ما أبو العباس خلى مكانهفلا حملت أنثى ولا مسها طهر]
ألا أيها الناعي ذفافة ذا الندىتعست وشلت من أناملك العشر
ولا مطرت أرضاً سماءٌ، ولا جرتنجومٌ، ولا لذت لشاربها الخمر
كأن بني القعقاع بعد وفاتهنجوم سماء خر من بينها البدر
توفيت الآمال بعد ذفافةٍفأصبح في شغلٍ عن السفر السفر
يعزون عن ثاوٍ تعزى به العلاويبكى عليه البأس والمجد والشعر
وما كان إلا مال من قل مالهوذخراً لمن أمسى وليس له ذخر
قال أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح: قال أبو محمد اليزيدي: أنشدني دعبلٌ هذه القصيدة، وجعل يعجبني من الطائي في ادعئه إياها، وتغييره بعض أبياتها.
وقال مسلم بن الوليد يرثي:
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍأثنى عليها السهل والأوعار
أخذ أبو تمام المعنى وقصر ف يالعبارة، فقال:
وقفنا فقلنا بعد أن أفرد الثرىبه ما يقال في السحابة تقلع
وتقصيره عن مسلم أن مسلماً قال " أثنى عليها السهل والأوعار " فأراد أن هذه السحابة عمت بنفعها، وفي قول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " إبهام؛ لأنه لم يفصح بالثناء عليها وأنها نفعت، وقد يقال في السحابة إذا أقلعت ما هو غير
المدح والثناء، إذا نزلت في غير حينها، وف يغير وقت الحاجة إليها، وكثيراً ما يضر المطر إذا كانت هذه حاله، وإن كان أبو تمام لم يرد هذا القسم، وإنما أراد القسم الآخر فقط؛ فقصر في العبارة والشرح، ألا ترى إلى قول الشاعر الأول ما أحسن ما شرط، وهو طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمةٌ تهمى
قال " غير مفسدها " لما دعا لها بالسقيا التي تدوم، وقال البحتري:
ألح جوداً فلم تضرر سحائبهوربما ضر عند الحاجة المطر
وقول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " يحتاج إلى تفسير مع سرقته المعنى.
وقال العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربواوتسكب عيناي الدموع لتجمدا
أخذه الطائي فقال:
أآلفة النحيب، كم افتراقٍأظل فكان داعية اجتماع؟
وبيت الأعرابي وهو عروة بن الورد - أجود من بيتهما، ومنه أخذا
تقول سليمى لو أقمت بأرضناولم تدر أنى للمقام أطوف
وقال أبو تمام:
أسربل هجر القول من لو هجوتهإذاً لهجاني عنه معروفه عندي
أخذ المعنى من قول بعض الخوارج وسامه قطري بن الفجاءة قتال الحجاج، لأن الحجاج كان من عليه، فقال:
أأقاتل الحجاج عن سلطانهبيدٍ تقر بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة، والذيغطت على إحسانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءهفي الصف فاحتجت له فعلاته
أأقول جار علي؟ لا، إني إذاًلأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعاًغرست لدي فحنظلت نخلاته
وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخالق أن لا يكنها سدف
أخذه أبو تمام فقال:
فعجبت من شمسٍ إذا حجبت بدتمن نورها، فكأنها لم تحجب
أو أخذه من قول أبي نواس:
ترى ضوءها من ظاهر الكأس ظاهراًعليك، ولو غطيتها بغطاء
وقال مسلم بن الوليد:
يصيب منك مع الآمال طالبهاحلماً وعلماً ومعروفاً وإسلاماً
أخذه أبو تمام فقال وبرز عليه وإن كان بيت مسلم أجمع للمعنى:
نرمي بأشباحنا إلى ملكٍنأخذ من ماله ومن أدبه
وقال أبو نواس:
تبكي البدور لضحكهوالسيق يضحك إن عبس
أراد ههنا بالبدور حمع بدرة، فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه:
كل يومٍ له وكل أوانخلٌ ضاحكٌ ومالٌ كئيب
فبإزاء هذا البيت قول أبي نواس " تبكي البدور لضحكه " وقوله " والسيف يضحك إن عبس " فضلٌ.
وقال جرير:
وهن أضعف خلق الله أركانا
أخذه أبو تمام فجعله في الخمر، فقال:
وضعيفةٍ فإذا أصابت فرصةًقتلت، كذلك قدرة الضعفاء
وقال رجل من بني أسد، وكان أبو عبد الله الجرشي - أحد شعراء الشاميين - أنشدنيه لبعض شعراء بني أسد:
تغيبت كي لا تجتويني دياركمولو لم تغب شمس النهار لملت
وظننته مصنوعا حتى وجدت عبد الله بن المعتز بالله ذكر في كتابه المؤلف في سرقات الشعر عجز هذا البيت:
ولو لم تغب شمس النهار لملت
للكميت بن زيد فأخذه الطائي فقال:
فإني رأيت الشمس زيدت محبةًإلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
فأما قول الإيادي:
فإني رأيت القطر يسأم دائباًويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
فمن أبي تمامٍ أخذه؛ لأنه متأخر بعده.
وقال مسلم بن الوليد:
موفٍ على مهجٍ واليوم ذو رهجٍكأنه أجلٌ يسعى إلى أمل
فأخذه الطائي فقال وقصر:
رآه الملج مقتحماً عليهكما اقتحم الفناء على الخلود
وقال قطري بن الفجاءة:
ثم انثنيت وقد أصبت ولم أصبجذع البصيرة قارح الاقدام
أخذه أبو تمام فقال وكأنه عكس المعنى وكلاهما جيد حسن:
ومجربون سقاهم من بأسهفاذا لقوا فكأنهم أغمار
وقد كرر هذا المعنى في بيت آخر فقال:
كهل الأناة فتى الشذاة إذا غداللحرب كان الاجد الغطريفا
وقال آخر:
يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطعان هم تجار
ويروى بالرماح أخذه الطائي فقال وقصر وغير المعنى وجاء بغرض آخر
لفظ لأخلاق التجار وإنهملغدا بما ادخروا له لتجار
وقال أبو نواس بمدح الخصيب:
فما جازه جودٌ، ولا حل دونهولكن يسير الجود حيث يسير
أخذه أبو تمام فقال بمدح ابن أبي داود، وقصر عنه:
إليك تناهى المجد من كل وجهةٍيصير فما يعدوك حيث تصير
وقال جرير يهجو الأخطل:
ما زلت تحسب كل شيء بعدهمخيلاً تكر عليكم ورجالاً
أخذه أبو تمام فقال:
حيران يحسب سجف النقع من دهشٍنقى يحاذر أن ينقض أو جرفاً
وأخذ جرير المعنى من قول الله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم ".
وقال مسلم يرثي:
سلكت بك العرب السبيل إلى العلىحتى إذا سبق الردى بك حاروا
نفضت بك الآمال أحلاس المنىواسترجعت نزاعها الأمصار
أخذه أبو تمام فقال:
توفيت الآمال بعد محمدٍفأصبح مشغولاً عن السفر السفر
أو أخذ ذلك من أبي سلمى يرثى ذقاقة العبسى كما حكى دعبلٌ.
وقال توبة بن الحمير:
يقول أناسٌ: لا يضرك نأيهابلى كل ماشف النفوس يضيرها
أخذه أبو تمام فقال وزاد فيه:
لا شيء ضائر عاشقٍ، فإذا نأىعنه الحبيب فكل شيءٍ ضائره
وقال عنترة:
فشككت بالرمح الطويل ثيابهليس الكريم على القنا بمحرم
أخذه أبو تمام فقال:
يحملن كل مدججٍ، سمر القنابإهابه أولى من السربال
قال ذلك لأنه ظن أن عنترة أراد الثياب نفسها، وإنما أراد عنترة بقوله " ثيابه " نفسه.
وقال مسلم بن الوليد:
يكسو السيوف نفوس الناكثين بهةيجعل الهام تيجان القنا الذبل
أخذه أبو تمام وأساء الأخذ وتعسف اللفظ فقال:
أبدلت أرؤسهم يوم الكريهة منقنا الظهور قنا الخطى مدعما
أو أخذا المعنى جميعاً من قول جرير:
كأن رؤوس القوم فوق رماحناغداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقال امرؤ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالاً على حال
أخذه أبو تمام وعدل به إلى وجه المديح فقال:
سما للعلا من جانبيها كليهماسمو حباب الماء جاشت غواربه
وما قيل في إخفاء الحركة والدبيب أبلغ ولا أبرع من بيت امرئ القيس هذا.
وقال الفرزدق يهجو جريرا:
أنتم قرارة كل مدفع سوأةٍولل سائلة تسيل قرار
أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى جميعاً فقال:
وكانت لوعةً ثم اطمأنتكذاك لكل سائلةٍ قرار
وقال محمد بن بشير الخارجي من خارجة عدوان:
وإذا رأيت صديقه وشقيقهلم تدر أيهما أخو الأرحام
أخذه أبو تمام فقال:
فلو أبصرتهم والزائريهملما مزت الحميم من البعيد
فقصر عن الأول.
وقال بعض الأعراب يصف المصلوب، أنشده ثعلب:
قام ولما يستعن بساقهآلف مثواه على فراقه
كأنما يضحك في أشداقه
أخذ أبو تمام قوله " آلف مثواه على فراقه " فقال:
لايبرحون ومن رآهم خالهمأبداً على سفرٍ من الأسفار
وقال مسلم بن الوليد وهو معنى سبق إليه:
لا يستطيع يزيدٌ من طبيعتهعن المروءة والمعروف إحجاماً
أخذ أبو تمام المعنى فكشفه وأحسن اللفظ وأجاد فقال:
تعود بسط الكف حتى لوانهدعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
وقال ذو الرمة:
وليلٍ كجلباب العروس أدرعتهبأربعةٍ والشخص في العين واحد
أحم علافيٌ، وأبيض صارمٌوأعيس مهرىٌ، وأروع ماجد
أخذه أبو تمام فقصر وليس هو المعنى بعينه، فقال:
البيد والعيس والليل التمام معاًثلاثةٌ أبداً يقرن في قرن
والذي اتبع ذا الرمة فأحسن الاتباع البحتري في قوله:
يا خليلي بالسواجير من أدبن معنٍ وبحتر بن عتودٍ
اطلبا ثالثاً سواي؛ فإنيرابع العيس والدجى والبيد
وقال النابغة الذبياني، وكان الأصمعى يتعجب من جودته:
وعيرتني بنو ذبيان خشيتهوهل على بأن أخشاك من عار
اخذه أبو تمام فقال وزاد ذكر الموت:
خضعوا اصولتك التي هي عندهمكالموت يأتي ليس فيه عار
وقال كعب بن زهير يمدح قريشا:
لا يقع الطعن إلا في نحورهموما لهم عن حياض الموت تهليل
أخذه أبو تمام كما قال لي بعض الرواة فقال يرثي بني حميد:
لو خر سيف من العيوق منصلتاما كان إلا على هامتهم يقع
روى الشاميون أن أبا تمام سئل عن هذا المعنى فقال أخذته من قول نادبه: لو سقط حجر من السماء على رأس يتيم ما أخطأ فأما قول كعب لا يقع الطعن إلا في نحورهم فإنما أراد أنهم لا يولون الدبر وليس من معنى أبي تمام في شيىء
وقال أبو تمام يصف الراية:
تخفق أثناؤها على ملكيرى طراد الأبطال من طراده
أخذه من قول أبي نواس:
تعد عين الوحش من أقواتها
وأخذهأبو النواس من قول أبي النجم:
تعد عانات اللوى من مالها
وقال أبو تمام يستهدي نبيذا: وهي نزر لو أنها من دموع الصب لم تشف منه حر الغليل أخذه من قول الآخر أو أخذه الآخر منه والمعنيان متشابهان:
لو كان ما أهديته إثمدالم يكفإلامقلة واحدة
وقال يصف مغنية تغني بالفارسية:
ولم أفهم معانيها ولكنشجت كبدي فلم أجهل شجاها
أخذه من قول الحسين بن الضحاك على مافي قول الخليع من المناقضة:
وما أفهم ما يعنيمغنيا إذا غنى
سوى أني من حبيله أستحسن المعنى
لأنه قال: ماأفهم ما يعني ثم قال: استحسن المعنى وإنما أراد بالمعنىللحن لامعنى القول وأجود من ذلك كله قول حميد بن ثور يصف الحمامة:
ولم أر مثلى شاقة صوت مثلهاولا عربياً شاقه صوت أعجما
وقال الفرزدق يرثى امرأ له ماتت حاملا:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من درام ذو حفيظةلوان المنايا أمهلته لياليا
فقال أبو تمام وأجاد اللفظ وأحسن الأخذ أصاب التمثيل، فقال يرثى ابنين صغيرين ماتا لعبد الله بن طاهر:
لهفى على تلك المخايل فيمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
إن الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدراً كاملا
وقال أبو تمام:
صلتانٌ أعداؤه حيث حلوا في حديث من ذكره مستفاض
فأخطأ في قوله ((مستفاض)) وإنما هو مستفيض، وقد احتج له محتج بأ، قال: أراد مستفاض فيه، وإنما جعلهم يفيضون في ذكره لأنهم أبداً على حال وجلٍ واحتراسٍ من شدة الخوف منه، ألا تراه قال ((حيث حلوا)) أى هم بهذه الحال قريباً كانت دراهم منه أو بعيدا.
وأخذ هذا المعنى من قول أعشى باهلة يرثى أخاه لأمه المنتشرة:
لا يأمن القوم ممساه ومصبحهفي كل فج وإن لم يغز ينتظر
أو من قول عروة الصعاليك:
وأن بعدوا لا يأمنون اقترابهتشؤف أهل الغائب المنتظر
وهذان البيتان جميعاً أوضح وأشرح وأجود من بيت أبي تمام، وقد قيل: أنه أراد أن أعداه يقرّون بفضله، وفيضون في ذكر مناقبه، وذلك محتمل، والمعنى الأول أقوى وأفشى في كلامهم.
وقال بشار بن برد:
شربنا من فؤاد الدّن حتىتركنا الدن ليس له فؤاد
أخذه أبو تمام فقصّ عنه فقال:
غدت وهي أولى من فؤاد بعزمتىورحت بما في الدن أولى من الدن
وقال أبو نواس:
ما زلت آخذ روح الزق في لطفوأستبيح دماً من غير مجروح
حتى غدوت ولي روحان في بدنيوالدن مطرح جسم بلا روح
وقال الأخطل:
تدب دبيباً في العظام كأنهادبيب نمال في نقاً يتهيل
أخذه أبو تمام فأسد المعنى فقال:
إذا الرّاح دبت فيه تحسب جسمهلما دب فيه قريةً من قرى النمل
وقال أبو دواد الإيادي:
لا أعد الإقلال عدماً، ولكنفقد من قد فقده الإعدام
أخذ أبو تمام صدر البيت فقال:
يحسب الإقلال عدماً، بل يرىأن المقلّ من المروءة معدم
وقال أبو الهدى:
وترى سهيلاً في السّماء كأنهثورٌ يعارضه هجان الربب
أخذه أبو تمام فقال:
أراعى من كواكبه هجانا "سواما " لا تريع إلى المسيم
وقال أبو نواس:
شققت من الصبا واشتق منىكما اشتقت من الكرم الكروم
أخذه أبو تمام فقال:
ألذ مصافاة من الظل فى الضحىوأكرم فى اللأواء عودا " من الكرم
وقال مسلم بن الوليد:
نمضى المنايا كما تمضى أسنتهكأن فى سرجه بدرا " وضرغاما "
أخذه أبو تمام فقال:
فتى من يديه البأس يضحك والندىوفى سرجه بدر وليث غضنفر
وقال ابن هرمة:
استبق عينيك لا يود البكا بهماواكفف بوادر من عينيك تستبق
ليس الشؤون وان جادت بباقيةولاالجفون على هذا ولا الحدق
أخذه أبو تمام فقال:
ولا تبقى على ادمان هذاولا هذا العيون ولا القلوب
وقال أبو تمام يهجو السراج:
يا ابن الخبيثة لم تعرض صخرةصماء من مجدى لعرض زجاج؟
أخذه من قول الآخر وأظنه بشارا:
ارفق بعمرو اذا حركت نسبتهفانه عربى من قوارير
وقال الشاعر (العديل بن الفرخ):
مها مه أشباه كأن سرابهاملاء بأيدى الغاسلات رحيض
أخذه أبو تمام فقال:
وبساط كأنما الآل فيهوعليه سحق الملاء الرحيض
وقال أبو تمام:
فا شمالوا يلجلجون دؤوبا "مضغا " للكلال فيها أنيض
أخذه من قول زهير:
تلجلج مضغة فيها أنيضأصلت فهى تحت الكشح داء
وقال أبو نواس:
سن للناس الندى فندافكأن البخل لم يكن
أخذه أبو تمام فقال:
مضوا وكأن المكرمات لديهملكثرة ما أوصوا بهن شرائع
وقال فى الغزل:
مستحيل أن تحتويك الظنونكيف يحوى مالا تراه العيون
غير أنا نقول: أنك خلقحركات مخلوقة وسكون
أخذه من قول أبى نواس وقصر عنه:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
يسوقه من قرار الى قرار مكين
حتى بدت حركات مخلوقة من سكون
وقال أبو العتاهية:
كم نعمة ل ايستقل بشكرهالله فىطى المكاره كامنه
اخذه الطائى فقال وأحسن لأنه جاء بالزيادة التى هى عكس الشىء الأول:
قد ينعم الله بالبلوى وان عظمتويبتلى الله بعض القوم بالنعم
وقال آخر:
ليست تكون المكرمات بغير إنفاق الدراهم
فأخذ الطائي فقال:
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصدولا المجد في كف امريء والدراهم
وقال آخر، ولست أدرى أهو قبل الطائي أو في أيامه:
ما كنت أحسب أن بحراً زاخراًعم البرية كلها. إرواء
أضحى دفيناً في ذراع واحدمن بعد ما ملك الفضاء فضاء
فقال الطائي، وأبر عليه وعلى كل من ذكر هذا المعنى:
وكيف احتمالي للسحاب صليعةًبإسقائها قبراً وفي لحده البحر
وقال آخر:
نؤى كما نقص الهلال محاقةأو مثل ما فصم السوار المعصم
أخذه أبو تمام فقال:
ونؤى مثلما انفصم السوار
وقال أخر في السحاب:
كأن عينين باتا طول ليلهمايستمطران على غدرانه المقلا
فقال الطائي، وحول المعنى، وأجاد:
كأن الغمام الغر غيبن تحتهاحبيباً؛ فما ترقى لهن مدامع
وقال الطائي:
وليست بالعون العنس عنديولا هي منك بالبكر الكعاب
أخذه من قول الفرزدق:
وعند زياد لو يريد عطاءهمرجال كثير قد ترى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طالب حاجةعوان من الحاجات أو حاجة بكرا
وقال الآخر، وهو معبد الهذلى:
أي عيشٍ عيشي إذا كنت منهبين حل وبين وشك الرحيل؟
كل فج من البلاد كأنّىطالبٌ بعض أهله بذحول
فقال الطائي:
كان له ديناً على كل مشرقمن الأرض، أو ثأراً لدى كل مغرب
وقال آخر، وأنشده ابن أبي طاهر والأخفش للأرقط بن دعبل:
نهنه دموعك من سح وتسجامالبين أكثر من شوقي وأسقامى
وما أظن دموع العين راضيةحتى تسح دماً هطلاً بتسجام
أخذ الطائي معنى البيتين ولفظهما فقال:
ما اليوم الأول توديعى ولا الثانيالبين أكثر من شوقى وأحزاني
وما أظن النوى ترضى بما صنعتحتى تبلغنى أقصى خراسانِ
وأنشدنى ابن أبي طاهر لدعبل:
إن جاء مر تغباً سائلٌآلت إليه رغبة السائل
أخذه أبو تمام فقال:
وأني أرجو عاجلاً أن تردنىمواهبه بحراً مواهبي
وقال دعبل بن على:
وأسمرٌ في رأسه أزرقمثل لسان الحيّة الصادى
أخذه الطائي فقال:
مثقفات سلبن الروم زرقتهاوالعرب أدمتها، والعشاق القضفا
فزاد المعنى بأن شبه زرقتها بزرقة الروم، وسمرتها بسمرة العرب، ولكن قول دعبل ((مثل لسان الحية الصادى)) ليس لحسنة نهاية.
وقال أبو نواس:
وأطعم حتى ما بمكة آكلوأعطى عطاءً لم يكن بضمار
أخذ الطائي معنى صدر البيت فقال:
فنول حتى لم يجد من ينيلهوحارب حت ىمن يحاربه
وقال أبو نواس في أرجوزة يصف فيها الحمام ويمدح فيها قوما:
بشرهم قلب النّوال اللاّحقكالبرق يبدو قبل جودٍ دافق
والغيث يخفى وقعه للرّامقإن لم يجده بدليل البارق
أخذ المعنى أبو تمام فقال:
يستنزل الأمل البعيد ببشرهبشر الخيمة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّما تدعو إلىمعروفها الرّوّاد ما لم تبرق
وقال أبو العتاهية:
وإن إذا ما تركنا السّؤال منه فلم نبغه يبتدينا
وإن نحن لم نبغ معروفهفمعروفه أبداً يبتغينا
وقال مسلم بن الوليد في معنى بيت العتاهية الأول:
أخ لي يعطيني إذا ما سألتهولو لم أعرض بالسؤال ابتدا نيا
أخذ أبو تمام معنى هذا البيت ومعنى بيت أبي العتاهية الأول فقال:
ورأينيى فسألت نفسك سيبهالى ثم جدت وما نظرت سؤالى
أو لعله أخذ من قول منصور النمري:
رأيت المصطفى هارون يعطىعطاءً ليس ينتظر السؤالا
وأجود من هذا كله قول سلم الخاسر:
أعطاك قبل سؤالهفكفاك مكروه السؤال
وأخذ أبو تمام معنى بيت أبي العتاهية الثاني فقال:
كالغيث إن جئته وافاك ريقهوإن تحملت عنه كان في الطلب
وقال مسلم:
وما كان مثلي يعتريك رجاؤهولكن أسءت شيمة من قتى محض
أخذه أبو تمام وزاد زيادة حسنة، فقال:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبيففي سوء القضاء لى العذر
وأنشد أبو تمام في الحماسة:
ترد السباع معى فالفى كالمدل السباع
أخذ المعنى من فيه فقال:
أبن مع السباعي الماء حتىلخالته السباع من السباع
وقال النظار بن هشام الأزدى:
يعف المرء ما استحيا ويبقىنبات العود ما بقيى اللحاء
وما في أن يعيش المرء خيرإذا ما المرء زايله الحياء
أخذ أبو تمام معنى البيتين وأكثر لفظهما، فقال:
يعيش المرء ما استحيا بخيرويبقى العود ما بقى اللحاء
فلا والله ما في العيش خيرولا الدنيا إذا ذهب الحياء
وقال أبو نوّاس:
أبن لى كيف صرت إلى حريمىونجم الليل مكتحل بقار
أخذه الطائي فقال:
إليك هتكنا جنح ليل كأنهقد اكتحلت منه البلاد بإثمد
وسمع أبا نواس يقول:
تبكى فتذرى الدر من نرجسوتلطم الورد بعناب
فقال وأساء كل الإساءة وقصر وقبح صدر البيت:
ملطومة ٌ بالورد أطلق طرفهافي الخلق؛ فهو مع المنون محكم
وقال أبو تمام:
ومما كانت الحكماء قالت:لسان المرء من خدم الفؤاد
أخذه من الجعد بن ضمام أحد بني عامر بن شيبان، ذكره أبو تمام في اختبارات القبائل:
إن البيان مع الفؤاد، وإنماجعل اللسان بما يقول رسولا
وقال طريح الثقفي يرثي قوماً:
فلله عينا من رأى قط حادثاًكفرس الكلاب الأسد يوم المشلل
أخذه أبو تمام فأجاد في الأخذ فقال:
من لم يعاين أبا نصرٍ وقاتلهفما رأى ضبعاً في شدقها سبع
وهذا معنى متداول، وقد يجوز أن يكون أخذه الطائي من غير هذا الموضع.
وقال مروان بن أبي حفصة:
ما ضرني حسد اللئام، ولم يزلذو الفضل يحسده ذوو التقصير
أخذه أبو تمام، فقال:
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
وقال أبو دهبل الجمحي:
ما زلت في العفو للذنوب وإطلاق لعانٍ بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهمعندك أمسوا في القد والحلق
أخذه أبو تمام فقال:
وتكفل الأيتام عن آبائهمحتى وددنا أننا أيتام
وقال زيد الخيل الطائي:
وأسمر مربوعٌ يرى ما رأيتهبصيرٌ إذا صةبته بالمقاتل
أخذه أبو تمام فقال:
من كل أسمر نظار بلا نظرٍإلى المقاتل ما في متنه أود
وقال أبو نخيلة في مسلمة بن عبد الملك:
ونوهت من ذكرى، وما كان خاملاًولكن بعض الذكر أنبه من بعض
أخذه أبو تمام فقال:
لقد زدت أوضاحي امتداداً، ولم أكنبهيماًن ولا أرضى من الأرض مجهلا
ولكن أيادٍ صادفتني جسامهاأغر فوافت بي أغر محجلا
وقال المسيب بن علس:
هم الربيع على من كان حلمهموفي العدو مناكيدٌ مشائيم
وقال علاقة بن عركي التيمي يرثي قوماً:
وكنتم قديماً في الحروب وغيرهاميامين للأدنى لأعدائكم نكدا
ومثله قول كعب بن الأجذم:
بنو رافعٍ قومٌ مشائيم للعدىميامين للمولى وللمتحرم
أخذ الطائي هذا المعنى فقال في مدح أبي سعيد:
إذا ما دعوناه بأجلح أيمنٍدعاه ولم يظلم بأصلع أنكد
وقال دكينٌ الراجز:
عارى الحصى يدرس ما لم يلبس
أخذه أبو تمام فقال:
تجدد كلمات لبست، وتبقىإذا ابتذلت، وتخلق في الحجاب
أو أخذه من قول الراجز:
عودٌ على عودٍ من القدم الأوليميته الترك ويحييه العمل
يعني طريقاً.
وقال تميم بن أبي بن مقبل:
قد كنت راعي أبكارٍ منعمةٍفاليوم أصبحت أرعى جلةًً شرفا
يريد عجائز، أخذه الطائي فقال وعدل بشطر البيت إلى وجه آخر فأحسن:
كنت أرعى الخدود، حتى إذا مافارقوني بقيت أرعى النجوما
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
والمال يغشى رجالا لا طباخ بهمكالسيل يغشى أصول الدندن البالي
أخذه الطائي فقال:
لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حربٌ للمكان العالي
وقال أبو تمام في وصف الشعر:
ولكنه صوب العقول: إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
أخذه من قول أوسٍ:
أقول بما صبت على غمامتيودهري، وفي حبل العشيرة أحطب
وقال أمية بن أبي الصلت:
عطاؤك زينٌ لامرئ إن حبوتهبخيرٍ، وما كل العطاء يزين
أخذه الطائي فقال:
ما زلت منتظراً أعجوبةً زمناًحتى رأيت سؤالاً يجتنى شرفا
وقال كثير:
ونازعني إلى مدح ابن ليلىقوافيها منازعة الطراب
أخذه الطائي فقال:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت لهحتى ظننت قوافيه ستقتتل
وقالت محياة بنت طليق من بني تيم الله بن ثعلبة:
نعى ابنى مجل صوت ناعٍ أصمنيفلا آب محموداً بريدٌ نعاهما
وقال سفيان بن عبد يغوث النصرى:
صمت له أذناي حين نعيتهووجدت حزناً دائماً لم يذهب
أخذه الطائي فقال:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعاوأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
ونحوه قول الحارث بن نهيك الدارمي:
ففقأ عيني تبكاؤهوأورث في السمع مني صمم
وقال شقران بن عرباض القشيري:
فما السائل المحروم يرجع خائباً ولكن بخيل الأغنياء يخيب
وقال آخر - وهو الشجاع الهاتف - في خبر عن ابن الكلبي، ورواه ابن دريدٍ:
لاتزهدن في اصطناع العرف من أحدٍإن الذي يحرم المعروف محروم
أخذه أبو تمام فقال:
وإني ما حورفت في طلب الغنىولكنما حورفتم في المكارم
وقال عنترة:
والطعن مني سابق الآجال
وإنما أراد الآجال سابقة طعني؛ لشدة خوفه إذا سدد سنانه للطعن.
أخذه الطائي فغيره تغييراً حسناً فقال:
يكاد حين يلاقي القرن من حنقٍقبل السنان على حوبائه يرد
وقال عدي بن الرقاع بمدح بعض بني مروان:
وإذا رأيت جماعة هو فيهمنبئت سؤدده وإن لم تسأل
أخذه الطائي فقال:
يحميه لألاؤه ولوذعيتهعن أن يذال بمن أو ممن الرجل
فقصر عديٌ بالممدوح؛ إذ جعله إذا كان في جماعة لم يعرف حتى تنبئ عنه شمائله، وتبعه أبو تمام في التقصير.
وقال:
طلب المجد يورث المرء خبلاًوهموماً تقضقض الحيزوما
فتراه، وهو الخلى، شجياًوتراه، وهو الصحيح، سقيما
أخذ قوله " وهموماً تقضقض الحيزما " من قول لقيط الإيادي:
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثههمٌ يكاد حشاه يحطم الضلعا
وأخذ معنى قوله:
ولهته العى فليس يعد البؤس بؤساً ولا النعيم نعيما
من قول لقيطٍ أيضاً:
لامترفاً إن رخاء العيش ساعدهولا إذا عض مكروهٌ به خشعا
وقال أبو العارم الطائي:
غبي العي، أو فهمٌ تغابىعن الشذان والفكر القواصي
أخذه أبو تمام، فقال وزاد عليه وأحسن:
ليس الغبي بسيدٍ في قومهلكن سيد قومه المتغابي
أو أخذه من قول دعبل:
تخال أحياناً به غفلةٌمن كرم النفس، وما أعلمه!
وتمثلت فاطمة بنت رسول الله ﷺ عند وفاته ﵇ فيما روى عنها، ولا أعلم صحته:
صبت على مصائبٌ لو أنهاصبت على أليام عدن لياليا
ومثله قول الطائي:
عادت له أيامه مسودةًحتى توهم أنهن ليالي
وقال ابن أذينة:
أسعى له فيعنيني تطلبهولو قعدت أتاني لا يعنيني
أخذه الطائي فقال:
الرزق لا تكمد عليه؛ فإنهيأتي ولم تبعث إليه رسولا
وقال الطائي:
وجه العيس وهي عيسٌ إلى اللهـ فآضت من الهواجر شيما
أخذه من قول ابن هرمة:
بدأت عليها وهي عيسٌ فأصبحتمن السير جوناً لاحقات الغوارب
وأنشد الأشنا نداني ف يالمعاني يذكر الإبل:
ردت عواري غيطان الفلا، ونجتبمثل إيبالةٍ من حائل العشر
أخذه أبو تمام فقال:
فكم جزع وادٍ جب ذروة غاربٍوبالأمس كانت أتمكته مذانبه
وقال أبو تمام:
لو أضخنا من بعدها لسمعنالقلوب الأيام منك وجيبا
أخذه من قول أبي النواس:
حتى الذي في الرحم لم يك نطفةًلفؤاده من خوفه خفقان
وقال آخر:
يا حبذا ريح الجنوب إذا غدتبالفجر وهي ضعيفة الأنفاس
قد حملت برد الثرى، وتحملتعبقاً من الجثجاث والبسباس
أخذه الطائي فقال:
أرسى بناديك الندى، وتنفستنفساً بعقوتك الرياح ضعيفا
وقال نصيب:
وقد عاد ماء الأرض ملحاً؛ فزادنيعلى ظمئي أن أبحر المشرب العذب
أخذه أبو تمام فقال:
كانت مجاورة الطلول وأهلهازمناً عذاب الورد فهي بحار
وقال غيلان بن سلمة الثقفي يصف فرساً:
نهد كتيس أقب معتدلٍكأنما في صهيله جرس
أخذه أبو تمام فقال:
صهصلقٌ في الصهيل تحسبهأشرج حلقومه على جرس
وقال الفرذدق:
قيامٌ ينظرون إلى سعيدٍكأنهم يرون به هلالا
أخذه أبو تمام فقال:
رمقوا أعالي جذعه فكأنمارمقوا الهلال عشية الإفطار
وقال ابن مناذر في البرامكة:
إذا وردوا بطحاء مكة أشرقتبيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
لهم رحلةٌ في كل يومٍ إلى العدىوأخرى إلى البيت العتيق المشهر
أخذه أبو تمام فقال:
حين عفى مقام إبليس سامىبالمطايا مقام إبراهيما
وقال أبو تمام:
فحيوا بالأسنة ثم ثنوامصافحة بأطراف الرماح
أخذ قوله " فحيوا بالأسنة " من قول مسلم بن الوليد:
فحيوا بأطراف القنا، وتعانقوامعانقة البغضاء غير التودد
وأخذ قوله " مصافحة بأطراف الرماح " من قول أب يإسحاق التغلبي:
دنوت له بأبيض مشرقيكما يدنو المصافح للسلام
وقال جرير في يزيد بن معاوية:
الحزم والجود والإيمان قد نزلواعلى يزيد أمين الله فاختلفوا
ألم به أبو تمام فقال:
من البأس والمعروف والجود والتقىعيالٌ عليه، رزقهن شمائله
فقال " عيال عليه " وهو نحو قول جرير " نزلوا على يزيد " ولعل أبا تمام أخذه من قول دعبلٍ:
تنافس فيه الحزم والبأس والتقىوبذل الهى حتى اصطحبن ضرائرا
وقال الكميت يصف الخيل:
يفقهن عنهم إذا قالوا، ويفقههممستطعمٌ صاهلٌ منهم ومنتحم
أخذه أبو تمام فقال:
وهو إذا ما ناجاه فارسهيفهم عنه ما تفهم الإنس
وقال الكميت أيضاً:
وألقين البرود على خدودٍ يزين الفداغم بالأسيل
يريد بالفداغم الوجوه اللحيمة؛ فقال أبو تمام:
وثنوا على وشى الخدود صيانةًوشى البرود بمسجفٍ وممهد
وقال الأبيرد الرياحي:
وكنت أرى هجراً فراقك ساعةًألا، لا، بل الموت التفرق والهجر
أخذه أبو تمام فقال:
الموت عندي والفراق كلاهما ما لا يطاق
وأنشد أبو العباس المبرد للعتبى:
أضحت بخدى للدموع رسومأسفاً عليك، وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحسن من المواطن كلهاإلا عليك؛ فإنه مذموم
قال: وأخذه الطائي فقال في إدريس بن بدر السامي:
دموعٌ أجابت داعي الحزن همعتوصل منا عن قلوبٍ تقطع
وقد كان يدعي لابس الصبر حازماًفأصبح يدعى حازماً حين يجزع
قال: وجاء به الطائي في موضع آخر. فقال:
الصبر أجمل غير أن تلذذيفي الحب أحرى أن يكون جميلا
وقال الراجز، أنشده يعقوب بن السكيت:
قد أضحت العقدة صلعاء اللمموأصبح الأسود مخضوباً بدم
العقدة: موضعٌ ذو شجر لا يفنى فيذهب، وصلعاء اللمم: الجماجم، وهو جمع لمة، فجعله مثلا لرؤوس النبت أكلته الإبل فصارت لممه صلعاً، والأسود: الحية تطؤه الإبل فتقتله؛ فظفر بهذا أبو تمام فقال: حتى تعمم هامات الربى من نوره وتأزر الأهضام
والأهضام: ما انخفض من الأرض.
ووجدت ابن طاهر خرج سرقات من المعاني بالمشترك بين الناس مما لا يكون مثله مسروقا
فمن السرق قول أبي تمام:
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوىولكن أملته عليه الحمائم
أخذه من قول العتّابي:
بكى واستملّ الشوق من في حمامةأبت في غصون الأيك إلا الترنما
أظن قوله " في حمامة " أراد به من صوت حمامة، دعته إليه الضرورة، وليس هذا موضع " في " وقوله " أملته " من قول العتّابي " واشتملّ ".
وقد جاء مثله في أشعارهم:
وقال: أخذه وقوله:
لا تنشجن لها فإن بكاءهاضحكٌ، وإن بكاءك استغرام
من قوله الآخر:
فإن إن بكيت بكيت حقاًّوإنك في بكائك تكذبينا
وقال:
فنول حتى لم يجد من ينيله
أخذه من قول علي بن جبلة:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاًوبدأت إذا قطع العفاة سؤالها
وقد ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير ابن جبلة: وقال:
إني لأعجب ممن في حقيبتهمن المنى بحورٌ كيف لا يلد
أخذه من مروان في قوله:
لو كان يحمل من هذا الورى ذكرلكنت أول خلق الله بالولد
ومن قوله أيضاً:
لو كان يخلق في بطن امرئ ولدلأصبح البطن منه ضامناً ولدا
وقال:
يحميه لألاؤه ولو ذعيتهعن أن يذال بمن أو ممن الرجل
أخذه من قول حسان:
إذا ما ترعرع فينا الغلامفما إن يقال له من هوه
وقد ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير حسان.
وقال:
فلا تطلبوا أسيافهم في جفونهافقد أسكنت بين الطلى والجماجم
أخذه من قول عنترة:
ولم يعلم جوية أن نبلىيكون جيرها البطل النجيد
وقال:
يتجنب الآثام ثم يخافهافكأنما حسناته آثام
أخذه من قول أبي العتاهية:
لم تنتقصني إذ أسأت وزدتنيحتى كأن إساءتي إحسان
وقال الطائي:
أجل أيها الربع الذي خفّ آهلهلقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
أخذه من قول العرجي:
ألا أيها الربع الذي بان آهلهلقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
وقال:
لا تذيلن مصون همك وانظركم بذي الأيك دوحة من قضيب
أخذه من قول الأشهب بن رميلة:
على بني يشد الله أزرهموالدوح ينبت عيداناً فيتكهل
وقال:
أظله البين حتى إنه رجللو مات من شغله بالبين ما علما
أخذه من قول أبي الشيص:
وكم من ميتة قد مت فيهولكن كان ذاك وما شعرت
وبيت أبي تمام أجود.
وقال في وصف الرماح:
كأنها وهي في الأكباد والغةوفى الكلى تجد الغيظ الذى تجد
أخذه من قول النمري:
ومصلتاتٍ كأن حقداًمنها على الهام والرقاب
وقال:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍأغارت عليهم فاحتوته الصنائع
أخذه من قول الآخر:
إذا أسلفتهن الملاحم مغنماًدعاهن من كسب المكارم مغرم
وقال:
وركبٍ كأطراف الأسنة عرسواعلى مثلها والليل تسطو غياهبه
وقد ذكرت أخذ هذا المعنى فيما تقدم من كثير.
وقال:
توفيت الآمال بعد محمدٍفأصبح مشغولاً عن السفر السفر
أخذه من قول عصام الجرجرائي:
ألا في سبيل الله آمالك التيتوفين لما اغتالك الحدثان
وقد تقدم ذكر هذا وأنه أخذه من موضع آخر.
وقال:
تعليفها الإسراج والإلجام
أخذه من قول جرير:
حراجيج يعلفن الذميل، كأنهامعاطف ظبيٍ أو حنى الشراجع
وقال:
ذاك الذي كان لو أن الأنام لهنسلٌ لما عليهم جبنٌ ولا بخل
أخذه من قول أبي السمط:
لو كان جدكم شريكٌ والداًلناس لم تلد النساء بخيلا
وقال:
حمراء من حلب العصير كسوتهابيضاء من حلب الغمام الرقرق
أخذه من قول مسلم:
صفراء من حلب العصير كسوتهابيضاء من حلب الغيوم البجس
وقال: أخذ قوله:
بياض العطايا في سواد المطالب
من قول بعض العرب:
همامٌ عطاياه بدورٌ طوالعٌعلى آمليه في سواد المطالب
ومن قول الأخطل:
رأين بياضاً في سواد كأنهبياض العطايا في سواد المطالب
وأخذ قوله:
ناجيت ذكرك، والظلماء عاكفةٌفكان يا سيدي أحلى من الشهد
من قول ابن أبي أمية:
كم ليلةٍ نادمني ذكرهيسعدني المثلث والزير
وأخذ قوله:
والعيش غضُ والزمان غلام
من قول الأخطل:
سعيت شباب الدهر لم تستطعهمأفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟
وقال أخذ قوله:
ذاك الذي أحصى الشهور وعدهاطمعاً لينتج سقبةً من حائل
من قول أعرابي:
إنا وجدنا طرد الحواملخيراً من التاتان والمسابل
وعدة العام وعام قابلملقوحة في بطن ناب حائل
وأخذ قوله:
يعلون حتى ما يشك عدوهمأن المنايا الحمر حيٌ منهم
من قول مسلم بن الوليد:
لو أن قوماً يخلقون منيةًمن بأسهم كانوا بني جبريلا
وأخذ قوله:
لو كان في الدنيا قبيلٌ آخرٌبإزائهم ما كان فيها معدم
من قول بشار بن برد:
لو كان مثلك آخرما كان في الدنيا فقير
وقال في قوله:
ذقنا الصدود، فلما اقتاد أرسنناحنت حنين عجولٍ بيننا الرحم
من قول الأسود بن يعفر:
سما بصرى لما عرفت مكانهوأطت إلى الواشحات أطيطا
وأخذ قوله:
صفراء صفرة صحةٍ قد ركبتجثمانه في ثوب سقمٍ أصفر
من قول على بن رزين الكوفي:
بيضاء رعبوبةٌ صفراء من غير
وقال في قوله:
لم تكمدي فظننت أن لم تكمدي
من قول بعضهم:
لا تنكري جزع المحب؛ فإنهيطوى على الزفرات غير حشاك
أو أخذه من قول مسلم بن الوليد:
قد أولعته بطول الهجر غرتهلو كان يعرف طعم الهجر ما هجرا
وقال في قوله:
سقى الغيث غيثاً وارت الأرض شخصهوإن لم يكن فيه سحابٌ ولا قطر
من قول عقيق بن سليك العامري:
سقاك الغيث إنك كنت غيثاً
وقال في قوله:
أمن بعد طي الحادثات محمداًيكون لأثواب العلى أبداً نشر
من قول أبي نواس:
طوى الموت ما بيني وبين محمدٍوليس لما تطوى المنية ناشر
وقوله أيضاً:
ومن العجائب ناصحٌ لا يشفق
من قول المخبل:
ولا يعدم الغاوى على الغي لائماوإن هو لم يشفق عليه يلوم
وأخذ قوله:
من شرد الإعدام عن أوطانهبالبذل حتى استطرف الإعدام
من قول الأعشى:
هم يطردون الفقر عن جارهمحتى يرى كالغصن الناضر
وفي قول أبي تمام زيادةٌ حسنة، وهي قوله: " حتى استطرف الإعدام ".
وأخذ قوله:
حلفت، إن لم تثبت، أن حافرهمن صخر تدمر، أو من وجه عثمان
من قول الآخر:
لو كان حافر برذوني كأوجهكمبني بديل، لما أنعلته أبدا
باب
ومما نسبه فيه ابن أبي طاهر إلى السرق ما ليس بمسروق؛ لأنه مما يشترك فيه الناس من المعاني والجاري على ألسنتهم، ومنه ما نسبه إلى السرق والمعنيان مختلفان.
فمن الأول قول أبي تمام:
ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمنٍ؟فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه
وقال: أخذه من قول العتابي:
ردت صنائعه إليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
ومثل هذا لا يقال له مسروق؛ لأنه قد جرى في عادات الناس - إذا مات الرجل من أهل الخير والفضل، وأثني عليه بالجميل - أن يقولوا: ما مات من خلف مثل هذا الثناء، ولا من ذكر بهذا الذكر. وذلك شائع في كل أمة، وفي كل لسان.
وقال أبو تمام:
إذا عنيت بشيءٍ خلت أنى قدأدركته أدركتني حرفة الأدب
وقال: أخذه من قول الخريمى:
أدركتني وذاك أول دائيبسجستان حرفة الآداب
و ((حرفة الآداب)) لفظة قد اشترك الناس فيها، وكثرت على الأفواه، حتى سقط أن نظن أن واحداً يستملها من آخر، هذا قول أبي طاهر.
ولم يقل أبو تمام ((أدركتنى حرفة الأدب)) إنما قال ((أدركتنى حرفة العرب)) وقد ذكرت غلطه فى هذه اللفظة عند ذكر البيت فى الموازنة.
وقال في قوله:
لو العافون كم لك فى الندىمن لذة أو فرحة لم تحمد
أخذه من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخوف، ولكن يلذ طعم العطاء
وما إخاله احتذى في هذا البيت على قول بشار؛ لأن بشار قال: ليس يعطيك رغبة في جزاء يرجوه، ولا خوفاً من مكروه، ولكن لالتذاذه العطية،
وأراد أبو تمام أن الطالبين لو علموا التذاذه الندى لم يحمدوه، والمعنيان إنما اتفقا في طريق التذاذ الممدوح بعطائه فقط؛ وهذا ليس من بديع المعانى التى يختص بها شاعر فيقال: إن واحد أخذه من الآخر؛ لأن العادة جارية بأن يقال: فلان لا يعطى متكارهاً ولا متكلّفاً، بل يعطى عن نية صادقة، ومحبة لبذل المعروف تامة، ونحو هذا من يقول.
وقال في قوله:
لو كان ينفخ قين الحى في فحم
من قو الأغلب:
قد قاتلوا لو ينفخون في فحمما جبنوا ولا تولوا من الأمم
وهذا معنى شائع من معاني العرب، وجار في الأمثل أن يقولوا: قد فعلت كذا، واجتهدت في كذا لو كنت تنفخ في فحم ٍ؛ لأن النفخ يحي النار ويشعلها، والنفخ في حطب ليس بفحم ولا أخذت النار فيه لا يورى ناراٍ.
وقال في قوله:
والموت خير من سؤال سؤول
من قول محمود:
وارغب إلى ملك الملوك، ولا تكنبادى الضراعة طالباً من طالب
ومثل هذا لا يكون مسروقاً؛ لأنه على الألسن أن يقال: وقع سائل على سائل، ومجندٍ على مجتدٍ، ووقع البائس على الفقير، وأمثال هذا.
وقال في قوله:
همةٌ تنطح النجوم، وجدٌآلفٌ للحضيص فهو حضيض
من قول أعرابي:
همته قد علت وقدرتهفي اللحد بين الثرى مع الكفن
وهذا أيضاً من المعاني المشتركة الجارية في العادة أن يقولوا: همته في علاء، وجده في سفال، وهمته ناطقة وجده أخرس، وهمة ذات حراك وجدٌ ساكن، وهمة فلان ترفعه وجده يضعه؛ وما أشبه هذا.
وقال في قوله:
تقبل الركن ركن البيت نافلةًوظهر كفك معمورٌ من القبل
من قول عبد الله بن طاهر:
أعلت له ذكره فكافأهابأن توالى في ظهرها القبل
وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر قبل الكف، وهذا ليس من المعاني المبتدعة؛ لأن الناس أبداً يقولون: ما خلق وجهه إلا للتحية، وكفه إلا للقبل، كما قال دعبل:
فباطنها للندىوظاهرها للقبل
ومثل هذا، مما نطقوا به كثيراً، فلا يكون عندي مسروقاً.
وقال في قوله:
نظرت فالتفت منها إلى أحلى سوادٍ رأيته في بياض
من قول كثير:
وعن نجلاء تدمع في بياضٍإذا دمعت وتنظر في سواد
وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر البياض والسواد، والألفاظ غير محظورة، وأبو تمام إنما قال " فالتفت منها إلى أحلى سواد " يعني حدقتها " في بياض " يعنى شحمة عينها، وهذا هو الصحيح، وقد قيل: سواد عينها في بياض وجهها، وكثير أراد أن عينها تدمع إذا دمعت، يريد خدها، وتنظر في سواد، يعني حدقتها، وهذا المعنى غير ذاك.
وقال في قوله:
وكم لك لولا ما أخففهابه من الشكر لم تحمل ولم تطق
بالله أدفع عني ثقل فادحهافإنني خائف منها على عنقى
من قول أبي نواس، والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا نواس قال:
لا تسدين إلى عارفةحتى أقوم بشكر ما سلفا
أنت امرؤٌ جللتني نعماًأوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فذكر أن نعم الممدوح قد غلبت الشكر، فاستعفاه من نعمة أخرى حتى يقوم بشكر نعمته السالفة، وأبو تمام قال: لولا ما أخففها به من الشكر لم أطق حملها، ثم أحسن وألطف في قوله " فإنني خائف منها على عنقي " ومعنى أب ينواس أجود وأبرع.
وقال في قوله:
أعمل النتف والطلا وقديماًكان صعباً أن تشعب القاروره
من قول الأعشى:
كصدع الزجاجة ما تستطيع كف الصناع لها أن تحيرا
قلت: ووقع في شعر الأعشى أيضاً قوله:
فبانت وفي الصدر صدعٌ لهاكصدع الزجاجة لا يلتئم
وهذا معنى متداول مشهور مبذول من معانيهم في الزجاج، قد نطق به الناس، وأكثروا فيه حتى سقط أن يقال: إن أبا تمام أخذه من الأعشى، وقد تقدم فيه المسيب بن علس فقال:
بانت وصدع القلب كان لهاصدع الزجاجة ليس يتفق
وقال آخر:
مثل صدع الزجاج أعيا الصناعا
وقال آخر:
وتفرقت نياتهم فتصدعواصدع الزجاجة ما لها تيفاق
ومثله كثير.
وقال في قوله:
إذا سيفه أضحى على الهام حاكماًإذا العفو منه وهو في السيف حاكم
من قول مسلم بن الوليد:
يغدو عدوك خائفاً؛ فإذا رأىأن قد قدرت على العقاب رجاكا
والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: إذا حكم سيف الممدوح على الهام حكم عفوه على السيف، ومسلم قال: إن عدو الممدوح يخافه؛ فإذا رأى أن قد قدر على العقاب رجاه؛ فليس هذا المعنى من ذلك في ئيء.
وقال في قوله:
فإن هزرئتم سللناها وقد غنيتدهراً وهام بني بكر لها غمد
من قول سعد بن ناشب:
فإن أسيافنا بيضٌ مهندةٌعتقٌ، وآثارها في هامهم جدد
والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: " وهام بني بكر لها غمد " وهذا قال: " وآثارها ف يهامهم جدد " فهذا غير ذلك.
وقال في قوله:
رمنا الصدود فلما اختار ألفتناحنت حنين عجول بيننا الرحم
من قول الأسود بن يعفر:
سما بصري لما عرفت مكانهوأطت إلي الواشجات أطيطا
فهذا قال: إنه لما عرفه أطت إليه الواشجات أي الحقوق والقرابة والرحم.
أي حنت أليه، وأبو تمام قال: لما صددنا وفارقنا الألفة حنت بيننا الرحم، فهذا كقول قيس بن الخطيم في حربهم:
لما بدت نحونا جباههمحنت إلينا الأرحام والصحف
أي لما صافونا للحرب حنت إلينا الرحم والصحف، يريد العهود، والله أعلم.
وقال في قوله:
فلو كانت الأزراق تجري على الحجىهلكن إذاً من جهلهن البهائم
من قول أب يالعتاهية:
إنما الناس كالبهائم في الرزق، سواءٌ جهولهم والحليم
وبين المعنيين خلاف؛ فإن أبا العتاهية أراد أن رزق كل نفس يأتيها - جاهلةً كانت أو عالمةً - كما يأتي البهائم، وهذا قائم في الفطرة والعقول؛ فتتفق الحخواطر في مثله. وأبو تمام قال: إن الرزق لو جرى على قدر العقل لهلكت البهائم، وهذه زيادة في المعنى حسنة، وإن كان إلى مذهب أبي العتاهية يؤول.
وقال في قوله:
وأشجيت أيامي بصبر حلون ليعواقبه، والصبر مثل اسمه صبر
من قول أبي الشيص:
يصبرني قومٌ براءٌ من الهوىوللصبر تاراتٍ أمر من الصبر
فقول الناس: الصبر مرٌ، والصبر كاسمه صبر، وقولهم: الصبر محمود العاقبة، وإن كان مراً؛ لا يكون مسروقاً فيقال: إن واحداً أخذه من آخر، وقول أبي الشيص: إن للصبر تارات يكون فيها أمر من الصبر، أي: له تارات يكون فيها شديد المرارة، وقول أبي تمام: أشجيت أيامي بصبر حلت لي عواقبه، ثم قال: والصبر مر عواقبه، يريد في الحلق، أي لو جرعته لكان مقطعه شديد المرارة، وإنما قال هاليجتمع له في البيت حلاوة عواقبه ومرارة عواقبه، هذا تفسيره على ما رواه ابن أبي طاهر، ولم يقل أبو تمام والصبر مر عواقبه، وإنما قال: والصبر مثل اسمه صبر.
وقال في قوله:
لئن ذمت الأعداء سوء صباحهافليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
من قول مسلم:
لو حاكمتك فطالبتك بذحلهاشهدت عليك ثعالبٌ ونسور
وذكر وقوع الذئاب وغيرها والنسور وما سواها من الطير على القتلى معنى متداولٌ ومعروفٌ، وهو في بيت أبي تمام غيره في بيت مسلم؛ لأن مسلماً قال لممدوحه: لو حاكمتك - يريد الفرقة والعصب التي لقيتك - في مطالبتك بثأر من قتلت منها لشهدت عليك الثعالب والنسور، وأبو تمام قال على سبيل الاستهزاء: لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يؤدي الذئب والنسر شكرها؛ لكثرة ما أكلا منها، وهذا المعنى غير ذاك، والله أعلم.
صفحة فارغة
الجزء الثاني
صفحة فارغة
﷽
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي عفا الله عنه: قد ذكرت في الجزء الأول احتجاج كل فرقة من أصحاب أبي تمام حبيب ابن أوسٍ الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري على الأخرى في تفضيل أحدهما على الآخر، وقلت: إني أبتدئ - بعد هذا الباب - بذكر معايبها؛ لأختم الكتاب بوصف محاسنها؛ فأتبعت ذلك بما خرجته من سرقات أبي تمام وبيضت آخر الجزء لألحق به ما وجدته منها في دواوين الشعراء فعلمت عليه، وما أجده بعد ذلك؛ فإنه كثير السرق جدا.
وقد سمعت أبا علي محمد بن العلاء السجستاني يقول: إنه ليس له معنى انفرد به فاخترعه إلا ثلاثة معان، وهي قوله:
تأبى على التصريد إلا نائلاًإلا يكن ماءً قراحاً يمذق
نزراً كما استكرهت عائر نفحةٍمن فأرة المسك التي لم تفتق
وقوله:
بني مالك قد نبهت خامل الثرىقبورٌ لكم مستشرفات المعالم
رواكد قيس الكف من متناولوفيها على لا ترتقى بالسلالم
وقوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍطويت أتاح لها اسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
ولست أرى الأمر على ما ذكره أبو علي، بل أرى أن له - على كثرة مآخذه من أشعا ر الناس ومعاينهم - مخترعات كثيرةً، وبدائع مشهورة، وأنا أذكرها عند ذكر محاسنه إن شاء الله تعالى.
ومع هذا فلم أر المنحرفين عن هذا الرجل يجعلون السرقات من كبير عيوبه؛ لأنه باب ما يعرى منه أحدٌ من الشعراء إلا القليلب، بل الذي وجدتهم ينعونه عليه كثرة غلطة، وإحالته، وأغاليطه في المعاني والألفاظ.
وتأملت الأسباب التي أدته إلى ذلك؛ فإذا هي ما رواه أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن أحمد أن أبا تمام يريد البديع إلى
المحال، وهذا نحو ما قاله أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله في كتابه الذي ذكر فيه البديع، وكذلك ما رواه محمد بن داود عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبيه أن أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، وأن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحير فيه، كأنهم يريدون إسرافه في طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها، حتى صار كثيرٌ مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا يعلم غرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب الألفاظ والمعاني مجاذبة ويقتسرها مكارهة، وتناول ما يسمح به خاطره وهو بجمامه غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ما قرب في حسن، ولم يفحش، واقتصر من القول على ما كان محذوا الشعراء المحسنين؛ ليسلم من هذه الأشياء التي تهجن الشعر وتذهب ماءه ورونقه، ولعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه - لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان قليله حينئذٍ يقوم مقام كثير غيره؛ لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب الألفاظ، ولكنه شره إلى إيراد
كل ما جاش به خاطره ولجلجه فكره، فخلط الجيد بالردئ، والعين النادر بالرذل الساقط، والصواب بالخطأ. وأفرط المتعصبون له في تفضيله، وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا له عن خطائه وتأولوا له التأول البعيد فيه، وقابل المنحرفون عنه إفراطاً بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه. وتجاوز ذلك بعضهم إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه فيه، واحتج بما لا تقوم حجة به، ولم يقنع بذلك مذاكرة وقولاً حتى ألف في ذلك كتاباً، وهو أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار القطر بلى المعروف بالفريد، ثم ما علمته وضع يده من غلطه وخطئه إلا على أبيات يسيرة، ولم يقم على ذلك الحجة، ولم يهتد لشرح العلة، ولم يتجاوز فيما نعاه بعدها عليه الأبيات التي تتضمن بعيد الاستعارة وهجين اللفظ، وقد بينت خطأه فيما أنكره عليه من الصواب في جزء مفرد إن أحب القارئ له أن يجعله من جملة هذا الكتاب ويصله بأجزائه فعل ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي تضمن يدخل ف يمحاسن أبي تمام التي ذكرت أنى أختم كتابي هذا بها وبمحاسن البحري.
وأنا أذكر ما غلط فيه أبو تمام من المعاني والألفاظ، مما أخذته من أفواه الرجال وأهل العلم بالشعر عند المفاوضة والمذاكرة، وما استخرجته أنا من ذلك واستنبطته، بعد أن أسقطت منه كل ما احتمل التأويل، ودخل تحت المجاز، ولاحت له أدنى على.
وأنا أبتدئ بالأبيات التي ذكرت أن أبا العباس أنكرها، ولم يقم الحجة على تبيين عيبها وإظهار الخطأ فيها، ثم أستقصى الاحتجاج في جميع ذلك؛ لعلمي بكثرة المعارضين ومن لا يجوز على هذا الشاعر الغلط، ويوقع له التأول البعيد، ويورد الشبه والتمويه. وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
أنكر أبو العباس أحمد بن عبيد الله على أبي تمام قوله:
هاديه جذعٌ من الأراك، وماتحت الصلا منه صخرةٌ جلس
قال: هذا من بعيد خطائه أن شبه عنق الفرس بالجذع، ثم قال " جذع من الأراك " ومتى رأى عيدان الأراك تكون جذوعاً؟ وتشبه بها أعناق الخيل!.
وأخطأ أبو العباس في إنكاره على أبي تمام أن شبه عنق الفرس بالجذع، وتلك عادة العرب، وهو في أشعارها أكثر من أن يحصى، وقد بينت ذلك فيما غلط فيهأبو العباس على أبي تمام.
وأصاب أبو العباس في إنكاره أن تكون عيدان الأراك جذوعاً، وإن لم يلخص المعنى؛ لأن عيدان الأراك لا تغلظ حتى تصير كالجذوع، ولا تقاربها.
فإن قيل: إن الشجرة من الأراك قد تعظم حتى تصير دوحة يستظل بها الجماعة من الناس والسرب من الوحوش، وذلك معروف موجود، وقد قال الراعي:
غذاه وحولى الثرى فوق متنهمدب الأتى والأراك الدوائح
والدوائح: العظام منه، جمع دوحة.
قيل: إن الأمر وإن كان كذلك في بعض شجر الأراك من علوها وتشعب أغصانها في الغلظ، ولو انتهت إلى هذه الحالة - وذلك غير معولم - لما قيل لها أيضاً " جذوع "؛ لأن الجذع إنما هو للنخلة فقط، وقد يقال على سبيل الاستعارة لما يشبه بالنخلة، قال الراجز:
بكل طرفٍ أعوجي صهاليمشي إذا ما قيد مشى المختال
تحت هواد كجزوع الأوقال
فقال: " كجذوع الأوقال " والأوقال: جمع وقلة وهي شجرة المقل؛ لأن فيها شبهاً من النخل من جهة الخوص والليف.
فإن قيل: فقد قال ذو الرمة:
وهادٍ كجذع الساج سامٍ يقودهمعرق أحناء الصبيين أشدق
قيل: ذو الرمة إنما قال ذلك على التشبيه؛ لأن العود من الساج يشبه الجذع المنحوت في غلظه وهيئته، وعود الأراك من أبعد شيء من ذلك؛ لأنه لا يمتد ولا يستوى استواء الجذع ولا غيره من أجناس الشجر التي تمتد أبدانها علواً امتداداً مستوياً، وذلك لرقته وشدة التووائه وتشعبه.
وأنكر أبو العباس قول أبي تمام:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمهبكفيك ما ماريت في أنه برد
وقال: هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت، ولم يزد على هذا شيئاً، والخطأ في هذا البيت ظاهر؛ لأنى ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالقرة، وإنما يوصف الحلم بالعظم والرجحان والثقل والرزانة، ونحو ذلك، كما قال النابغة:
وأعظم أحلاماً وأكبر سيداًوأفضل مشفوعاً إليه وشافعا
وكما قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهموأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وكما قال أبو ذؤيب:
وصبرٌ على حدث النائباتوحلمٌ رزينٌ وقلبٌ ذكي
وكما قال عدي بن الرقاع في مثل ذلك:
في شدة العقد والحلم الرزين وفي القول الثبيت إذا ما استنصت الكلم
وقال أيضاً:
أبت لكم مواطن طيباتٌوأحلامٌ لكم تزن الجبالا
وكما قال عدي أيضاً:
الجامع الأصيل وسؤدداًغمراً يقاس به وحكمةً حازم
وكما قال أيضاً:
قرمٌ له مع دينه وتمامهحلمٌ إذا وزن الحلوم ثقيل
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانةًوتخالنا جنا إذا ما نجهل
وقال أيضاً:
إنا لتوزن بالجبال حلومناويزيد جاهلنا على الجهال
وكما قال الآخر:
وعظيم الحلم لو وازنتهبثبيرٍأو برضوى لرجح
ومثل هذا كثير في أشعارهم، ألا ترى أنهم إذا ذموا الحلم كيف يصفونه بالخفة؛ فيقولون: خفيف الحلم، وقد خف حلمه؟ وقال عياض بن كثير الضبي:
تنابلةٍ سودٍ خفافٍ حلومهمذوى نيرب في الحي يغدو ويطرق
وقال عقبة بن هبيرة الأسدي:
أبنى المغيرة قبل آل خويلدٍيا للرجال لخفة الأحلام
وقال قد بن مالك الأسدي:
كأن جرادةً صفراء طارتبأحلام الغواضر أجمعينا
جعلها صفراء لأنها ذكر، وهو أسرع من الأنثى وأخف.
وقال ابن قيس الرقيات، ووجدتها في ديوانه، والصحيح أنها لأبي العباس الأعمى:
حلماء إذا الحلوم استخفتووجوهٍ مثل الدنانير ملس
وقال قيس بن عمير الكناني:
كمثل الحصى بكر، ولكن خيانةوغدرٌ وأحلامٌ خفافٌ عوازب
فهذه طريقة وصفهم الحلم، وإنما مدحوه بالثقل والرزانة، وذموه بالطيش والخفة.
وأيضاً فإن البرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالمتانة والصّفاقة، وأكثر مايكون ألواناً مختلفة، كما قال يزيد بن الطثرية:
أشافتك أطلال الدّيار كأنمامعارفها بالأبرقين برود
والأبرق والبرقاء من الأرض: ما كان فيها حجارة ورمل؛ فقيل ((برقاء)) لاختلاف الألوان فيها، ومن ذلك الجبل الأبرق الذي فتل من قوى مختلفة الألوان؛ فلذلك شبه الشاعر معارف الديار بالبرود لاختلاف ألوان البرود.
ولولا أنه قال ((رقيق حواشي الحلم)) ما ظننت أنه شبه بالبرد إلا لمتانته، وهذا عندما أفحش الخطأ، ثم قوله ((لو أن حلمه في بكفيك)) كلام في غاية القبح والسخافة، وأظن أبا العباس بن عمار إنما أنكر هذه اللفظة فقط.
وإنى لأعجب من اتباع البحترى إياه في البرد - مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه - حيث يقول:
وليال كسين من رقة الصيففخلين لأنهن برود
وكيف لم يجد شياً يجعله في الرقة غير البرد؟ ولكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعاً للمذهب الصحيح المعروف:
خفت إلى السؤدد المجفو نهضتهولو يوازن رضوى حلمه رجحا
وقوله:
فلو وزنت أركان رضوى ويدبل وقيس بها في الحلم خف ثقيلها
وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم، ويعلم أن الشعراء إليه تقصد، وإياه تعتمد، ولعله قد أورد مثله، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ.
وأنكر أبو العباس على أبى تمام قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صورتلها وشحاً جالت عليها الخلاخل
ولم يذكر موضع العيب فيه، ولا أراه علمه، وأنا أذكره وألخصه فأقول: إن هذا لذى وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب، وهو أقبح ما وصف به النساء؛ لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد وتضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحاً تجول فقد أخطأ الوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الخلخال
الذي من شأنه أن يعض بالساق - وشحاً حائلا على جسدها ح لأن الوشاح هو ما تقلده المرأة متشحة به، فتطرحه على عاتقها، فيستبطن الصدر والبطن، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى الحجز، ويلتقى طرفاه على الكشح الأيسر؛ فيكون مها في موضع حمائل السيف من الرجال، وإذا كانت هذه صورة الوشاح فغير جائز يوسف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة وطولها، وكون ذلك لائقاً بتشبيه النساء في البيت الثاني بقنا الخط، وإنما يوصف الوشاح بالقلق والحركة ليستدل بذلك على دقة الخصر؛ لأنه يقلق هناك إذا كان الخصر دقيقاً، والبط اضمر، بل حركته تدل على ضمر البطن أكثر، وليس طوله في نفسه مما يدل على امتلاء ولا خمص، وإذا كان الخلخال - وهو الحلقة المستديرة المعروف قدرها - وشاحاً للمرأة فإن يأخذ أعلى جسده كله، وإذا كانت كذلك فقد مسخت إلى غاية القماءة والصغر، وصارت في هيئة الجعل؛ وقد تصف العرب الخصر بالدقة، ولكن تعطى كل جزء من الجسد قسطه من الوصف، كما قال امرؤ القيس:
طوال المتون والعرانين كالقنالطاف الخصور في تمامٍ وإكمال
ألا تراه قال لطاف الخصور قال في تمام وإكمال ولو قال هذا الشاعر لو أن الخلاخيل صيرت لها حقباً لصح له المعنى كما قال منصور النمرى:
فلو قست يوماً حجلها بحقابهالكانا سواءً، لا، بل الحجل أوسع
فجعل حجلها - وهو الخلخال - أوسع من حقابها، والحقاب: ما تديره المرأة على خصرها؛ فهو يختص بالخصر، وكذلك النطاق، والوشاح لا يختص بالخصر، وإنما يعلق حتى ينتهى إليه إذا كان الخصر دقيقا والبطن ضامراً، فاتبع أبو تمام منصوراً في المعنى فأخطأ.
ومن عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الخصر إلا إذا ذكرت معه من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والرى، على ما عرفتك، كما قال ذو الرمة:
عجزاء، ممكورةٌ، خمصانةٌ، قلقمنها الوشاح وتم الجسم والقصب
وكما قال أيضاً:
وفي العاج منها والد ماليج والبريقنا مالئٌ للعين ريان عبهر
أناةٌ تلوث المرط منها بدعصةٍركامٍ، وتجتاب الوشاح فيقلق
وكما قال:
ترى خلفها نصفاً قناةً قويمةًونصفاً نقاً يرتج أو يتمرمر
وكما قال الشنفري:
فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملتفلوجن إنسانٌ من الحسن جنت
أي: دق منها ما ينبغي أن يدق، وجل منها ما ينبغي أن يجل؛ فهذا هو تمام الوصف.
وقال تميم بن أبي مقبل:
هيف المردى رداحٌ في تأودهامخطوفةٌ منتهى الحشاء عطبول
فقال " هيف المردى " ثم قال " رداح " والرداح: العظيمة العجز، وهذا مقول ذي الرمة " خلفها نصفا قناة قويمة " وقوله " عطبول " قويمة العنق.
وقال تميم أيضاً:
من الهيف مبدانٌ ترى نطقاتهابمهلكةٍ أخراصهن تذبذب
فجعلها هيفاء، وهي الخميصة البطن، ثم قال مبدان؛ فصار البدن لا يمنع من الهيف، ولا يضاده.
وقال تميم أيضاً:
وقد دق منها الخصر حتى وشاحهايجول، وقد عم الخلاخيل والقلبا
وقال علي بن أبي هلقمة الجرمي:
ترى حجلها ملآن ليس بزائدٍيجول، ولم تملأ وشاحاً ولا عقدا
فإن ذلك من شأن الوشاح؛ لأن من سبيله أن يكون جائلا إذا انتهى إلى خصرها لدقته، ومن شأن العقد أن يجول أيضاً على عنقها وترائقها؛ لقلة اللحم هناك، وذاك هو المحمود من الوصف، وقال امرؤ القيس:
على هضيم الكشح ريا المخلخل
وقال طرفة بن العبد:
وملأى السوار مع الدملجينوأما الوشاح عليها فجالا
وقال علقمة بن عبدة:
صفر الوشاحين، ملأى المرط، خرعبةٌ،كأنها رشأٌ في البيت ملزوم
وقال المرار:
بيض العوارض بدنٌ أبدانهارجح الروادف ضمر الخصار
وقال كثير:
كسون الريط ذا الهدب اليمانيخصوراً فوق أعجازٍ ثقال
وقال كثير أيضاً:
يجول الوشاح بأقرابهاوتأبى خلاخلها أن تجولا
وقال آخر:
عقيليةٌ، أما ملاث إزارهافدعصٌ، وأما خصرها فبتيل
يريد كأنه لدقته مقطوعٌ مما يليه. وهذا كله ضد ما قاله أبو تمام.
فإن حمل بعض من يريد إقامة العذر له نفسه على أن يقول: إنما ذهب في قوله " جالت عليها الخلاخل " إلى قولهم: فلان يدخل في الخاتم لظرفه ولين أخلاقه، لا لضيق مفاصله! قيل: هذا من كلام العامة، وقول أب يتمام: " من الهيف " يمنع هذا التأول ويحجز عنه؛ لأن الهيف الخميصات البطون، الواحدة هيفاء، وإلى هذا ذهب، لا إلى وصف الأخلاق ورقة الطباع.
فإن قال قائل: إنما قال " لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحاً " أي لو ساغ ذلك وجاز، كما يقال: لو دخل أحد في سم الخياط لرقته وحسن أخلاقه لدخل زيد، وكما قال الشاعر:
لو طار ذو حافرٍ سرعةٍ طارا
وكما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍقومٌ لسؤددهم أو مجدهم قعدوا
قيل: هذا مذهبٌ حسن معروف من مذاهبهم، ولكن ليس بينه وبين قول أبي تمام شبه، وإنما كان يشبهه لو قال: " لو أن الخلاخيل تكون مكان الوشاح لجال عليها " ولو قال هذا أيضاً لكان يعد مخطئا؛ لأنه سواء عليه قال هذا أو قال قصر ظهرها أو بعض خلقها أو ضم بعض أعضائها إلى بعض، حتى لو يكون خلخالها مكان وشاحها لجال عليها، ومثل هذا لا يقوله أحد إلا الكشحى وأبو العير، ولفظ بيته أقبح من هذا، وأشنع؛ لأنه إنما أخرجه مخرج الحقيقة، أو ما يقارب الحقيقة، نحو قول القائل: لو تغطت هندٌ بشعرها لغطاها، ولو سترت وجهها بذراعها لسترته، ولو مسستها لثاخت الإصبع فيها، أو لأدمتها، وهذا ضرب من المبالغة، وهو إلى الحقيقة أقرب، وليس من الأبيات المذكورة في شيء ولا على سياقة ذلك
اللفظ، والإحالة فيما مخرجه الحقيقة أقبح من الإحالة فيما مخرجه مخرج التوسع؛ والمبالغة.
وبعد فإن أبا تمام إنما قال: من الهيف، والهيفاء هي الضامرة البطن، وقد تكون ضامرة مطوية وخصرها غير دقيق؛ لأنها قد تكون من ضمرها عريضة الحقوين، فيضطرب الوشاح هناك، لأنه إنما يجري من أحد جانبيها على حقو واحد.
واضطراب الوشاح لا يدل على دقة الخصر خاصة؛ لأنه قد يضطرب والخصر غير دقيق، وصمته ولزومه لا يوجب عرض الخصر لا محالة، لأنه غير مطيف به، وإنما يقع طرفه على أحد جانبيه، فما وجه جعل الخلخال في موضع الوشاح؟
فإن قيل: لم يذهب إلى دقة الخصر، وإنما ذهب إلى وصف البطن بالضمر، لأنه قال: من الهيف والهيف، الضوار البطون.
قيل: فهذا موضع غلطه وإحالته، لأن ضيق الخلخال والوشاح لا يوجب ضمر البطن، ولا يدل على ذلك أيضاً طوله ولا قصره: وإنما يدل على الضمر حركته لا غير، وطوله إنما يدل على طول الطهر. وقصره على قصره، والخلخال بمعزل عن ذلك كله.
وإنما سمع أبو تمام قول علي بن جبلة:
فلو قست يوما حجلها بحقابهالكانا سواء، لا بل الحجل أوسع
فاتبعه فأخطأ وأحال؛ لأن العقاب لا يخص غير الخصر، فأراد ابن جبلة أن يدل على دقة الصر فقال: لو قيس خلخالها بحقابها لكانا سواء وكان الخلخال أوسع؛ لأن الخلخال مستدير كاستدارة العقاب، ودقة الخصر تقتضي ضيق العقاب. كما أن تمام الظهر وطل القناة يقتضي
طول الوشاح وطول حمائل السيف؛ لأنهما يخصان القمامة، ألا ترى إلى قول أبي نواس:
أشم طوال الساعدين كأنمايناط نجاد سيفه بلواه
وكما قال البحتري:
ينوس إذا تمطى في النجاد
وكان ينبغي لأبي تمام لما وصف النساء في البيت التالي بالطول والتمام فقال:
قنا الخط إلا أن تلك ذوابلٌ
أن يصف الوشح بالطول والتمام؛ لأن الوشاح من المرأة في موضع خمائل السيف، فكيف يجعلها مثل الخلاخل ويجعل الخلاخل مثلها؟.
وقد يبالغ الشاعر في أشياء حتى يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج النادر، فيستحسن ولا يستقبح، نحو قول الشاعر:
من رأى مثل حبنىتشبه البدر إذ بدا
يدخل اليوم خصرهاثم أردافها غدا
ومثل هذا كثير، وقد بالغ النابغة في وصف عنق المرأة بالطول، فقال:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثهاومن يتعلق حيث علق يفرق
فجعل القرط يخاف أن يسقط من هناك فيلك، وإنما أخرج هذا كالمثل: أي لو كان مما يقع منه الخوف لخاف، وقال ذو الرمة:
والقرط في حرة الذفرى معلقهتباعد الحبل منه فهو يضطرب
فدل بقوله: " تباعد الحبل منه " على طول عنق المرأة؛ فهذه المبالغة لائقة مستحسنة؛ لأنه دل على الوصف بالشيء الذي يخص الموصوف، لا بالشيء الذي يخص غيره، ولو كان أبو تمام قال: " لو أن الخلاخيل صيرت لها نطقاً " لكان أتى بالصواب؛ لأن النطاق هو كل ما يدار على الخصر مثل المنطقة من سير كان أو ثوب أو غيرهما، أو لو قال " حقباً " لأن الحقاب والنطاق بمنزلة واحدة، وأظنه أراد أن يقول هذا فغلط فجعل مكانه الوشاح.
وقد بالغ أبو العتاهية في وصف الخصور بالدقة، فقال:
ومخصراتٍ زرننابعد الهدو من الخدور
نفجٌ روادفهن يلبسن الخواتم في الخصور
لم يرد أن خواتمهن في خصورهن؛ لأن هذا محال، وإنما ذهب إلى مثل قولهم: " جفنة يقعد فيها خمسة " أي: لو قعدوا فيها لو سعتهم.
وقال الآخر:
لها حافرٌ مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا
أي: لو اتخذ فيه مغاراً لوسعه، فكذلك قوله: " يلبسن الخواتم في الخصور " أي: تصلح خصورهن أن تدخل في خواتمهن لدقتها، وكل ما دنا منم المعاني من الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة.
فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالطٌ، وهو ثلاثة أبيات.
ومما أخطأ فيه الطائي البيت الذي بعد قوله:
من الهيف لو أن الخلاخل صيرتلها وشحاً جالت عليها الخلاخل
وهو قوله:
مها الوحش إلا أن هاتا أوانسٌقنا الخط إلا أن تلك ذوابل
وإنما قيل للقنا " ذوابل " للينها وتثنيها، فنفى ذلك عن قدود النساء
التي من أكمل صفاتها التثنى واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يهززن للمشي أوصالاًهز الجنوب ضحى عيدان يبرينا
أو كاهتزاز ردينى تداولهأيدي التجار فزادوا متنه لينا
فشبه تميمٌ قدودهن بالردينى للينه وتثنيه لا غير، هذا أجود من كل ما قاله الناس في مشي النساء وحسن قدودهن، وقوله " مها الوحش " أراد كمها الوحش إلا أن هاتا أوانس؛ فوضع المشبه به في مكان المشبه، وهذا في كلامهم شائع مستفيض.
ومما أخطأ فيه الطائي أقبح خطأ قوله:
قسم الزمان ربوعها بين الصباوقبولها ودبورها أثلاثا
لأن الصبا هي القبول، وليس بين أهل اللغة وغيرهم في ذلك خلافٌ.
فإن قيل: إنما سميت الصبا قبولا؛ لأنها تقابل الدبور؛ فلعله استعار هذا الاسم للدبور، فقال " بين الصبا وقبولها " يريد الدبور لأنها تقابل
الصبا فكأنه أراد بين الصبا ومقابلتها أي الريح المقابلة لها.
قيل: هذا غلط من وجوه: منها: أنه قد ذكر الدبور في البيت مرة؛ فلا يجوز أن يأتى بها مرة ثانية.
ومنها: أنه ما سمع من العرب " زيدٌ قبولك " أي: مقابلك، ولا " دار زيد قبول دار عمرو " بمعنى مقابلتها؛ فإنما خصت الصبا وحدها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي من الموضع الذي يقبل منه النهار، وهو مطلع الشمس، وقيل لها " دبور " لأنها ضدها، أخذه من أقبل وأدبر، ولو جاز هذا في كلامهم وساغ في لغتهم أو كان مثله مسموعا منهم لساغ أن تسمى الشمال أيضاً قبولا؛ لأنها تقابل الجنوب، وأن تسمى الجنوب قبولا؛ لأنها تقابل الشمال. وما أظن أحداً يدعى هذا، ولا يستجيز أن يعارض بمثل هذه المعارضة، ولا أن يحد لغةً غير معروفة، وينسب إلى العرب ما لم تعلمه ولم تنطق به.
ومنها - وهي أولاها في فساد هذا التأويل -: أنه قال: " بين الصبا وقبولها ودبورها أثلاثا " وقوله " أثلاثا " يدلك أنه أراد ثلاث رياحٍ، وأنه توهم أ، القبول ريحٌ غير الصبا، وهذا واضح.
والجيد قول البحتري:
متروكةٌ للريح بين شمالهاوجنوبها ودبورها وقبولها
فجاء بالرياح الأربع.
وقال البحتري أيضاً:
شنئت الصبا إذ قيل وجهن قصدهاوعاديت من بين الرياح قبولها
فقوله " وجهن " يعني الحمول، والهاء في " قبولها " راجعةٌ إلى الرياح.
وهذا مما يوهمك أنه أراد ريحين، وإنما أراد
ريحاً بعينها، وسماها باسميها، فقال: شنئت الصبا، وعاديت القبول: أي أبغضت هذين الاسمين؛ لأن حمول الظاعنين توجهت نحوها، ولم يقل إن الحمول توجهن إلى وجهتين مختلفين.
وحكى ابن الأعرابي - أو حكى عنه - أنه قال: القبول كل ريحٍ طيبة المس لينة، لا أذى فيها، سميت قبولا لأن النفس تقبلها، وأظن الأخطل - إن كانت الرواية صحيحة - لهذا قال:
فإن تبخل سدوس بدرهميهافإن الريح طيبةٌ قبول
أي: طيبة لا تمنعنا الانصراف والسير، وهذه لبست من الريح التي ذكرها أبو تمام في شيء؛ لأن هذه على هذا الوصف: قد تكون الشمال، وتكون الجنوب، وتكون الصبا، وذلك إنما أراد ريحاً بعينها؛ لأنه قال: " بين الصبا وقبولها " فجعلها مضافة إليها، كما لو قال " بين الشمال وجنوبها " لأنهما ريحان معروفتان، وهما أختان مختلفتان تعتقبان، وكذلك لو قال " بين الصبا ودبورها " وكذلك لو قال " بين القبول ودبورها " أو " بين القبول وشمالها " فإذا ذكرت القبول مع هذه الرياح المعروفة كانت هي الصبا، وليس هذا موضع القبول التي هي الريح اللينة المس الطيبة على ما ذكر؛ لأنه وصف مجهول، ويجوز أن يكون لكل ريح ولا يقع في هذا الموضع؛ لأنك إذا عنيتها بقولك " قد هبت الصبا وقبولها " لم يدر أي ريح هي؛ فما معنى إضافتها إلى الريح المعروفة التي هي إذا لان مسها جاز أن تسمى بذلك الاسم؟ خذا خلفٌ من القول إذا قيل.
وأيضاً إن أبا تمام إنما أراد أن هذه الرياح عفت هذه الديار، وذهبت بها؛ فما وجه ذكره لريح طيبة لينة المس مع الدبور؟ هذا محال أن يكون أراده، كيف والديار يدعى لها بهبوب الرياح اللينة الضعيفة لئلا تعفوها؟ ألا ترى قول أبي تمام:
أرسى بناديك الندى وتنفستنفسا بعقوتك الرياح ضعيفا
وقال البحتري:
وإذا هبت الرياح نسيماًفعلى ربع دارها والجناب
فشرط أن تكون الرياح نسيما، وقال:
راحت لأربعك الرياح مريضةًوأصاب مغناك الغمام الصيب
فشرط أن تكون الرياح مريضةً؛ لئلا تعفوها وتمحوها.
فإن قيل: فلعله أراد " بين الصبا وقبولها " أي: بين الصبا سهلها ولينها، ولا يكون يريد بالقبول اسمها المعروف، وإنما يريد الاسم الذي يقع للريح اللينة المس، فكأنه قال " بين القبول وقبولها " كما يقال: " جاءنا عباسٌ وعباسه " أي: ووجهه العباس، و " أتانا الضحاك وضحاكه " أي: ووجهه الضحاك؛ لأن التعبيس والضحك في الوجه، و " فتنتنا حوراء بحوارئها " أي: بعينها الحوراء.
قيل: هذا كله لفظ سائغ مستقيم، غير أنا ما سمعنا مثل هذا في الريح، ولا علمناه في اللغة، ولا وجدنا في الشعراء أحداً قال: " الصبا وقبولها "، ولا " الجنوب وقبولها " ولا " الشمال وقبولها " أي: سهلها ولينها، ولو أراد الطائي ذلك كان أيضاً مخطئاً؛ لأن الريح لينها وشديدها ريحٌ واحدة، وقد قال أبو تمام " أثلاثا " فدل على أنه أراد ثلاث رياح، وإن
كان أراد ريحاً أخرى غير الصبا فقد قدمت القول في أن ذلك غير سائغ ولا مستقيم، وقد استقصى أصحاب الأنواء في كتبهم ذكر الرياح وأصوافها ونعوتها، واستشهدوا بأكثر ما سمعوه من أشعار العرب فيها، وبالغ أبو حنيفة الدينورى في ذلك؛ فما منهم أحد ذكر أن القبول غير الصبا، وإنما قال ابن الأعرابي في نوادره: إن العرب تسمى كل ريح طيبةٍ لينة المس قبولاً، قال الأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميهافإن الريح طيبةٌ قبول
فإنما أراد الصبا؛ لأنها ريحٌ محبوبة تنسب إلى الطيب، وهي دائمة الهبوب لينة المس معتدلة في أكثر أوقاتها: أي فإن منعت سدوس نائلها فإن الريح طيبة قبول، أي: هي صباً ما تمنعنا من الانصراف والرحيل؛ فإن كان ما ذكره ابن الأعرابي صحيحاً - وهو الصحيح إن شاؤ الله - فإنهم إنما قالوا لكل ريح طيبة لينة قبول تشبيها لها بالصبا، كأنهم إن هبت شمالٌ لينة، قالوا: هذه الصبا، أو هذه القبول، أي: كالصبا أو كالقبول، فأسقطوا حرف التشبيه، وجعلوا المشبه في مكان المشبه به، كما تقول إذا شممت أترجةً طيبة العرف: هذه المسك، أو كالمسك، وإذا رأيت وجهاً حميلا قلت: هذا هو البدر، وإن شئت كان المعنى: هذه المسك حقا، وهذا هو البدر يقينا، ولوهبت شمال شديدة مزعجة حتى تقول: هذه هي الدبور بعينها - لكان هذا من أسوغ
كلام وأصحه، فإن كانت العرب سمت الشمال والجنوب - إذا هبتا هبوباً سهلا ليناً - قبولا فإنما شبهوها بالصبا وأعاروها اسمها. وإنما قيل لها قبول لأنها تأتي من مطلع الشمس، وهو الموضع الذي يقبل منه النهار، وقيل للدبور دبوراً لأنها تهب من حيث يدبر، وقد قيل غير ذلك، وهذا هو الصحيح. وحكى بعضهم عن النضر بن شميل أنه قال: القبول ريحٌ تلى الصبا ما بينها وبين الجنوب، وهذا غير معروف ولا معول عليه، وقد ذكر بعضهم أن قوما شموا الشمال قبولاً، قال: وليس ذلك بثبت، ولا معول عليه إلا أن يكون قاله على هذا الوجه الذي ذكرته على التشبيه. والله أعلم.
وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ولا تذكر في محو الديار القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس مع الدبور التي لا تكاد تهب، فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة.
ولو قال آخر ممن لا تمييز معه: أراد بين الصبا وقبولها، أي: الريح التي قبلتها، كأنها قابلتها فقبلتها فهي قبولها، يعني ريحاً من الرياح، كما يقال: فاخرته ففخرته، وخاصمته فخصمته.
قيل: هذا خطأ من وجوه: منها أن الريح التي تقابل الصبا مقابلة صحيحة هي الدبور، وقد ذكرت في البيت الأول؛ فلا يجوز أن يرددها؛ ومنها: أنك لا تقول قابلت زيداً فقبلته، مثل فاخرته ففخرته؛ لأنك إذا قابلته فقد صرت قابلته وصار قبالتك؛ فليس أحدكما في هذا بأفضل من آخر، وذلك مثل قولك: واجهته، وآزيته، وساويته، وحاذيته؛ لأنك في هذه الأفعال مثله وهو مثلك؛ فلا يجوز أن تقول فيه: فعلته: أي غلبته؛ ومنها: أنك إذا قلت " زيد ضاربٌ عمراً، وضروب عمرو، وقاتلٌ بكراً، وقتول بكرٍ " لم تدل على أنه كانت هناك مضاربة بينهما ومقاتلة؛ لأنه يجوز أن يكون الضرب وقع من أحدهما ولم يقع من الآخر. ولذلك أصل؛ فلذلك لا يدل قوله " قبولها " على أنه كانت هناك مقابلة، كما لا يدل قولك " زيد ضارب عمرو " على أنه كانت مضاربة بينهما حتى غلب زيد عمراً بالضرب، وإذا لم يكن على الشيء دليل لم تقم به حجة.
ومن خطائه قوله:
وصنيعةٍ لك ثيبٍ أهديتهاوهي الكعاب لعائذ بك مصرم
حلت محل البكر من معطى، وقدزفت من المعطى زفاف الأيم
غلطه وقع في البتين جميعاًن وقالوا: أراد بقوله " وصنيعة لك " أي: للممدوح " ثيب " أي: قد افترعت " أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم " أي: قليل المال، وجاء بالكعاب على أنها تقوم مقام البكر ليجعلها في البيت ضد الثيب فتصبح له القسمة: أي هذه الصنيعة ثيبٌ عندك: أي قد اصطنعت مثلها مراراً، وهي الكعاب - يريد البكر - عند هذا العائذ بك؛ لأنها أول ما اصطنعته إليه أو لأنها أكبر صنيعة صنعتها عنده.
قالوا: والكعاب هي التي كعب ثديها، وقد تكون بكراً، وتكون ثيباً، فليست ضد اً للثيب في البيت، ولا تصح بها قسمته؛ لأن اسم الكعاب لا يزول عنها إذا افترعت حتى ينهد ثديها ويرتفع.
قالوا: واعتمد أن يشرح هذا المعنى في البيت الثاني فقال:
حلت محل البكر من معطى،
وذلك معنى قوله: " وهي الكعاب لعائذ بك " ثم قال: " زفت من المعطى زفاف الأيم "، وهو يريد معنى قوله: " وصنيعة لك ثيب " على أن الأيم هي الثب.
وقالوا: هذا خطأح لأن الأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله ﷿: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " أفتراه قال أنكحوا الثيبات من النساء دون الأبكار؟ إنما أراد تبارك اسمه أنكحوا النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ فالثيب والبكر والصغيرة والكبيرة ممن لا زوج لها تدخل في الآية، قال الشماخ:
يقر بعيني أن أحدث أنهاوإن لم أنلها أيمٌ لم تزوج
وهذا هو المعروف في كلامهم.
وهذا الذي ذكروه من غلطه في الأيم هو كما ذكروه، فأما ما ادعوه في البيت الأول من الغلط في الكعاب بأن أقامها مقام البكر فليس ذلك بغلط، والمعنى صحيح، وقد جاء مثله في أشعار العرب، قال قدامة بن ضرار الحنفى:
غداة خطبنا البيض بالبيض عنوةًوأبن إلينا ثيباتٍ وكعبا
أراد بالكعب الأبكار،
وقال جرير يهجو امرأة:
وقد حملت ثمانية وتمتلتاسعة وتحسبها كعابا
فأقام الكعاب مقام البكر، وجعلها ضد الثيب، ومثله في كلامهم كثير موجود، فعلوا ذلك - وإن كان الكاعب قد تكون بكراً وتكون ثيباً - لأن أول أحوال الكواعب أن يكن قد ناهزن حد البلوغ، وبدت ثديهن بالتكعيب؛ فهن في هذه الحال أكثر ما يكن أبكاراً وغير ذات أزواج، قال عمرو ابن معد يكرب:
تركوا السوام لنا وكل خريدةٍبيضاء خرعبة وأخرى ثيب
فأقام الخريدة مقام البكر، وجعلها ضد الثيب في البيت، والخريدة الدرة، والخريدة هي الحيية حكى اللحيانى قال: سمعنا أعرابياً من كلب يقول الخريدة الدرة التي لم تثقب وهي من النساء البكر، والخرعبة: اللينة المفاصب الطويلة، هذه قد تكون بكرا، وقد تكون ثيباً، إلا أنه جعلها بكراً؛ لأن الحياء أكثر ما يكون في الأبكار.
فقد صح معنى بيت أبي تمام الأول ف يالكعاب، وبقى الغلط قائماً في الأيم، وجعلها في البيت الثاني ضد البكر.
فإن قيل: فلم لا يكون لأبي تمام إقامة الأيم في البيت الأول مقام الثيب؛ إذ كانت الأيم قد تكون ثيبا، كما أقمت الكعاب في البيت الثاني مقام البكر؛ إذ كانت الكعاب قد تكون بكراً، وتتجاوز له في هذا كما تجاوزت لبه في تلك؟ قيل: لفظة كعاب تدل بصيغتها على صغر السن كما عرفتك؛ فهي في الأكثر تكون بكراً غير مفترعة؛ فلذلك استحسنوا أن أقاموا الكعاب مقام البكر، ولفظة أيم لا تدل على حد في السن: من صغر، ولا كبر، ولا على بكورة، ولا افترع؛ فلا تجوز إقامتها مقام الثيب بحال، وقد غلط في الأيم بعض كبار الفهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديثٍ روى عن النبي ﷺ فإنه لحقه السهو في تأويله فحمله على غير معناه؛ فلعل أبا تمام من هذا الوجه قد لحقه الغلط.
وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر، فقال - وقد ذكر صنيعةً أيضاً -:
وليست بالعوان العنس عنديولا هي منك بالبكر الكعاب
والعوان: هي التي بين المسنة والصغيرة السن، وهي التي قد عرفت الأمور، وجرت عليها التجربة؛ فلذلك قيل: العوان لا تعلم الخمرة، ومنه قيل: حربٌ عوا، وهي التي قوتل فيها مرةً بعد مرةٍ، وإنما استعير لها اسم المرأة في هذه الحال، كما قال الشاعر:
الحرب أول ما تكون فتيةٌ
فاستعار لها أول ما تبدأ وتنشأ اسم الفتاة، وأراد أبو تمام أن هذه الصنيعة ليست بالعوان عندي: أي ليست صنيعةً قد تقدمتها لك لدى صنائع تشبهها لبعظمها وجلالها، ولا هي بالبكر منك: أي ليست مع ذلك بكر صنائعك، بل قد أسديت كثيراً مثلها إلى غيري، وهذا هو المعنى الذي قصده في البيتين المتقدمين، إلا أنه جعل " العنس " هنا في موضع العانس كأنه أراد أن يقول: وليست بالعوان العانس عندي فغلط فقال العنس ولاعانس: هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى جاوزت حد الفتاة، والعنس: اسم من اسماء الناقة، وهي التي قد انتهت في شدتها وقوتها، فأين وصف الناقة من وصف المرأة؟
فإن قيل: إن أبا تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئاً من وجهٍ غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة - الثيب، وقيل: إنها التي كان لها زوج، وجرير قد أفصح أنها ذات الزوج في قوله:
وأعطوا كما أعطت عوانٌ حليهاأقرت لبعل بعد بعلٍ تراسله
فكيف يكون العانس وصفاً للعوان، ولاعانس هي التي حبست عن التزويج؟ قال عامر بن جوين الطائي:
ووالله ما أحببت حبك عانساًولا ثيباً لو أن ذاك أتاني
فجعلها ضد الثيب، والعنس أولى بأن تكون وصفاً للعوان من العانس، ويكونان جميعاً من أوصاف العوان؛ لأن العوان إذا أريد بها الناقة، وهي دون المسنة وفوق الفتية، فهي حينئذ الكاملة، والعنس: الناقة التي قد انتهت في قوتها، فهما صفتان متفقتان استعارهما الشاعر للصنيعة من أوصاف النوق، كما استعار البكر الكعاب من أوصاف النساء.
قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن ويتصل به، فيكون في ذلك بيانٌ وإيضاح، أما العوان والبكر - وإن كان قد وصف بهما غير المرأة من البهائم وغير البهائم - فإن البكر في البيت لا تكون مستعارة إلا من أوصاف النساء، من أجل ما اقترن بها من لفظ الكعاب التي هي
مخصوصة بوصف الجارية التي قد كعب ثديها، فلا تكون العوان في صدر البيت من أوصاف النوق، والبكر في آخره من أوصاف النساء؛ فعلمنا أنه لم يرد بالعنس إلا العانس فغلط، كأنه أراد أن هذه الصنيعة ليست في حال ما هي عندي بالعوان العانس، ولا ف يحال ما هي عندك بالبكر الكعاب؛ لأن المرأة تكون كاعباً وبكراً في حال، وعواناً وعانساً ف يحال أخرى، فتنتقل في هذه الأوصاف، والعنس لا موضع لها ههنا.
وأما قوله " إنه لو أراد العانس كان مخطئاً؛ لأن العانس هي التي حبست عن التزويج حتى جازت حد الفتاة؛ فلا تكون وصفاً للعوان؛ لأن العوان عند أهل اللغة الثيب " فيقال: إنه إنما كان يسوغ لك هذا التأويل لو زال اسم العنوس عن المرأة إذا تزوجت، فأما وهو باقٍ عليها بعد التزويج الذي صارت به ثيباً فلم لا يكون وصفاً للعوان التي هي أيضاً ثيب عندك، ألا ترى إلى قول كثير:
فإن طلابي عانس أم ولدةلمما تمنيني النفوس الكواذب
فقال ((عانساً)) وجعلها أم ولدة.
فإن قال: فلعل أبا تمام لم يرد هذا وإنما أراد بالعنس مصدر عنست المرأة تعنس عنساً وعنوساً، فجعل المصدر - وهو عنوس - وصفاً للعوان مكان العانس، والمصادر قد تجعل أوصافاً في مكان أسماء الفعالين.
قيل له: المصدر المعروف في مصدر ((عنست المرأة)) وهو العنوس، ولم يسمع العنس، وعلى أن الأصمعى قد أنكر عنست مخففاً، وقال: إنما هو
عنست تعنس تعنيساً بالتشديد، حكى ذلك عنه يعقوب بن السكيت، وهب أن قد جاء العنس مصدر عنست فليس في كل موضوع يسوغ أن تكون المصادر أو صافاً، وإنما تكون أوصافاً على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم: إنما زيد دهره أكلٌ ونومٌ، وإنما عمرو أبداً قيامٌ وقعودٌ؛ فإن شئت كان المعنى إنما زيد ذوأ كل ونوم، وإنما عمرو ذو قيام وقعود فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه، أو تجعل زيداًنفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذلك كثير منهما، كما قالت الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرتفإنما هي إقبالٌ وإدبار
فجعلت الناقة هي الإدبار والإقبال لأن ذلك كثر منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف؛ فهذه طريقة الوصف بالمصادر، وإذا تأولت بالعنس المصدر في قوله " وليست بالعوان العنس " كان ذلك كقولك: ليست هند بالصبية الصغر، تريد الصغيرة، ولا دعد بالهرمة الكبر، تريد الكبيرة؛ فهذا لا يسوغ في منطق ولا يعرف في لغة، ولكن قد تستعمل هذه المصادر وصفاً على نحو ماذكرته؛ فيقال هند الحسن كله، ودعد الجمال أجمعه، وزيد الهرم أقصاه، وعبد الله البغض نفسه، والتينة عينه، وإن شئت كان
المعنى هند صاحبة الحسن كله، ودعد ذات الجمال أجمعه، وزيد أخو الهرم، وعبد الله ذو التيه؛ فأقمت المضاف إليه مقام المضاف: كما قال الله ﷿: (وسأل القرية التي كنا فيها) يريد أهل القرية، وإن شئت جعلت هنداً هي الحسن، هي الجمال، على المبالغة، لما كانتا غايتين فيهما، وجعلت زيداً هو الهرم، وعبد الله هو التيه، لما كانا متناهيين في هذين الوصفين. ولو كان أبو تمام اقتصر على ذكر العوان والبكر - وهما اللفظتان اللتان استعارتهما الشعراء في هذا المعنى، ولم يخلط بهما العنس والكعاب والثيب والأيم - لكان قد سلك الطريق المستقيم، فأتى باللفظ المألوف المستعمل، وتخلص من فاحش الخطأ، وإنما أراد معنى قول الفرزدق:
وعند زيادٍ لو تريد عطاءهرجالٌ كثيرٌ قد ترى بهم فقرا
قعودٌ لدى الأبواب طالب حاجةٍعوان من الحاجات، أو حاجة بكرا
أي: منهم طالب حاجةٍ عوان: أي حاجة قد عرفها وصارت عادةً له ورسماً يتطلبه في كل حين، ومنهم طالب حاجة بكر: أي أول ما يلتمسه منه ويقترحه عنده، فأخب أبو تمام أن يزيد على هذا المعنى ويغرب، فأخرجه ذلك إلى الخطأ.
وقد أحسن محمد بن حازم الباهلي في قوله:
أبا جعفرٍ يا بن الجحاجحة الغربدت حاجةٌ، والحر يأوى إلى الحر
وقد لبستني منك بالأمس نعمةٌفهل لك في أخرى عوانٍ إلى بكر
على أنها إن أمكنت أو تعذرتفإنك بين الشكر مني والعذر
فهذه طريقة الشعراء في العوان والبكر.
ومن خطائه قوله:
الود للقربى، ولكن عرفهللأبعد الأوطان دون الأقرب
لأنه نقص الممدوح مرتبةً من الفضل، وجعل وده لذوى قرابته، ومنعهم عرفه، وجعله في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له ف يهذا عذراً يتوجه.
وقد عارضني في معنى هذا البيت غير واحدٍ ممن ينتحل نصرة أبي تمام.
فقال بعضهم: إن العرف ما يتبرع به الإنسان؛ فلذلك جعله في الأباعد، فأما الأقارب فإن برهم وصلتهم من الحقوق الواجبة اللازمة.
قلت: إن كنت تريد الحقوق التي تلزم وتجب من طريق الحكم فإن ذلك إنما هو للآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، والأعمام والأخوال، والإخوة والأخوات إذا كانوا فقراء محتاجين؛ فيجب لهم من الإنفاق عليهم بقدر القوت والكفاية، وهذا لا يخرج أن يسمى معروفاً، ألا تراهم يقولون: أنل أباك من معروفك، أو أنل أمك من معروفك؛ فلا يكون هذا قبيحاً، بل حقاً، وقال الله ﷿ فيما فرض على الرجال للنساء: " وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، فقد صار الفرض ههنا معروفاً؛ لأن المعروف هو الحسن الجميل من
القول والفعل الذي قد عرفت المصلحة فيه؛ فصار معهوداً معتاداً إذاأورد لم تنفر النفوس منه فتنكره، وهذا لا يكون الإنسان محموداً به إذا أعطاه هذه الطبقة من أهله حتى يمدح بفعله ويفتخر له به، بل يكون مذموماً إذا اقتصر عليه ولم يتجاوزه إلى التوسعة عليهم، والإغناء لهم، إن كان من ذلك ممكناً وعليه مقتدراً، فما بال غير هؤلاء من الأقارب ممن ليس له حق من طريق الحكم، وهم بنو الأعمام الذين هم الأعضاد والعدة، وبهم تكون النصرة، وكذلك بنو الأخوات وبنو الأخوال لم يجعل المعروف - الذي هو تبرع - في الأباعد دونهم ويخرجون منه.
وإن أردت الحقوق التي يلزمها الإنسان نفسه تكرماً وتفضلاً فذلك حقيقة العرف الذي يتبرع المرء به، ويحمد عليه، ويمدح بفعله إياه، وإعطتئه له، ويذم إذا منعه. والأقارب على الاختلاف في طبقاتهم وأنسابهم أولى به من الأباعد؛ فمن جعله في الأباعد دونهم فذلك منه غاية اللؤم، ونهاية العقوق، وعين الحمق، وإن وصفه واصفٌ به فقد بالغ في ذمه، وتناهى في هجائه.
وقال آخر: قوله " الو للقربى " قد جمع لهم الود والعرف وغيره؛ لأن الود يشتمل على ذلك كله، والعرف الذي خص به الأبعدين لا يجمع الوداد؛ إذ ليس كل من أسديت إليه معروفاً فقد وددته، فقد أعطى ذوى القربى أكثر مما أعطى الأبعدين.
فقلت له: وليس كل من وددته أيضاً فقد أسديت إليه نائلا ولا معروفا، ولا يتضمن لفظ الود غير المحبة فقط، وعلى أن قوله " دون الأقرب " توكيد يوجب إخراج الأقارب عن العرف، وتخليصه للأبعدين، فما معنى هذا التأويل الذي تأولته؟ فأقام على أن الود يجمع العرف والصلة، وهذا غير معروف، ولا موجود في كلام الناس، وقد قال المقنع الكندي:
فإن الذي بيني وبين بني أبيوبين بني عمي لمختلفٌ جدا
إذا جمعوا صرمى معاً وقطيعتيجمعت لهم مني مع الصلة الودا
فأفصح هذا بأنه يجمع لهم بين الصلة والود وقال البحتري:
مودةٌ وعطاءٌ منك نلتهماورب معطى نوال غير مودود
فقال " مودة وعطاء منك نلتهما " فلو كانت المودة لا تكون إلا ومعها عطاء لم يكن لهذا القول معنى، وكذلك البيت قبله، وقال " رب معطى نوال غير مودود " ورب مودود غير معطى نوال، ألا ترى إلى قول الأعشى:
بانت وقد أسأرت في النفس حاجتهابعد ائتلافٍ، وخير الود ما نفعا
فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام:
قراني اللهى والود حتى كأنماأفاد الغنى من نائلي وفوائدي
وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة فقد ناقض إذاً هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من المناقضة.
فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب.
فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا لزيد، والمال لعمرو مفرداً دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ويفرد عمراً به دون زيد آخراً؟ وهذا أقبح ما يكون من
المناقضة. وإنما كان يصح هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد أخرج عمراً من الود إخراجا مؤكداً بقوله " دون الود "، فأما الكلام الأول فمتناقض، كما عرفتك.
وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون الأقرب، وما ظننت أن أحداً يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى مثل هذا الاحتجاج.
ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ليس كل من وددته فقد أنلت معروفاً؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال " نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء يقترن بها.
وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود.
قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم.
وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل
فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلطٍ ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهماً وهو يريد غرضاً فأصاب به عين رجلٍ فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس.
وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده.
قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان مجيئه أو قبله.
وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلاً عن الأقرب أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهبٌ للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرصٍ من شعير دون ما سواه، أي فضلاً عما سواه، وهذا مذهبٌ صحيح معروف.
قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأولٌ لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه
حقيقة معنى هذا اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها دع، كقول كثير:
بسطت لباغي العرف كفا بسيطةًتنال العدى، بله الصديق، فضولها
أى: تنال العدى فدع الصديق، أى: لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى الصديق، و " دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه.
قال: فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله ﷿: (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها) ذكر أن معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و " دون " قد تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " أى: فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام مثل وراء، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى: أمام عرفه فى الأقرب أى: قبله.
قلت له: أما ما قيل فىقوله ﷿ (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان: أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون المعنى أنه ﷿ لا يستحى أن يضرب
مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية الصغر الى ما هو فوقه أى: ما زاد عليه وتجاوز (هـ) والوجه الآخر: (أن يكون (فما فوقها) بمعنى) فما فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم.
وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة "، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتيلزوم العصي تحنى عليها الأصابع
بمعنى أليس أمامي؛ لأنه قال ذلك قبل أن يرى ويشاهد نفسه وقد لزم العصاء وقد قال الله ﷿: " وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ غصبا " قالوا: إنه كان أمامهم، وصلح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه.
فقد وضح لك الآن معنى " دون " وأنها لا تخرج عن بابها الذي وضعت له، ألا ترى أنك تقول: نزلت في القرية دون النخل؛ فيجوز أن تكون القرية أمام النخل، وخلفه، وأن يكون المعنى أنك أفردت القرية بنزولك، ولم تعرج على النخل، وكذلك " لقيت زيداً دون عمرو " و " أكلت السمك دون اللبن " أخرجت عمراً من لقائك، واللبن من أكلك، وكذلك قول الطائي " دون الأقرب " قد أخرجهم من العرف، وهذا لا شيء أوضح منه.
وقد حمل بعضهم نفسه على أن قال: " إنما " أراد الطائي " لكن عرفه في الأبعد الأوطان دون عرفه في الأقرب " وهذا من أفحش الخطأ؛ لأن قوله: " دون الأقرب " مثل قولك: " ودى لزيد دون عمرو "؛ فليس معناه كمعنى قولك: ودى لزيد دون ودى لعمرو؛ لأنك في الأول قد أخرجت عمراً من الود وأفردت زيداً به، وفي الثاني جعلت
الود لزيد دون الود لعمرو، أي: أقل منه؛ فهذا معنى وذاك معنى آخر.
وأيضاً فلو اعتمد أبو تمام هذا المعنى لكان قد أخرج " لكن " التي إنما تدخل للأستدراك من أن يكون استدرك بها شيئاً؛ فلا يكون لها في البيت معنى البتة.
وقال آخر ممن يلتمس العذر لأبي تمام: إنما هذا على طريق الإيثار كما يؤثر الإنسان على نفسه، فكذلك يؤثر على أقاربه.
قيل له: الإثار على النفس حسنٌ جداً، وصاحبه ممدوحٌ، كما قال الله ﷿: " ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصةٌ " وكما قال أبو خراشٍ الهذلي:
أرد شجاع الجوع قد تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطعم
وكما قال عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍوأحسو قراح الماء والماء بارد
والإيثار إنما يكون إيثاراً ويقع الحمد به إذا آثر الإنسان غيره على نفسه أو على ولده، وفي بعض الأحوال فأما إذا آثر بعض الطالبين على بعض بغير سبب يعلم فهو بذلك مذموم وغير ممدوح، فكيف إذا آثر البعيد على القريب؟
وقد جاء في أشعار العرب من الحث على بر الأقارب ومن حمد من وصلهم وذم من حرمهم ما هو أشهر وأكثر من أن يخفى؛ قال زهير:
وليس مانع ذى قربى وذى رحمٍيوماً، ولا معدماً من خابطٍ ورقا
وقال أبو دواد الإيادي:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهمفرش واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال حاتم الطائي:
لا تعذليني على مالٍ وصلت بهرحماً قريباً؛ فخير المال ما وصلا
وقال أوس بن حجر:
أليس بوهابٍ مفيدٍ ومتلفٍوصولٍ لذى قربى هضيم لمهتضم؟
وقال زهير:
وذى نسبٍ ناءٍ بعيدٍ وصلتهبمالٍ، وما يدري بأنك واصله
وقال كثير:
بسطت لباغي العرف كفاً بسيطةًتنال العدى بله الصديق فضولها
هذا المعنى أولى بالصواب من قول الطائي؛ لأنه أراد أن عرفه ينال العدى فضلا عن الصديق؛ لأن قوله " بله الصديق " أي: فدع الصديق لأنه لا يصل إلى العدى إلا بعد أن يصل إلى الصديق؛ قال كثير أيضاً:
لأهل الود والقربى عليهصنائع بثها برٌ وصول
وللفقراء عائدةٌ ورحمفلا يقصى الفقير ولا يعيل
ألا تراه بدأ بأهل وده وقرابته فجعل صنائعه فيهم، ثم ثنى بالفقراء فجعل لهم عائدة ورحما: أي رحمة؟ وقال كثير أيضاً:
ولم يبلغ الساعون في المجد سعيهولم يفضلوا إفضاله في الأقارب
جزتك الجوازي عن صديقك نضرةًوقربت من مأوى طريدٍ وراغب
وصاحب قوم معصم بك حقهوجار ابن ذى قربى وآخر جانب
رأيتك والمعروف منك سجيةٌتعم بخيرٍ كل جادٍ وغائب
جادٍ يقال: فلانٌ يجدو ويجتدى، أي: تعم بالمعروف من هو بحضرتك ومن هو غائب عنك؛ فجعل كثير كما ترى معروفه عموما في الأقارب وف يالأباعد إلى الحاضر والغائب. وقال ابن هرمة:
كم نائلٍ وصلاتٍ قد نفحت بهاونعمةٍ منك لا تحصى أياديها
عند الأقارب والأقصين نفعهمابيضٌ روائحها، تحدو غواديها
وقال كنانة بن عبد ياليل الثقفى:
صلاةٌ وتسبيحٌ وإعطاء نائلٍوذو رحمٍ تناله منك إصبع
يريد بقول إصبع معروف ونائل.
وقال إسماعيل بن يسار النسائي:
وإذا أصبت من النوافل رغبةًفامنح عشيرتك الأداني فضلها
وقال المسشيب بن علسٍ في منع الأقارب:
من الناس من يصل الأبعدينويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة الثقفي يذم فاعل ذلك:
من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتى الممات أقاربه
فإن يك خيرٌ، فالبعيد ينالهوإن يك شرٌ، فابن عمك صاحبه
فقد تراه كيف ذم على حرمان القريب.
وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية في نحو ذلك:
تمد إلى الأقصى بذديك كلهوأنت على الأدنى صرورٌ مجدد
وإنك لو أصلحت من أنت مفسدٌتوددك الأقصى الذي تتودد
الصرور: الضيق حلمة الثدي؛ والمجدد: الذي انقطع لبنه.
فهذه طريقة القوم في هذا، وهذا مذهب سائر الأمم.
وأما قول أبي تمام:
وربما عدلت كف الكريم عن القوم الحضور، ونالت معشراً غيبا
فليس هو من بيته الأول في شيء، وقد أدرك فيه الغرض، كأنه يعذر من فعل هذا: أي ربما اتفق أن يفعله من غير قصد أيضاً، وليس هذا بمحمود.
وقد ذهب البحتري إلى نحو ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
بل كان أقربهم من سيبه نسباًمن كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان أيضا قد دخل تحت الإساءة.
ونحو هذا قول البحتري أيضا:
إذا قسمه عدلاً: ففيكم نواله،وفي سر نبهان بن عمرو مآثره
وما عجبٌ أن تشهدوا الطعن دونهوما عشرتكم في نداه عشائره
فأي قسمة عدل ههنا: أن يجعل نداه في غير قومه، ويقتصر بهم على أن يحوزوا الفخر بمآثره؟ وإن كان قد دل بقوله " وما عشرتكم في نداه عشائره " على أنه لم يحرمهم نواله البتة.
والأحسن في هذا قوله:
فإن تنفرد عنا قشيرٌ بمجدهفلم تنفرد عنا بنائله الجزل
فأعطاهم المجد والنائل جميعا.
وشبيهٌ بهذا أو قريبٌ منه قوله:
عطاؤك ذا القربى جزيلٌ، وفوقهعطاؤك في أهل الشناءة والبعد
فقال " عطاؤك ذا القربى جزيل " ثم قال " وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة والبعد " فقوله " وفوقه " أي: أجزل منه، وقد يكون " فوقه " بمعنى زيادة عليه، والمعنى الأول بالبيت أليق.
والجيد في هذا البعيد من العيب قوله:
ظل فيها البعيد مثل القريب المجتبى والعدو مثل الصديق
يريد نعمته ولا أعرف لأبي تمام فيما قال عذراً يتوجه، ولا وجدت فيما تصفحته من أشعار العرب ما يجانسه إلا قول عامر بن صعصعة بن ثور الفقعسي:
لمن يزورك من أشرافنا لطفٌوذى القرابة إدناءٌ وتقريب
وأطن أبا تمام عثر به واستغر به فأخذ المعنى وزاد عليه زيادةً أخرجته إلى ذم الممدوح؛ لأن هذا الشاعر قال " لمن يزورك من أشارفنا لطفٌ " أي: بر، " ولذى القرابة إدناء وتقريب " ولم يقل إدناء وتقريب دون البر، كما قال أبو تمام؛ لأن البر واللطف إذا كانا للغريب الزائر، وكان الإدناء والتقريب في تلك الحال لذى القرابة - فقد يجوز أن يمنحه البر واللطف في حالٍ أخرى ووقت آخر، ولا يوصل البر إليه في وقت إيصاله إلى
الغريب، وهذا إن كان يقع في الأكثر فلا عيب على هذا الشاعر فيما قاله.
ولله در أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري إذ يقول في هذا المعنى:
ما إن يزال الندى يدنى إليه يداًممتاحةً من بعيد الدار والرحم
وقوله:
وما أضعت الحق في أجنبفكيف تنسى واجباً في شقيق؟
ومن خطائه قوله:
يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعاًمن راحتيك درى ما الصاب والعسل
لفظ هذا البيت مبنيٌ على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ فكأنه أراد بقوله " يدي لمن شاء رهن " أي: أصافحه وأبايعه معاقدةً أو مراهنة إن كان من لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف " إن " التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف " من " وهي الاسم الذي صلته " لم يذق " فاختل البيت، وأشكل معناه.
والحذف لعمري كثيرٌ في كلام العرب، إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة الكلام، قال الله ﷿: " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق
الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى "، أراد ﷿ أو لم يتفكروا فيعلموا " أنه ما خلق ذلك إلا بالحق، أو لم يتفكروا فيقولوا "، وأشياء هذا كثيرٌ.
ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ".
قال أبو عبيدة: العرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد، كأنه أراد فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وقوله ﷿: " إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وفي الشعر مثل هذا موجود، قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تأثميفضلها في حسبٍ وميسم
يريد أحدٌ يفضلها، فخذف " أحد "؛ لأن الكلام يدل عليه، ذكر ذلك سيبويه. وأنشد في باب الحذف:
وما الهدر إلا تارتان فمنهماأموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد فمنهما تارة أموت.
فإن تأول متأولٌ هذا البيت على ألفاظٍ أخر محذوفة غير اللفظ الذي ذكرته فالاختلال بعد قائم؛ لكثرة ما حذف منه، وسقوط الدليل عليه.
ومن خطائه قوله:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعديومحت كما محت وشائع من برد
جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئاً منها، وليس الأمر كذلك، إنما الوشائع غزلٌ من اللحمة ملفوفٌ يجره الناسج بين طاقات السدى عند النساجة قال ذو الرمة:
به ملعبٌ من معصفاتٍ نسجنهكنسج اليمانى برده بالوشائع
فأما قول كثير:
ديارٌ عفت من عزة الصيف بعدماتجدّ عليهن الوشيع المنمنما
فإنما أراد بالوشيع هنا سد به الخصائص بين الشيئين، وهو من وشائع الغزل مأخوذ، والمنمنم: مأخوذ من النمام، أي بعد ما كانت هذه الديار تجد بالوشيع، أي: يخصص به خيامها.
ومثل أبي تمام لا يسوغ له الغلط في مثل هذا؛ لأنه حضرى، إنما يسامح في ذلك البدوى الذي يريد الشئ ويلم يعاينه فيذكر غيره؛ لقلة خبره بالأشياء التي تكون بالأمصار.
وأما أبو تمام فليست هذه حاله، ما جهل هذا، ولكنه سامح نفسه فيه، ألا ترى إلى قوله في موضوع آخر يصف قصيدةً:
الجد والهزل في توشيع لحمتهاوالنبل والسحف والأشجان والطرب
فقال ((في توشي لحمتها)).
ومن خطائه قوله:
لو كان في عاجل من آجل بدللكان في وعده من رفده بدل
ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل إيثاره وتقديمه على الآجل، ألا ترى قول الذي قول القائل الذي قد صار مثلا: والنفس ملوعة بحب العاجل والعاجل أبداً هو المطلوب والمرغوب فيه، حتى إن قليلة يؤثر على كثير الأجل، كام قال الآخر:
أعذل عاجل ما أشتهىأحب من الأكثر الرائث
كأنه يريد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب من الأكثر المبطئ؛
فمن شأن العاجل أبدا أن يكون أفضل الأعواض والأبدال من كل آجل إذا كان في خير، فعلجل الخير من آجله، كما أن عاجل الشر شر من آجلهن لأن العاجل شئ قد وقع: إن كان خيراً فقد حصل نفعه، أو شراً فقد تجعل ضرره، آجل الخير يخشى فؤته، وربما وقع الإخفاق منه، كما أن آجل الشر يرجى زواله، وربما لم يقع، فكيف لا يكون العجل بدلاً أو خلفاً من الآجل؟ فإن قال قائل: إن الذي أراد أبو تمام وقاله صحيح، ومذهبه فيه مستقيم؛ لأن العاجل لا يكون أبداً بدلاً ولا خلفاً من الآجل؛ لأن البدل لا يكون قبل المبدل منه، ولا الخلف يتقدم على ما هو الخلف له؛ لأنه إنما قيل له خلف لإتانه خلف الذي هو قدامه؛ فأبو تمام إنما أنكر أن يكون العاجل بدلاً أو خلفاً من الآجل على هذه السبيل.
قيل: هذا غلط من التأويل أو مغالطة؛ لأنه ليس على هذا الوجه منع أبو تمام من أن يكون العاجل بدلاً من الآجل؛ فيحتج بأن هذا أولى بالتقديم وهذا أولى بالتأخير من طريق الترتيب، وإنما أراد أنه لا يقوم في الحاجة إليه، فكيف يكون الأول مقام الثاني والمتقدم مقام المتأخر؟ وكان وجه الكلام الذي يصح به المعنى ويستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعلٍ لكان في وعده من رفده بدل فإن قال: فهذا هو الذي أبو تمام.
قيل: ليس الأمر كذلك لأن طريقة لفظه في البيت أن يكون معناه لوكان فيشيء عاجل من شىء آجل بدل.
وبعد؛ فلو أراد ما ظننته وذهبت إليه - وذلك ليس بمعلوم، ولا في البيت عليه دليل - لم يلتفت إلى إرادته؛ لأنك إذا فصلت الإضافة من عاجل قول أو آجل فعل ففرقت بين المضاف والمضاف إليه لم يدل أحدهما على الآخر؛ لأن لفظة ((عاجل)) لا تدل غير مضافةٍ على ما تدل عليه لفظة " عاجل قولٍ " كما أن لفظة " آجل " لا تدل على " آجل فعلٍ " ولا يدلان أيضاً على شيء مضمر، كما أن قولك: " زيد أول ناطقٍ وآخر ساكتٍ، وعمرو أول خارج وآخر قادمٍ، وبكر أول آخذٍ وآخر تارك " إذا أفردت " أول " و " آخر " لم يدلا على شيء مما أضيف إليه. ألا ترى أن الأصمعي أنكر على ذى الرمة قوله يصف الوتر:
كأنه في نياط القوس حلقوم
فقال: حلقوم ماذا؟ إذ كان يجب أن يقول: حلقوم طائر، أو حلقوم قطاةٍ، أو غيرهما مما يشبه الوتر في الدقة، وإلا فقد يكون الحلقوم حلقوم فيل، أو حلقوم بعير، وهذا من الأصمعي إنكارٌ صحيحٌ، وإن كان لا يلزم
ذا الرمة فيه ما يلزم أبا تمام؛ لأن العرب لا تشبه الوتر إلا بحلقوم الطائر.
وذلك قول الراجز:
لأم ممر مثل حلقوم النغر
أخذه أبو نواسٍ فقال:
لأم كحلقوم النغر
وقال الراجز: لأم كحلقوم القطاة تغترف وأبو تمام إنما أراد أن هذا الممدوح يقيم وعده لصحته مقام عطيته، وأحب الإغراق على رسمه فأخطأ في تمثيل ما مثل بذكر العاجل والآجل؛ لأنه أطلق القوم عموماً لا يدل على الخصوص.
والجيد النادر في هذا قول البحتري:
لو قليلٌ كفى امرأ من كثيرٍلاكتفينا بقوله من فعاله
وأحسن الراعي في قوله:
ضافى العطية: راجيه وسائلهسيان، أفلح من يعطى ومن يعد
ومن خطائه قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدى من هذا وهذاك أطول
فجعل للدهر - وهو الزمان - عرضاً، وذلك محض المحال، وعلى أنه ما كانت به إليه حاجة؛ لأنه قد استوفى المعنى بقوله: " كطول الدهر " فأتى على العرض في المبالغة.
فإن قيل: فلم لا يكون سعةً ومجازا؟ قيل: هذه ألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، وهي بعيدة من المجاز؛ لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة، لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس: عشنا في خفض ودعة زماناً طويلا عريضاً، وما زلنا في رخاء ونعمةٍ الدهر الطويل العريض. وإنما أرادوا إتمامه وكماله واتساعه لهم بما أحبوه؛ لأنهم إذا وصفوا بالطول والعرض ماله طول وعرضٌ على الحقيقة فإنما يريدون تمامه وكماله وسعته، نحو قولهم: ثوبٌ طويل عريض، أي: تام واسع، وأرض طويلة عريضة، أي: تامة في الطول والسعة، وكذلك إا وصفوا ما ليس له طول ولا عرض على الحقيقة فإنما يريدون التمام والكمال، ألا ترى إلى قول الراعي:
أنت ابن فرعى قريشٍ لو تقاسمهافي المجد صار إليك العرض والطول
فاستعار للمجد ههنا الطول والعرض؛ لأنه أراد صار إليك المجد بتمامه وكماله،
وكذلك قول كثير:
بطاحيٌ له نسبٌ مصفىوأخلاقٌ لها عرضٌ وطول
أي: لها سعة وتمام وكمال في الفضائل والمحاسن، وكذلك قوله:
إذا ابتدر الناس المكارم بزهمعراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
أي بزهم منه أخلاقه وتمامها وكمالها ف يالفضل؛ لأن الأخلاق تمدح بالسعة وتذم بالضيق، إلا أن أكثر ما يأتي في كلامهم العرض المراد به السعة إذا جاء مفرداً عن الطول، نحو قولهم: فلان في نعمةٍ عريضة، وله جاهٌ عريض، وكما قال الله ﷿: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " أي: سعتها، وكما قال الله ﷿ في موضع آخر: " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريضٍ "، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يقطعن عرض الأرض غير لواغبٍوكأن بحريها لهن صحار
أي: يقطعن سعة الأرض، وكما قال الآخر:
سأجعل عرض الأرض بيني وبينهموأجعل بيتي في غنى وأعصر
وكما قال العجاج:
إذا تغشوا بعد أرصٍ أرضاحسبتهم زادوا عليها عرضا
أي: سعة وكثرة، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل أيضاً:
حتى إذا الريح خبت بالسفا خبباًعرض البلاد أشت الأمر واختلفا
أي: سعة البلاد؛ فهذا إذا جري على هذا اللفظ المستعمل حسن ولم يقبح، وإذا عدلت به عن هذه الطريقة وهذه الألفاظ المألوفة إلى ما يشبه الحقائق أو يقاربها كنت مخطئاً؛ لأنك إذا قلت: " مضى لنا في الخفض والدعة دهرٌ طويل كأن طوله كعرضه " لم يجز ذلك؛ لأن هذا على هذا الترتيب كأنه وصفٌ لأشياء مجسمة، كما قال الطائي:
بيمٍ كطول الدهر في عرض مثله
فكان بهذا اللفظ كأنه يذرع ثوياً أو يمسح أرضاً أو يصف بالاجتماع والتدوير رجلا، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
وكل يمانٍ طوله مثل عرضهفليس له أصلٌ ولا طرفان
فإن قيل: فإذا جعلت للزمان العرض الذي هو سعة على المجاز فلم
لا تجعل له العرض الذي هو خلاف الطول على المجاز؟
قيل له: العرض الذي هو خلاف الطول حقيقة، والزمان لا عرض له على الحقيقة، فكيف تكون الحقيقة مجازا؟ فإن قيل: فإن الزمان لا يوصف بالسعة، كما لا يوصف بالعرض، فلم استعرت له العرض الذي هو السعة؟ قيل: العرض - وإن جاء وصفاً وحلية للزمان في قولهم: عاش فلان في نعمة زمناً طويلاً عريضاً - فإنما صلح لأنك وصلته بالطول، وقرنته به، فكأن المعنى عاش في زمن تم له وكمل واتسع، كما أخبرتك، والزمان قد يوصف بالسعة فيقال: قد اتسع لك الوقت والزمان في فعل كذا، ولا يقال عرض لك في الوقت سعة، والعرض ههنا هو السعة، ولكن أجرى هذا على حسب ما استعملوه، وإنما يراد في الوقت فسحة لك وامتداد يراد به معنى الطول، وقال ضرار بن الخطاب:
ولولا هاجرٌ وبنو قتالوما لاقيت في الزمن العريض
فذكر العرض مفرداً عن الطول: أي الزمن الذي اتسع لك، وقد يجوز - إن قلت: عاش في الخير دهراً عريضاً - أن تريد بالعرض سعة الخير فيه، لا سعته في نفسه، كما قالوا " ليل نائم " أي: ينام
فيه، " ولمحٌ باصر " أي: يبصر به.
وإنما تستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويلييق به؛ لأن الكلام إنما هو مبنيٌ على الفائدة في حقيقته ومجازه، وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في النطق فلا وجه لاستعارتها، ولو كان الزمان يوصف بالعرض على الحقيقة - وهذا محال - لما كان في بيت أبي تمام معنى؛ لأنه إنما أراد أن يبالغ في طول وجده؛ إذ كان الوجد يوصف بالطول، كما يوصف به الشسوق والغرام ونحوهما؛ فيقال: طال وجدي، وطال شوقي، وطال غرامي.
وكذلك الزمان إنما يوصف بالطول؛ فيقال: طال ليلي، وطال نهاري، فما كانت حاجة إلى العرض؛ وإنما فضل وجده على الدر وعلى اليوم الذي جعله كالدهر من جهة الطول لا من جهة العرض، ألا تراه قال:
ووجدي من هذا وهذاك أطول
وقد ذكر أبو تمام العرض في بيت آخر فقال:
إن الثناء يسير عرضاً في الورىومحله في الطول فوق الأنجم
وكيف يعقل سير الثناء عرضاً في الورى وهو لم يحدد موضعاً بعينه فيحسن فيه ذكر الطول أو العرض، فيكون كما قال الراعي:
وجرى على حرب الصوى فطردتهطرد الوسيقة في السماوة طولا
فحسن أن يقول " طولا " لأنه ذكر السماوة، ودكما قال النابغة، ويقال: إنه محمول عليه:
جنيدبن مع الغطاط يقدن حتىقطعن الحزن عرضاً والرمالا
فصلح لأنه ذكر أنهن قطعن أرض الحزن والرمال؛ ومثل قول أب يتمام قول المرار:
فلو كانت تجوب الأرض عرضاًولكن جوبهن الأرض طولا
وله، ولبيت أب يتمام معنى غامض يصحان به، وأنا أذكره مع شرح المعاني الغامضة من شعر أبي تمام.
ومما يشبه قول أب يتمام:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
أو يقاربه قول الكميت يصف عدة قوم بالكثرة:
كالليل، لا، بل يضعفون عليه من بادٍ وحاضر
وكيف يتحصل مقدار الليل حتى يتحصل ضعفه؟؟ وهذا أيضاً يصح على السبر والتفتيش، إذا حصل معناه، وذلك أن الليل لا يغشى الأرض كلها بظلمته، وإنما يغشى بعضها، فلعل الكميت أراد أنهم يأخذون من
الأرض ضعف ما أخذه الليل منها إذا غشيها، على سبيل المبالغة، وكما قال الأحمر بن شجاع الكلبي:
بجأواء تعشى الناظرين كأنهادجى الليل، بل هي من دجى الليل أكثر
وقال أبو تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌكوسعه، لم يضق عن أهله بلد
وهذا أيضاً غلط؛ من أجل أن كل بلد يضيق بأهله، وليس شيقه من جهة ضيق الأرض؛ لأن الأرض لو كانت واسعةً عشرة أشعافها في المقدار، أو ألف ضعفٍ مثلها لما كان ذلك بموجب أن يكون الحزن أو الصمان أو الغول أو نجد أو المدينة أو مكة أو الكوفة أو البصرة، في قدر مساحة كل ناحية منها، أو أوسع وأزيد مما هي علمه الآن، إذ لم يختط البصرة ولاكوفة من اختطهما، ولا أسس مكة والمدينة من أسسهما على قدر سعة الأرض وضيقها، ولا صار قدر الحزن والصمان هذا القدر، في ذرعهما ومساحتهما
على قدر مساحة الأرض وذرعها بقسطٍ أخذاه منها، وإنما ذلك على حسب ما أدى إليه الاجتهاد والاختيار ممن أسس كل بلدة ومصر كل مصر.
وكان ينبغي أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعا الفلك ولضاقت عنها السماء، أو أن يقول: لو أن سعة كل بلد أو مصرٍ كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد، وكان حينئذ يكون المعنى لائقاً مستقيما.
والجيد الصحيح ف يهذا المعنى قول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم تكنليسلكها فرداً سليك المقانب
أي: لم يكن ليسلكه إلا بدليلٍ لسعته، وأيضاً فإن الجزء من الأرض وهو ما يكون فيه الحيوان والنبات، وإنما مقداره على ما يقوله أهل الهندسة الربع من الأرض أو أقل من الربع، والمسكون من جملة ذلك لعله لا يكون جزءاً من ألف جزء من ذلك؛ فما معنى جعله ضيق البلدان الضيقة إنما هو من أجل ضيق الأرض؟ فإن قيل: فإنما أراد بقوله " لو أن الأرض " أي لو أن البلدان واسعة.
قيل: لا يدل قوله " الأرض " وهو لفظ عمومٍ على البلدان التي هي
مخصوصة، ولا يكون الغلط إلا هكذا: أن يريد القائل لفظة تدل على معنى فيأتي بأخرى ليست فيها على ذلك المعنى دلالة.
ومن خطائه قوله:
وكلما أمست الأخطار بينهمهلكى تبين من أمسى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر مافي الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
فالأوضاح: هي البياض في الأطراف، وقد يكون أيضاً في البهم، وكذلك أيضاً الغرر قد توجد في البهم كثيرا، وهذا فساد في ترتيب البيت؛ لأنه ليس إذا وجدت شيات البهم - وهي صغار الغنم - أكثر ما في الخيل، أو وجدت شيات الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح والغرر، وإنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم، حتى تكون مخصوصة بالخيل؛ فيقول: لو لم تعدم الأوضاح والغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فأما أن توجد شيات البهم في الخيل كثيراً، أو شيات الخيل في البهم دائما، فليس هذا
بموجبٍ حمد الأوضاح والغرر في الخيل؛ لأن الأوضاح والغرر موجودة في الغنم أيضاً.
وقال طارق بن شهابٍ المازني يصف المعزى وتيس الغنم
وراحت أصيلاناً كأن ضروعهادلاءٌ، وفيها واتد القرن لبلب
له رعثاتٌ كالشنوف، وغرةٌشديخٌ، ولونٌ كالوذيلة مذهب
فذكر أن له غرة. قال آخر ف يوصف عنز سوداء:
سوداء إلا وضحاً في الشوىكأنما الجوزاء في الأكرع
فذكر بياض أكرعها، وذلك موضع التحجيل، بل لو قال: " لو لم تقل الأوضاح والغرر في البهم، لما حمدت في الخيل " لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنى أظنها ف يالبهم أقل، وف يالخيل أكثر، وليس في هذا البيت دليل عل هذا ولا ذاك.
ومن خطأ المديح قوله:
سأحمد نصراً ما حييت، وإننيلأعلم أن قد جل نصرٌ عن الحمد
فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أل سورةٍ بذكره، وحث عليه، وللعرب في ذكر الحمد ما هو كثير في كلامها وأشعارها، ما فيهم من رفع أحداً عن أن يحمد، ولا من استقل الحمد للممدوح، قال زهير بن أبي سلمى:
متصرف للحمد، معترفللرزء، نهاضٍ إلى الذكر
فقوله " متصرف للحمد " أي حيث ما رأى خلة تكسبه الحمد التمسها وطلبها.
وقال زهيراً أيضاً:
أليس بفياضٍ يداه غمامةٌثمال اليتامى في السنين محمد؟
فقوله " محمد " أي: يحمد كثيراً. وقال الأعشى:
ولكن على الحمد إنفاقهوقد يشتريه بأغلى الثمن
وقال أيضاً:
يشتري الحمد بأغلى سعيهواشتراء الحمد أدنى للربح
وقال أيضاً:
إليك أبيت اللعن كان كلالهاإلى الماجد الفرع الجواد محمد
فوصفه بأن جعله محمداً: أي يحمد كثيراً. وقال الآخر:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
فهذه هي الطريقة المعروفة في كلام العرب، ولو قال الطائي " لو جل أحد عن المدح لجللت عنه " كان أعذر، كما قال البحتري:
لو جل خلقٌ قط عن أكرومةٍتبنى جللت عن الندى والباس
أي: كنت تجل لعلو شأنك عن أن يقال: سخى، أو شجاع؛ إذ كان هذان الوصفان قد يوصف بهما من هو دونك.
وقال البحتري أيضاً:
واحمد أنفس ما تعوضه امرؤٌرزئ التلاد إن المرزأ عوضا
فأما قول البحتري:
كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ سرى مجده فعاب الثناء
ففوته الثناء إنما معناه عظم أن يدركه ويبلغ حده، ألا تراه قال " كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ " أي: لا طريق إلى كيفية الثناء الذي يستحقه ويليق به، ثم قال " سرى مجده فعاب الثناء " قطعاً من الكلام الأول.
ومن خطائه قوله:
ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهمثم ارعوبت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤهابالدمع أن تزداد طول وقود
وهذا ما خلف عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها؛ لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجه، ويعقب الحرارة، وهو في أشعارهم كثيرٌ موجود ينحى به هذا النحو من المعنى؛ فمن ذلك قول أمرئ قيس:
وإن شفائي عبرةٌ مراهقةٌفهل عند الرسم دارس ن معول؟
وقول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد، أو يشفى نجى البلابل
وقال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحةبه يشتفى من ظن أن لا تلاقيا
وهو كثير في أشعارهم، ما عدل به أحدٌ منهم عن هذا المعنى، وكذلك المتأخرون، هذا السبيل سلكوا، وأبو تمام من بينهم ركب هذا المعنى؛ وكرره في شعره متبعاً لمذاهب الناس؛ فمن ذلك قوله:
نثرت فريد مدامع لم تنظموالدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وقال في موضوع آخر:
واقعاً بالخدود، والحر منهواقعٌ بالقلوب والأكباد
وقال أيضاً:
فافزع إلى ذخر الشؤون وعذبهافالدمع يذهب بعض الجهد الجاهد
وقال أيضاً:
فلعل عينك أن تجود بمائهاوالدمع منه خاذل ومواس
وقال أيضاً:
فلعل عبرة ساعة أذريتهاتشفيك من إرباب وجد محول
فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت به العادة في وصف الدمع
لكان المذهب الصحيح المستقيم. ولكنه أحب الإغراب؛ فخرج إلى مالا يعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم.
وقد تبعه على الخطأ البحترى فقال:
فعلام فيض مدامع تدق الجوىوعذاب قلب في الحسان معذب
قوله: تدق الجوى من قولهم لم يدق الأرض منه شئ أي: لم يصل، وفي شعر امرئ القيس ما فيه مودقى أي: على أثرى. وأصله من الدنو، فكأنه قال تدق الجوى، يقال: أتان وديقٌ، أي: تدنو من الفحل، ومنه الوديقة الهاجرة؛ لدنو الحرن وقيل لقطر المطر ودٌٌ لا نحلا به من السحاب ودنوه من الأرض.
ومن خطائه قوله:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطىمن الأمر ما فيه رضا من له الأمر
فمعنى هل في هذا البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر
ذلك ويحققه، ويقتضى من المخاطب في الجواب الاعتراف به، نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ هل أودك وأوترك، وهل أقضى حاجتك؟ وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينبغي أن يكون قد وقع، نحو قوله: هل كان قط إليك شيء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟ فقوله في البيت " وهل أرضى " تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، وهو الرضا، كما يقول القائل: وهل يمكنني المقام على هذه الحال؟ أي: لا يمكنني، وهل يصبر الحر على الذل؟ وهل يروى زيد؟ أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفي؛ فقوله " وهل أرضى " إنما هو نفى للرضا، فصار المعنى ولست أرضي؛ إذ كان الذي يسخطني ما فيه رضا من له الأمر: أي رضا الله تعالى، وهذا خطأ منه فاحش.
فإن قال قائل: فلم لا يكون قوله " وهل أرضى " تقريراً على فعل هو في الحال ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟ ونحو قول الشاعر:
هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقاًوأبذل معروفي له دون منكري؟
قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه " هل أودك أهل أوثرك " وقوله " سل عني هل أصلح للخير " أو " هل أكتم السر " أو " هل أقنع بالميسور " مثل قول أبي تمام " هل رضيت، وهل أرضى " فإن صيغة
هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقول ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو بكشف العمىثلاث الأثافى والرسوم البلاقع
لأن الواو ههنا كأنها عطفت جواباً على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى الجميل، فقال آخر:
وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟
وكقول ذى الرمة:
أمنزلتي مى سلامٌ عليكماهل الأزمن اللائي مين رواجع؟
لما علم أن التسليم غير نافعٍ عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " وكما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ
ثم قال:
وهل عند ربعٍ دارسٍ من معول؟
وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي
" إنما معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن جهته إلى ضده.
فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " أي: قد أتى.
قيل: هذا إنما قاله قومٌ من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل اللغة جميعاً على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد " بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدوماً في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعةٌ من أهل العربية في قوله ﷿ " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت لفظ الماضي خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل [المستقبل وإذا وقعت على]
المستقبل؛ فسقط عنها أن تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و " هل " ليس فيها ذلك.
وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد أرضى؛ فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر، ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر الذي إيّاه قصد بالاستفهام؟ فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج الطويل.
وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد، وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، وادّعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته.
ومن خطائه قوله في البكاء على الديار:
دار أجل الهوى عن أن ألمّ بهافي الرّكب إلاّوعيني من منائحها
وهذا لفظ محال عن وجهه؛ لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن
أن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وأن غلطاً وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ.
ومن خطائه أيضاً في وصف الربع وساكنه قوله:
قد كنت معهوداً بأحسن ساكنٍثاوٍ وأحسن دمنةٍ ورسوم
والربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه، والواب قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماًوغدا الدهر فيك عندي ملوماً
وقال ارمؤ القيس:
وهل عند رسمٍ دارس من معول؟
فقال ذلك لأن الرسم يكون دارساً وغير دارس، وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفانورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
ومن خطائه أيضاً قوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميداوكفى على رزئي بذاك شهيدا
أراد وكفى بأنه مضى حميداً شاهداً على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أن مضى حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر.
فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه.
قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهرٌ عليه كيف يعلم ما مضى من حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهداً على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على القلب.
قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه.
فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو والضرورة؛ لأن كلام الله ﷿ يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، وقال ﷿: " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير لشديدٌ " أي: وإن
حبه للخير لشديد، ولهذا أشباهٌ كثيرة في القرآن.
قيل: هذا ليس بقلب، وإنما هو صحيح مستقيم، إنما أراد الله تعالى اسمه: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، أي: نميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره، وقالوا: إنما المعنى لتنيء العصبة، وقوله " وإنه لحب الخير لشديد " قيل: المعنى إنه لحب المال لشديد، والشدة: البخل، يقال " رجل شديدٌ وتشدد " أي: بخيل، يريد إنه لحب المال لبخيل متشدد، يريد إنه لحب المال: أي لأجل خبه المال يبخل، وقالوا في قوله ﷿: " ثم دنى فتدلى ": إنما كان تدليه عند دنوه واقترابه، وكما قال أبو النجم:
قبل دنوا الأفق من جوزائه
والجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا الأفق منها، وليس هذا من القلب المستكره، ومثله في الشعر كثير، قال الشاعر:
ومهمهٍ مغبرةٍ أرجاؤهكأن لون أرضه سماؤه
قوله " كأن لون أرضه سماؤه " أي: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وليس الأمر في ذلك بواجب؛ لأن أرضه وسماءه مضافان جميعاً إلى الهاء،
وهي كناية عن المهمة، فأيهما يشبه بصاحبه كانا فيه سواء، وإنما تغبر آفاق السماء من الجدب واحتباس القطر، وقال الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسكٌعلى رغمه ما أمسك الحبل حافره
قال: وكان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله، وكلاهما متقاربان؛ لأن الحبل إذا أمسك الحافر فإن الحافر أيضاً قد شغل الحبل.
فهذا كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر، ولا في القرآن، وهو ما جاء في كلامهم على سبيل الغلط، نحو قول خداش بن زهير:
وتركب خيلاً لا هوادة بينهاوتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
وإنما الضياطرة هي التي تشقى بالرماح، وكقول الآخر:
كانت فريضة ما تقول كماكان الزناء فريضة الرجم
وإنما الرجم فريضة الزناء، وكقول الفرزدق يصف ذئباً:
وأطلس عسال وما كان صاحباًرفعت لناري موهناً فأتاني
وإنما النار رفعها للذئب، وأنشده المبرد، وقال: القلب جائز للأختصار، إذا لم يدخل الكلام لبسٌ، كأنه يجيز ذلك للمتقدمين دون المتأخرين، وما علمت أحداً قال " للأختصار " غيره، فلو قال لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه، ويجوز أن يكون الفرزدق ف يهذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن، وأبو تمام وغيره من المتأخرين لا يسوغون مثل هذا وإنما أراد أبو تمام وكفى بما يظهر من تفجعي بهذا الرزء الذي رزئته شاهداً على أن الطلل مضى حميدا، قلت: وليس له أن يقلب في مثل هذا؛ لأنه القلب المستكره.
فإن قيل: إنه لم يرد القلب، وإنما أراد وكفى على رزئي بمحمود أمر الطلل شهيدا.
قيل: فبأي شيء أستشهد؟ وأين شهيده؟ ومن خطائه قوله في باب الفراق:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةًفلباه طل الدمع يجري ووابله
أراد أن الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخفف لاعج الشوق، ويطفئ حرارته. وهذا إنما هو نصرىٌ للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حربٌ للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه ويكسر منه حده، كما قال البحتري:
وبكاء الديار مما يرد الشوق ذكراً والحب نضواً ضئيلاً
قوله " يرد الشوق ذكراً " أي: يخففه وثلمه حتى يصير ذكراً لا يقلق ولا يزعج كإقلاق الشوق، وقوله " والحب نضوا " أي يصغره ويمحقه، كما قال جرير:
فلما التقى الحبان ألقيت العصىومات الهوى لما أصيبت مقاتله
فلو كان الدمع ناصراً للشوق لكان يقويه ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك، فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمٌ لتخفيفه عنه وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء.
وقد تبعه البحتري ف يهذا الخطأ فقال بنعى الديار التي وقف عليها:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمعتلاحقن في أعقاب وصلٍ تصر ما
ومن خطائه ف يمعنى الشوق قوله:
يكفيك شوقٌ بطيل ظماءهفإذا سقاه سم الأسود
فقوله شوق يطيل ظماءه غلط؛ لأن الشوق هو الظمأ نفسه، ألا ترى أنك تقول: أنا عطشان إلى رؤيتك، وظمآن، ومشتاق، بمعنى واحد، فكيف يكون الشوق هو المطيل للظمأ؟ وكيف يكون في الساقي، والمحبوب هو الذي يظمئ ويسقى، أو البعد أو الهجرة! لا الشوق، فكيف يكون الشوق يطيل شوقه؟ ومن خطائه قوله:
أمر التجلد بالتلدد حرقةٌأمرت جمود دموعه بسجوم
جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد، والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبته وتذهب به، فأما أن يجعله متلدداً فإن هذا من أحمق المعاني أولاها بالاستحالة، وأيضاً فأي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة وإن كان ليس بخطأ، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة أو نحو هذا، وأما الأمر فليس هذا موضعه
ولو كان قال:
أفنى التجلد بالتلدد حرقةأفنت جمود دموعه بسجوم
كان أولى بالصواب
ومن خطائه قوله:
من حرقة أطلقتها فرقةٌ أسرتقلباً، ومن عذل في نحرة غزل
قوله أطلقتها فرقة أي ثورتخا وأظهرتها، وإنما قال أطلقطها من أجل قوله أست قلباً ليطابق بين الإطلاق والأسر، وقوله أسرت قلباً يعنى الفرقة، وهو معنى ردئ؛ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب، لا الفراق، فإن لم يكن مأسوراً قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم حضر التوديع؟ وما كان وجه البكاء والاستهلاك والوجل الذي ذكره قبل البيت، والقصة الفظيعة التي وصف الحان فيها عند مفارقتهم؟ وماعلم أن للفراق لوعة صعبة ونار محرقة عند وروده وفجأته؛ فلا يسمى ذلك أسراً ذلك أسراً ولا علاقة! وإنما محنة تطرأ على أسير الحب،
وربما قتلته كما يقتل الأسير، والفراق إنما له ثم تبرد وناره، وتخمد وقتاً فوقتاً، حتى يدرس الحب.
فالفراق يفك أسر الحب، وينسى الخليل خليلة إذا امتد به زمان؛ ألا ترى إلى قول ذهير بن جناب الكلبى:
إذا ما شئت أن تشلى حبيباًفأكثر دونه عدد اليالى
فما أنسى خليلك مثل نأىوما أبلى جديدك كابتذال
وقول آخر:
ينسى الخليلان طول الناى بينهماوتلتقى طرق شتى فيأتلف
هذا هو المعنى الصحيح المعروف، وإن كان قد تقدم أبا تمام في هذا المعنى من تبعه، وحذا على حذوه، فالردئ لا يؤتم به. ولعله سمع معنى سائغاً حسناً فأفسده لسوء عبارته، وكثيراً ما يفعله هذا، زكلن ينبغي أن يقول: من حرقة بعتها فرقة أو أظهرتها فرقة جرحت قلباً، حتى يكون أسير الهوى قتيل الفراق.
فإن قيل: فلم لا يكون قوله أسرت قلباً للحرقة للفرقة؟ قيل: لا يكون ذلك؛ لأن الأسر إذا قبح أن يكون فعلا للفرقة
قبح أيضاً أن يكون فعلاً للحرقة؛ لأن الفرقة هي التي جلبت الحرقةن فشأنها كشأنها.
ومن خطائه قوله:
ما لامرئ خاص بحر الهوى عمرإلا وللبين فيه السهل والجلد
وهذا عندى خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة؛ لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه: عمر، كما لا يقال: ما لزيد رأس إلا وفيه شجة أو ضربة، وما له لسان إلا وهو ذرب أو فصيح، وكذلك لا يقال: ما له عمر إلا وهو قصير، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد، مثل أن تقول: ما له ضلعٌ إلا مكسورة؛ وما له يد إلا وفيها أثرٌ، ولا رجلٌ إلا وفيها حنف.
وليس قولهم " ماله عيش إلا منغص، ولا حياة إلا كدرة " مثل قولك: ما له عمر إلا قصير، ولو قتله؛ لأن عيش الإنسان ليس له مدة حياته بأسرها؛ لأنك قد تقول: كان عيشي بالعراق طيباً، وكانت حياتي بمكة لذيذة، وكان عيشي بالحجاز أطيب من عيشي باليمن،
ولا تقول: كان عمري؛ لأن العمر هو المدة بأسرها، والعيش والحياة ليسا كذلك؛ لأنهما يتبعضان.
فإن قيل: فأنت تقول " مالزيد رأس حسن، ولا أنف أشم، ولا لسان ذرب ".
قيل: إنما يصلح هذا من أجل النفي؛ لأنك إنما تريد ليس له رأس من الرؤوس الحسنة، ولا لسان من الألسن الذربة وإذا دخلت " إلا " ههنا فقد جعلت المنفى موجباً، وحقيقة؛ فإذا قلت " ليس لزيد رأس إلا حسن " فقد أوجبت له عدة رؤوس!! وهذا خطأ؛ وكذاك سبيل العمر.
وإن كان أراد بالعمر منزله الذي يتوطنه ويعمره، فذلك هو المعمر، وما علمت أن أحداً سماه عمراً إلا أن يكون دير النصاري فإنهم يسمونه عمراً، وما كان يمنعه أن يقول " وطن " مكان " عمر " لأن لفظهما ومعناما واحد، وقد يكون للأنسان عدة أوطان توطنها.
وقد ذكر العمر في موضع آخر من شعره، وهو يريد مدة الحياة؛ فقال:
إذا مارقٌ بالغدر جاوز عمرهفذاك حريٌ أن تئيم حلائله
أراد أنه إن جاور عمره - أي قاربه - بالغدر، فقد عرضه للزوال والنفاد،
وهذا من عويص ألفاظه، وما أراد بالبيت الأول إلا مدة الحياة؛ لأن ما قبل البيت وما بعده عليه يدل.
وقال في علي بن الجهم:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجدفغدا إذابة كل دمعٍ جامد
فافرغ إلى ذخر الشؤون وعذبهفالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخاً فلم تفقد لهدمعاً ولا صبراً فلست بفاقد
قوله " يذهب بعض جهد الجاهد " أي: بعض جهد الحزن الجاهد، أي الحزن الذي جهدك فهو الجاهد لك، ولو كان استقام له أن يقول " بعض جهد المجهود " لكان أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف.
وقد جاء أيضاً فاعل بمعنى مفعول؛ قالوا " عيشةٌ راضية " بمعنى مرضية، و " لمح باصرٌ " وإنما هو مبصرٌ فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل حال يقال، وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا يتعدى إلى غيره؛ فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله " فلم تفقد له دمعاً ولا صبراً " من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكياً، والباكي لا يكون صابراً، فقد نسق بلفظةٍ على لفظةٍ وهما
نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمين، ومعناه أنك إذا فقدت أخاً فأدام البكاء عليك فلست بفاقد. ولم يرد بفاقدٍ شخصه، وإنما أراد لست بفاقد وده ولا أخوته، وهو محصل لك غير مفقود وإن كان غائباً عنك، وإلى هذا ذهب، إلا أنه أفسده بذكر الصبر مع البكاء، وذلك خطأ ظاهر، ولو كان قال " فلم تفقد له دمعاً ولا جزعاً " أو " دمعاً ولا شوقاً ولا قلقاً " لكان المعنى مستقيما، وظننته قد قال غير هذا، وأن غلطاً وقع في كتابة البيت عند النقل، حتى رجعت إلى أصل أبي سعيد السكري وغيره من الأصول القديمة فلم أجد إلا " دمعاً ولا صبراً " وذلك غفلة منه عجيبة.
وقد لاح لي معنى أظنه - والله أعلم - إليه قصد، وهو أن يكون أراد إذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا - أي يواصل البكاء عليك - فلست بفاقده، على ما قدمت ذكره: أي فقد حصل لك وصار ذخراً من ذخائرك، وإن غاب عنك وغبت عنه، وإن لم تفقد له صبراً - أي وإن صبر عنك - فلست بفاقد؛ لأنه إن صبر وسلاك
فليس ذاك بأخ يعول عليه، فلست أيضاً بفاقده؛ لأنك لا تعتد به موجوداً ولا مفقوداً، ولكن ذهب على أبي تمام أن هذا غير جائز؛ لأنه وصف رجلا واحداً بالوصفين جميعاً، وهما متضادان، ولو كان جعلهما وصفين لرجلين فقال:
وإذا فقدت أخا لفقدك باكياأو صابراً جلداً فلست بفاقد
أي: لست بفاقد هذا؛ لأنه محصل لك، أو لست بفاقد هذا؛ لأنه ناسٍ مودتك - لكان المعنى سائغاً حسناً واضحاً، أو لو جعله شخصاً واحداً وجعل له أحد الوصفين فقال:
وإذا فقدت أخاً فأسبل دمعهأو ظل مصطبراً فلست بفاقد
لكان أيضاً سائغاً على هذا المذهب، أو لو كان استوى له في ذلك اللفظ بعينه أن يقول " فلم تفقد له دمعاً أو صبراً " حتى لا يجعل له إلا أحدهما لساغ ذلك، لكنه نسق بالصبر على الدمع فجعلهما جميعا له، ففسد المعنى.
فهذا وأشباهه الذي قاله الشيوخ فيه، من إن يريد البديع فيخرج إلى المحل.
وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمتأواخر الصبر إلا كاظماً وجما
رأيت أحسن مرشيً، وأقبحهمستجمعين لي التوديع والعنما
العنم: شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جاريةٍ، الواحدة عنمة، كأنه استحسن أصبعها واستقبح إشارتها إليه بالوداع، وهذا خطأ في المعنى، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمىبفرع بشامةٍ؟ سقى البشام!
فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعنه به؛ فسر بتوديعها، وأبو تمام استحسن أصبعها واستقبح إشارتها، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، ولكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب، وأقلهم معرفة بالغزل، وأغلظهم طبعاً، وأبعدهم فهماً.
ومن خطائه قوله:
فلويت بالمعروف أعناق المنىوحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
حطم ظهر الوعد بالإنجاز: استعارةٌ قبيحة جداً، والمعنى أيضاً في غاية الرداءة؛ لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، وذلك إذا أبحره، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا تراهم يقولون: قد مرض فلانٌ وعده، وعلله، ووعد وعداً مريضاً، وإذا أخلف وعده فقد أماته؛ فالإخلاف هو الذي يحطم ظهر الموعد، لا الإنجاز، ولا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالانجاز ظهر المال، لا الموعد، وحينئذ فالموعد كان يصح ويسلم، ويتلف المال.
وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتالك النجح محمولاً على كاهل الوعد
كاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحاً مسلماً، لا أن يكون محطوما كما قال في البيت الأول؛ فهذه استعارة صحيحة على هذا البيت. وإن كان " كاهل الوعد " قبيحاً.
ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله:
إذا ما رحى دارت سماحةرحى كل إنجازٍ على كل موعد
وهذا إتلاف الموعد، وإبطاله؛ لأنه جعله مطحوناً بالرحى، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموعد ليس بضد للإنجاز، فإذا صح هذا بطل ذلك، بل الوعد الصادق طرفٌ من الإنجاز، وسببٌ من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو في هذه الاستعارة غالطٌ، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقاً وكفا لسائلوأنضرهم وعداً إذا صوح الوعد
فتصويح الوعد هو أن يخلفه فيبطل، ولا يصح؛ لأنه من " صوح النبت " إذا جف، ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده، إذا وعد امرأأنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو المعنى الصحيح: أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب. ولله در أبي إسحاق إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائلهويقتل الريث عنده العجل
فهذه الاستعارة الصحيحة: أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين، وكان قدماًفتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصراًعمر العدو به وعمر الموعد
فإن عمر الموعد مدة وقته؛ فإذا أنجز صار مالا؛ فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى. ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى، وجاء بالأمر من فصه؟ فقال:
يوليك صدر اليوم ما فيه الغنىبمواهب قد كن أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان الشيء الذي الموعد واقعٌ به، وصحته هو صحة ذلك الشيء.
ثم أتبع البحتري هذا البيت بأن قال:
شيم السحائب: ما بأن بوارقاًفي عارضٍ إلا انثنين رواعدا
فجعل البوارق مثالا للمواعد، وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة مثالا للغيث الذي هو العطايا؛ فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي؛ لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب، والرعد صوت ذلك الازدحام؛ فالبرق يرى أولا، والرعد يسمع آخراً، وهو هو، وذلك أن العين أسبق
إلى الإبصار من الأذن للأستماع؛ لأن العين ترى الشيء في موضعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها، فشبهها بالموعد التي تجر المواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وإنما أقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برقٌ ولا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه مطر، ثم إن التشبيه صح بأن صار الرعد بعد البرق.
وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعدهم فعلٌ إذا ما تكلموافتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قول " نعم " فجعل الوعد هو الفعل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري أيضاً الموعد وكيف تحول عطاء تمثيلا آخر حسناً، فقال:
وشكرت منك مواهباً مشكورةًلو سرن في فلكٍ لكن نجوماً
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراًتفضى إليه العين كن غيوماً
وذلك لأن الغيم يصير مطرا، كما أن الموعد يصير عطاء، وأبو تمام - فيما يذهب إليه - غالط؛ لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
ومن خطائه قوله:
فلو ذهبت سنات الدهر عنهوألقى عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فيناولكن دهرنا هذا حمار
قوله " وألقى عن مناكبه الدثار " لفظ ردئ، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى؛ فلو كان أتبعه بما يكون مثله في معناه، بأن يقول: فلو ذهبت سنات الدهر عنه واستيقظ من رقدته أو انتبه من نومته أو انكشف الغطاء عن وجهه؛ لكان المعنى يمضي مستقيما؛ لأن من كان في سنةٍ أو نوم أو مغطى على وجهه أو عينيه فإنه لا يبصر الرشد، ولا يكاد يهتدى لصواب، وإنما هذه كلها استعارات، والمراد بها هداية القلب وإبصاره وفهمه، وقد جرت العادة باستعارتها في هذا المعنى، فأما دثار المناكب فليس من هذا الباب في شيء؛ إذ قد يبصر الإنسان رشده ويهتدي لصواب أمره وعلى مناكبه دثارٌ وعلى ظهره أيضاً حمل، ولا يكون ذلك مع النوم والرقاد والغطاء على العين؛ لأنه إنما يراد نوم القلب والتغطية عليه؛ لأن الإنسان إنما يقال له: " قد عمى قلبك " و " قد عميت عن الصواب عينك " و " قد غطى على فهمك " ولا يقال: " قد غطيت بالدثار عن الصواب مناكبك، ولا ظهرك "، ولفظة الدثار أيضاً إنما
تستعمل لمنع الهواء والبرد، لا لمنع الفهم والرشد.
ومن خطائه قوله:
وأرى الأمور المشكلات تمزقتظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف، إلا أنهمذ سل أول سلةٍ لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجهٍ أزهرٍوقبضت أربدها بوجهٍ أربد
فقال " الأمور المشكلات " وجعل لها ظلمات، فكيف يقول: فبسطت أزهرها، والزهر هي النيرات، والمشكلات لا يكون شيء منها نيراً؟ وكأنه يريد أن الأمور المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه، ومنها ردئ قد جهلت أيضاً حاله؛ فهي كلها مظلمة، فيمزق ظلماتها برأيه، ويكشف عن الجيد منها ويبسطه: أي ستعمله، ويكشف عن رديئها ويقبضه: أي يكفه ويطرحه، ولكن ما كان ينبغي له أن يقول " بوجه أزهر " و " بوجه أربد "؛ لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثير؛ لأن الصنع إنما هو للرأي وللعقل؛ فإذا رأى ذو الرأي أمراً استبان منه الأشياء المظلمة،
وانفتحت المغلقة، أو رأى أن يغلق أمراً مفتوحاً إذا كان الصواب موجباً ذاك عنده؛ فالرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر، والوجه على الأحوال كلها أبيض، وليس يريد أبيض في لونه.
والعاجز إذا ورد عليه الأمر يبهظه تبينت الكآبة في وجهه؛ ولله در منصور النمري حيث يقول:
ترى ساكن الأوصال باسط وجههيريك الهوينا، والأمور تطير
فقال " ساكن الأوصال باسط وجهه " فدل على قلة اكتراثه بالأمور التي ترد عليه، وقول أبي تمام " بوجهٍ أربد " لا معنى له؛ لأنه من صفات الغضبان أو المكتئب من أمر ورد عليه، وو عندي في ذلك غالط، وفي ذلك مسيء.
ومن خطائه قوله يذكر سير الإبل:
كالأرحبى المذكى سيره المرطىوالوخد والملع والتقريب والخبب
فالأرحبي من الإبل: منسوبٌ إلى أرحب، حي من همدان تنسب إليهم النجائب،
والمذكى: الذي قد انتهى في سنه وقوته، والمرطى: من عدو الخيل فوق التقريب ودون الإهذاب، والوخد: الاهتزاز في السير مثل وخد النعام، والملع: من سير الإبل السريع، والتقريب: من عدو الخيل معروفٌ، والخبب: دونه، وليس التقريب من عدو الإبل، وهو في هذا الوصف مخطئ، وقد يكون التقريب لأجناسٍ من الحيوان، ولا يكون للإبل، وإنا ما رأينا بعيراً قط يقرب تقريب الفرس، والمرطى أيضاً: من عدو الخيل، ولم أره في اوصاف الإبل ولا سيرها.
ومن خطائه قوله:
ومشهدٍ بين حكم الذل منقطعٌصاليه، أو بحبال الموت متصل
جليت والموت مبدٍ حر صفحتهوقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقوله " بين حكم الذل " لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها " بين "، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز؛ فكما لا يقال بين العز فكذلك لا يقال بين حكم العز حتى يقال هذا؛ لأن " بين " إنما هي وسطٌ بين شيئين.
فإن قال: إن حكم الذل مشتمل على مشهد الحرب ومن يصلاها؛ فكأنه ذهب بقوله " بين " إلى معنى وسطٍ: أي ومشهد وسط حكم الذل.
قيل: وسط لا يحل محل بين، وبين لا يحل محل وسط؛ لأنك تقول: البئر وسط الدار، ولا تقول: البئر بين الدار، وتقول: المال بيننا نصفين، ولا تقول: المال وسطنا، والمعنى الذي بنى أبو تمام البيت عليه سياقة لفظه أن يقول: ومشهدٍ بين حكم الذل وحكم العز: أي ومشهد بين الذل والعز، محجمٌ من يصلاه - وهو الذليل - أو مقدم - وهو العزيز - جليته وكشفته، يعني الممدوح؛ فخذف أحد القسمين الذي لا يصلح " بين " إلا به مع القسم الآخر، وجعل قوله " منقطع " في موضع محجم، و " متصل " في موضع مقدم، وليس هذا من مواضع متصل ولا منقطع، وقد أغراه الله بوضع الألفاظ في غير مواضعها من أجل الطباق والتجنيس اللذين بهما فسد شعره وشعر كل من اقتدى به، وقوله " وقد تفرعن في أفعاله الأجل " معنى في غاية الركاكة ولاسخافة، وهو من ألفاظ العامة.
وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطلٌ على كل النفوس فعلاً من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كل فرعونٍ كان في الدنيا.
ومن خطائه قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتساراًولولا السعي لم تكن المساعي
قوله " سعى فاستنزل الشرف اقتساراً " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف، وذلك أنك إذا ذممت رجلا شريفاً شريف الآباء كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حططت شرفك، ووضعت من شرفك، وقد وكده بقوله " اقتساراً ".
وقوله " ولولا السعي لم تكن المساعي " فبئس السعي والله سعى؛ لأن الشرف لا يحط إلا بألأم ما يكون من الأفعال، وكأنه أراد سعى فحةى الشرف نفسه، فأفسد المعنى بذكر استنزاله إياه، كأنه لو لم يستنزله ما كان يكون حاوياً له، فهلا قال: ترقى إلى الشرف الأعلى فحواه، أو بلغ النجم، أو علا على الشمس، كما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍقومٌ بسؤددهم أو مجدهم قعدوا
ومن خطائه قوله:
يقظٌ وهو أكثر الناس إغضاء على نائل له مسروق
قوله " على نائل له مسروق " خطأ؛ لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقاً منه؟ وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذاً منه على طريق السرقة؟ وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه؛ إذ كان من شأن المتيقظ أن لا غفل حتى يستتم عليه السرق، وقد كان يصح هذا المعنى لو قال: علىمال له مسروق، حتى يكون يعطى ما له اختياراً لجوده ويغضى إذا سرق منه لكرمه.
ومن خطائه قوله:
لو يعلم العافون كم لك في الندىمن لذةٍ وقريحةٍ لم تحمد
ويروى " من لذة أو فرحة " أي من لذة وفرح؛ أي ابتداع واستخراج وهذا عندي غلط؛ لأن هذا الوصف الذي وصفه داعيةٌ أن يتناهى الحامد له في الحمد، ويجتهد في الثناء بأن لا يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه، لا على الشيء الذي له بواعث شهوة من نفسه وشدة صبابةٍ إليه ومحبة لفعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام فعلى ذلك يجب أن يحمد ويمدح.
أما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد، حتى لو بنتكفاك مجداً ثانياً لم تحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت الأوصاف والمحامد؛ فإن جئت بنوع من المكارم تبنى به مجداً آخر لم يقدر من يحمدك ويثنى عليك على أكثر مما تقدم.
ومن خطائه قوله:
تناول الفوت أيدي الموت قادرةًإذا تناول سيفاً منهم بطل
قوله " تناول الفوت أيدي الموت " عويضٌ من عويصاته، وهذا أيضاً محال وإنما سمع قول سعد بن مالك:
هيهات حال الموت دون الفوت وانتضى السلاح
والفوت: هو النجاة، أي حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال هو " تناول الفوت أيدي الموت " وهذا محال؛ لأن النجاة لا تتناولها يد الموت، ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وهذا من عقيده الذي يخرجه إلى الخطأ، وإنما قصد إلى ازدواج الكلام في الفوت والموت، ولم يتأمل المعنى،
والوجه الصحيح قول البحتري:
تتدانى الآجال ضرباً وطعناًحين يدنو فيشهد الهيجاء
ومن خطائه:
واكتست ضمر الجياد المذاكيمن لباس الهيجا دماً وحميما
في مكرٍ تلوكها الحرب فيهوهي مقورةٌ تلوك الشكيما
فهذا مغى قبيح جداً: أن جعل الحرب تكون الجيل من أجل قوله " تلوك الشكيما " و " تلوك الشكيما " أيضا ههنا خطأ؛ لأ ن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحومة الحرب، وإنما تفعل ذلك واقفة لا مكر لها.
فإن قيل: إنما أراد أن الحرب تلوكها كما تلوك هي الشكيم.
قيل: هذا تشبيه، وليس في لفظ البيت عليه دليل، وألفاظ التشبيه معروفة، وإنما طرح أبا تمام في هذا قلة خبره بأمر الخيل، ألا ترى إلى قول النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍتحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
والصيام ههنا القيام؛ أي خيل واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم فهي وقافة، وخيل تحت العجاج في الحرب، وخيل تعلك اللجما، قد أسرجت وألجمت، وأعدت للحرب.
والشاعر الحصين كان أحذق من الطائي وأعلم بأمر الخيل قال:
وإذا احتبى قربوسه بعنانهعلك الشكيم إلى انصراف الزائر
وإلا فمتى رأى يجري وهو يلوك شكيمه؟ فأما قول أنس بن الريان:
أقود الجياد إلى عامرٍعوالك لجمٍ تمج الدماء
فإن القود قد يكون في خلاله تلبث وتوقف تلوك فيه الخيل لجمها، والمكر لا يستقيم ذلك فيه؛ فأما قول أبي حزابة التميمي:
خاض الردى في العدى قدما بمنصلهوالخيل تعلك ثنى الموت باللجم
فإنما جعل ثنى الموت مثلاً، والثنى: حطام النبات اليابس، ولم يرد أن الخيل تعلك اللجم على الحقيقة.
ومن خطائه قوله:
والحرب تركب رأسها في مشهدٍعدل السفيه به بألف حليم
في ساعةٍ لو أن لقماناً بهاوهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارهافتركن طير العقل غير جثوم
فالبيتان الأولان جيدان، وقوله جثت طيور الموت في أوكارها بيت ردئ في القسمة، ردئ في المعنى؛ لأنه جعل طير الموت في أوكارها جاثمةً: أي ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثومٍ، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو واقعة عليهم، فأما أن تكون جائمة في أوكارها فإنها في السلم أو في الأمن جاثمة في أوكارها أيضاً، وطير العقل ليست بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، ولو كان قال:
جثمت طيور الموت فوق رؤوسهمفتركن أطيار الحياة تحوم
لكان أشبه وأليق، أو لو قال:
سقطت طيور الروع فوق رؤوسهمفتركن أطيار العقول تحوم
لكان أيضاً قريباً من الصواب؛ لأنهم يقولون: طار عقله من الروع، فإذا ثاب إليه عقله وسكن قيل: قد أفرخ روعه، وهذا مثل، وذلك أن الطائر إذا أفرخ لزم عشه وفراخه، وقد يجوز أن يكون " أفرخ روعه " أي: ذهب؛ لأن الطائر إذا أفرخ فطارت فراخه انتقل عن ذلك العش، وقولهم " جثم الطائر " إنما هو أن يلصق جثمانه بالأرض، يذهب إلى أن طيور الموت ساكنة، وطيور العقل منزعجة طائرة،
وقوله " غير جثوم " لا ينوب مناب طائرة ولا منزعجة؛ لأن الطائر قد لا يكون جاثماً وقد يكون قائماً على رجليه ساكناً مطمئناً، وهذه حاله في أكثر أوقاته؛ فقد حمل المعنى على لفظ لا يليق به، ولا يؤدي التأدية الصحيحة عنه.
ومن خطائه قوله في وصف الفرس:
ما مقربٌ يختال في أشطانهملآن من صلف به وتلهوق
قوله " ملآن من صلف " يريد التيه والكبر، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة؛ فأما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى، وإنما تقول: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك؛ إذا كانت زوجته تكرهه، وقال جرير:
إني أواصل من أردت وصالهبحبال لا صلف ولا لوام
والصلف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب " رب صلفٍ تحت الراعدة " يعنون الرعد بغير مطر: فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا قد ذم أبو تمام الفرس من حيث أراد أن يمدحه.
والتلهوق: هو لطف المداراة والحيلة بالقول وغيره حتى يبلغ الحاجة، ومنه قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل له ارمأةٌ نال منها مراده:
فلم يزل بالحلف النجيلها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاءٍ قيوغاب كل نفسٍ مخش
وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء التلهوق، وقال: وهو مثل التملق، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين إلا غالطاً.
وقال أبو تمام:
عطفوا الخدور على البدور، ووكلواظلم الستور بنور حورٍ خرد
وثنوا على وشى الخدود صيانةًوشى البرود بمسجفٍ وممهد
والبيت الأول حسنٌ حلو، وأخذ قوله " وثنوا على وشى الخدود صيانةوشى البرود " من قول الكميت.
وأرخين البرود على خدودٍيزين الفداغم بالأسيل
وقوله " بمسجفٍ وممهد " فالمسجف يريد ستر باب الحجلة، وكل باب مشقوق فكل شق منها سجقٌ، وكذلك سجف الخباء، والمسجف: المرخى، والتسجيف: إرخاء السجفين، وقوله " بمسجف " أي من مسجف وممهد؛ فجعل الباء في موضع " من " كما قال عنترة:
شربت بماء الدحرضين فأصبحتزوراء تنفر عن حياض الديلم
أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ذلك منسوقاً على المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه حاله فيعطفه عليه.
فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغىمتقلداً سيفاً ورمحاً
والرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
ورججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً، وأراد هذا وزججن الحواجب وكحلن العيونا.
قيل: متقلد السيف هو حامله أيضاً؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما جميعاً محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعاً زينةٌ؛ فحسن أن يعطف أحدهما على الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار لفظٍ ولا تأولٍ.
ومن خطائه قوله:
بقاعيةٌ تجري علينا كؤوسهافتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى
ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة.
والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان يظهر في صحوه مودته وينافقه.
وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل
فيمنع ما كان يتجمل من بذله في الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف العاقبة، ونحو هذا.
وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتوماً كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن يجتمع فيها الشيء وضده، والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا الحقيقة.
وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قولٌ صحيحٌ، وقوله " وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته.
فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعاً ومجازاً؟
قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازنٌ له وحافظٌ؛ فهو ضد للشيء الذي تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز.
ومن خطائه قوله في وصف فرس:
وبشعلةٍ نبذٍ كأن فليلهافي صهوتيه بدء شيب المفرق
قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه.
وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك عيبٌ من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقةً فهو أرحل، ولا يقال أشعل.
وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسناً جداً، ثم ما سلم أيضا من العيب، فقال:
وبشعلةٍ كالشيب مر بمفرقيغزلٍ لها عن شيبه بغرامه
فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضاً في الناصية، وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية أيضاً السعف.
وأيضاً؛ فإن البحتري وصف فرساً أدهم فقال:
جذلان تلطمه جوانب غرةٍجاءت مجيء البدر عند تمامه
فأي حسن يكون لبياض ناصية على بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي تمام ف يهذا الفرس أيضاً:
مسود شطرٍ مثل ما اسود الدجىمبيض شطرٍ كابيضاض المهرق
شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله ﷿: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا
البعض أو الجزء: أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن البعض في هذا الموضع.
والجيد النادر قول البحتري:
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدامن كل لون معجبٍ بنموذج
وقد جعله أبوتمام في أول الأبيات أشعل بقوله " بشعلة " ثم جعله هنا أبلق؛ فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
[... ومن خطأه قوله:
فكم دية تم غدوت تسوقهالها أثر في تالدي غير تالد
وليست ديات من دماء هرقتهاحراماً ولكن من دماء القصائد
قوله: ((فكم دية تم)) أي تامة، يعني عشرات الألوف التي كان يصله بها.
وقوله: ((لها أثر في تالدي)) أي في مالي الذي ورثته عن آبائي ((غير تالد)) أي غير ميراث، يقول: هي زائدة في ميراثي الذي ورثته عن آبائي ومقوية له، وهي غير ميراث منك، بل صلة وتفضل، وإنما لم يذكر أنه]
أراد أنها قوت أصل ماله الذي عليه يعول، وزادت فيه، وإذا قوت أصل المال القديم فهي للطريف أيضاً مقوية، ثم قال:
وليست ديات من دماء هرقتهاحراماً ولكن من دماء القصائد
فأتى في هذا بأقبح ما يكون من الخطأ وأشنعه، وهجا ممدوحه، وهذا أبو الحسن بن الهيثم بن شبابة ظن أنه مادحه، فكيف يكون الممدوح قاتلاً لمدائحه التي فيها وصف مفاخره ومناقبه، وهي مشيدة بذكر معاليه وشرف آبائه وفيها إحياء ذكرهم؟ فإذا سفك دماءها فقد محا ذلك كله وهدمه وأبطله وأماته، وجازى القصائد بضد ما تستحقه من تدوينها وروايتها وحفظها وإدامة إنشادها، ثم لم يقنع حتى جعل سفك دمائها حلالاً بقوله:
وليست ديات من دماء هرقتهاحراماً ولكن من دماء القصائد
وحسبه بهذا خطأ وجهلاً وتخليطاً، وخروجاً عن العادات في المجازات والاستعارات.
وقال في آخر هذه القصيدة:
بسباحة تنساق من غير سائقوتنقاد في الآفاق من غير قائد
جلامد تخطوها الليالي وإن سرتلها موضحات في رؤوس الجلامد
فكيف تكون مقتولة مسفوكة الدم، وهي تنساق من غير سائق وتنقاد في الآفاق من غير قائد؟ وكيف تكون كالجلامد تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، وهي أميتت وأبطلت؟
فإن قيل: هذا كله إنما جاء به على الاستعارة لا على الحقيقة.
قيل: الاستعارة لا تستعمل إلا فيما يليق بالمعاني، ولا تكون المعاني به متضادة متنافية، ولهذا حدود إذا خرجت عنها صارت إلى الخطأ والفساد.
ومن خطأه قوله:
وقد ظللت أعناق أعلامه ضحىبعقبان طير في الدماء نواهل
نواهل من النهل، وهو الشرب الأول، والعلل: الشرب بعد الشرب.
والعقبان وسائر جوارح الطير لا تشرب الدماء، وإنما تأكل اللحوم.
صفحة فارغة
الجزء الثالث
صفحة فارغة
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: قد ذكرت في الجزء الثاني الموازنة بين شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشعر أبي عبادة الوليد بن عبيدٍ البحتري، وخطأ أبي تمام في الألفاظ ولامعانين وبيضت آخر الجزء لألحق به ما يمر من ذلك في شعره، وأستدركه من بعد في قصائده.
وأنا أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه، والساقط من معانيه، والقبيح من استعاراته، والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه، على ما رأيت المتأخرين يتذاكرونه، وينعونه عليه ويعيبونه، وعلى أنى وجدت لبعض ذلك نظائر في أشعار المتقدمين؛ فعلمت أنه بذلك اغتر، وعليه في العذر اعتمد؛ طلباً منه للاغراق والإبداع، وميلا إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإنما كان يندر من هذه الأنواع المستكرهة على لسان الشاعر المحسن البيت أو البيتان يتجاوز له عن ذلك؛ لأن الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع على قوالب، ويحذو على أمثلة، ويتعلم الشعر تعلماً، ويأخذه تلقناً؛ فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من
تقدمه إلا فيما استحسن منهم، واستجيد لهم، واختير من كلامهم، أو في المتوسط السالم إذا لم يقدر على الجيد البارع، ولا يوقع الاحتطاب والاستكثار مما جاء عنهم نادراً ومن معانيهم شاذاً، ويجعله حجة له وعذراً؛ فإن الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ فإن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجةٌ سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة النعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه الطريقة حتى سقط شعره؛ لأن لكل شيء حداً: إذا تجتوزه سمى مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه، فكيف إذا تتبع الشاعر مالا طائل فيه: من لفظة شنيعة لمتقدم، أو معنى وحشي فجعله إماماً، واستكثر من أشباهه، ووشح شعره بنظائره؟ إن هذا لعين الخطأ، وغايةٌ في سوء الاختيار.
باب ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات
فمن ذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك؛ فقدأضججت هذا الأنام من خرقك
وقال:
سأشكر فرجة الليت الرخىولين أخادع الدهر الأبى
وقال:
فضربت الشتاء في أخدعيهضربةً غادرته عوداً ركوبا
وقال:
تروح علينا كل يوم وتغتديخطوبٌ كأن الدهر منهن يصرع
وقال:
ألا لا يمد الدهر كفا بسيءإلى مجتدى نصرٍ؛ فيقطع للزند
وقال:
والدهر ألأم من شرقت بلؤمهإلا إذا أشرقته بكريم
وقال:
تحملت ما لو حمل الدهر شطرهلفكر دهراً أي عبأيه أثقل
وقوله يصف قصيدة:
تحل يفاع المجد حتى كأنهاعلى كل رأس من يد المجد مغفر
لها بين أبواب الملوك مزامرٌمن الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر
وقوله:
به أسلم المعروف بالشام بعدماثوى منذ أودى خالدٌ وهو مرتد
أما وأبي أحداثه إن حادثاًحدا بي عنك العيس للحادث الوغد
وقوله:
جذبت نداه غدوة السبت جذبةًفخر صريعاً بين أيدي القصائد
وقوله:
لو لم تفت مسن المجد مذ زمنٍبالجود ولابأس كان الجود قد خرفا
وقوله:
لدى ملكٍ من أيكة الجود لم يزلعلى كبد المعروف من فعله برد
وقوله:
في غلةٍ أوقدت على كبد النائل ناراً أخنت على كبده
وقوله:
حتى إذا اسود الزمان توضحوافيه؛ فغودر وهو منهم أبلق
وقوله:
إيثار شزر القوى رأى جسد المعروف أولى بالطب من جسده
وقوله:
وما ذكر الدهر العبوس بأنهله ابنٌ كيوم السبت إلا تبسما
وقوله:
وكم أحرزت منكم على قبح قدهاصروف النوى من مرهفٍ حسن القد
وقوله يصف الأرض:
إذا الغيث غادى نسجها خلت أنهمضت حقبةٌ حرسٌ له وهو حائك
وقوله:
ولا جتذبت فرشٌ من الأمن تحتكمهي المثل في لين بها والأرائك
وقوله:
إذاً للبستم عار دهرٍ كأنمالياليه من بين الليالي عوارك
وقوله يرثي غالباً:
أنزلته الأيام عن ظهرها منبعد إثبات رجله في الركاب
وقوله:
كأنني حين جردت الرجاء لهغضا صببت لها ماءً على الزمن
وقوله يصف فرساً:
فكأن فارسه يصرف إذ بدافي متنه ابناً للصباح الأبلق
وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته؛ فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر أخدعا، ويداً تقطع من الزند، وكأنه يصرع، ويحل، ويشرق بالكرام، ويتبسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يداً، ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلماً تارةً ومرتداً أخرى، والحادث وغداً، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبةً حتى خر صريعا بين يدي قصائده، وجعل المجد مما يحقد عليه الخوف، وأن له جسداً وكبداً، وجعل لصروف النوى قدا، وللأمن فرشاً، وظن أن الغيث كان دهراً حائكا، وجعل للأيام ظهراً يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الزمان الأبلق؛ وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب.
وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقار به أو يدانيه، أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه؛ فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه، نحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بجوزهوأردف أعجازاً وناء بكلكل
وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره شيئاً فشيئاً، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ما يكون على من يثراعيه ويترقب تصرمه؛ فلما جعل له وسطاً يمتد وأعجازاً رادفة للوسط وصدراً متثاقلا في نهوضه حسن أن يتسعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطياً من أجل امتداده؛ لأن تمطى وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يتسعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد ملاءمةً لمعناها لما استعيرت له.
وكذلك قول زهير: ِوعرى أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذى الصبا أن يوصف أبداً بأن يقال: ركب هواه، وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس، وأن يجعل النزوع أن تعرى أفراسه ورواحله، وكانت هذه الاستعارة أيضاً من أليق شيء لما استعيرت له.
ونحو ذلك قول طفيل الغنوى:
وجعلت كورى فوق ناجيةٍيقتات شحم سنامها الرحل
لما كان شحم السنام من الأشياء التي تقتات، وكان الرحل أبداً يتخوفه ويتنقص منه، ويذيبه - كان جعله إياه قوتاً للرحل من أحسن الاستعارات، وأليقها بالمعنى.
وكذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا أبلغ النعمان عني رسالةًفمجدك حوليٌ ولؤمك قارح
لما جعل مجده حديثاً غير قديم حسن أن يقول " حولي "؛ لأن العرب إذا نسبت الشيء إلى الصغر وقصر المدة قالوا: حوليٌ؛ لأن أقل عدد الأحوال - وهي السنون - حول واحد، ولهذا قال حسان:
لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لأندبتها الكلوم
لم يرد بالحولى من ولد الذر ما أتى عليه الحول، ولكنه أراد بالحولي أصغر ما يكون من الذر، وإنما أخذ ذلك من قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محولٌمن الذر فوق الإتب منها لأثرا
ومما يدل على صحة المعنى وأن الحولي إنما يراد به الصغر دون معنى الحول قول الراجز:
واستبقت تحذف حولي الحصى
فأراد بحولي الحصى أصغره، وقول الآخر أنشده ثعلب:
تلقط حولي الحصى في منازلٍمن الحي أضحت باللحيين بلقعا
ولما جعل لؤمه قديماً حسن أن يقول " قارح ".
ونحو ذلك قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارهاألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
لما كانت المنية - إذا نزلت بالإنسان خالطته - صح أن يقال: نشبت فيه، وصح أن يستعار لها اسم الأظفار؛ لأن النشوب قد يكون بالظفر.
وعلى هذا جاءت الاستعارات في كتاب الله تعالى اسمه، نحو قوله
عزة وجل: واشتعل الرأس شيباً لما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير حالة الأولى كالنار التى تشتعل في الجسم من الأجسام فتحيله إلى النقصان والاحتراق، وكذالك قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار لما كان انسلاخ الشئ من الشيء وهو أن يتبرأ منه ويتزيل منه حالا فحالا كالجد من الحم وما شا كلهم انفصال النهار عن الليل شيئاً فشيئاً حتى يتكامل الظلام انسلاخ، وكذلك قوله ﷿: فصب عليهم ربك سوط عذاب لما كان الضرب بالسقوط من العذاب استعير للعذاب سوط.
فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب.
وأما قول أبي تمام ولين أخداع الزمان الأبى فأى حاجة إلى الأخداع حتى يستعيرها للزمن؟ وكان يمكنه أن يقول: ولين معاطف الدهر الأبى، أو لين جوانب الدهر، أو خلائق الدهر، كما تقول: فلان سهل الخلائق، ولين الجوانب، وموطأ الأكتاف، ولأن الدهر
يكون سلاً وحزيناً وليناً وصعبا على قدر تصرف الأحوال فيه؛ لأن هذه الألفاظ كانت أولى بالاستعمال في هذا الوضع، وطانت تنوب عن المعنى الذى قصده، ويتخلص من قبح الأخداع؛ فإن الكلام متسعاً، ألا ترى إلى قوله ما أحسنه وما أو ضحه:
ليالى نحن في وسنلت عيشكأن الدهر عنا في وثاق
وأياماً لنا وله لداناغنينا في حواشيها الرقاق
فاستعار للأيام الحواشى، وقوله:
أيامنا مصقولةٌ أطرافهابك، والليالى كلها أسحار
وأبلغ من هذا وأبعد من التكلف وأشبه بكلام العرب قوله:
سكن الزمان فلا يد مذمومةللحادثات ولا سوام تذعر
فقد تراه كيف يخلط الحسن بالقبيح، والجيد بالردى، وإنما قبح الأخداع لما جاء به مستعاراً للدهر، ولو جاء في غير هذا الموضع أو أتى به حقيقة ووضعه في موضعه ما قبح، نحو قول البحترى:
وأعتقت من ذلك المطامع أخدعى
ونحو قوله:
ولا مالت بأخدعك الضياع
ومما يزيد على كل جيدٍ قول الفرزدق:
وكنا إذا الجبار صعر خدهضربناه حتى تستقيم الأخادع
فأما قوله: " فضربت الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين - على قبحهما - أسوغ؛ لأنه قال " ضربةً غادرته عوداً كوباً " وذلك أن العود المسن من الإبل يضرب على صفحتي عنقه فيذل؛ فقربت الاستعارة ههنا من الصواب قليلا، ومن القبيح في هذا قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك فقدأضججت هذا الأنام من خرقك
أي ضرورةٍ دعته إلى الأخدعين؟ وكان يمكنه أن يقول " من اعوجاجك " أو " قوم ما تعوج من صنعك " أي: يا دهر أحسن بنا الصنيع؛ لأن الأخرق هو الذي لا يحسن العمل، وضده الصنع، وكذلك قوله:
تحملت ما لو حمل الدهر شطرهلفكر دهراً أي عبأيه أثقل
فجعل للدهر عقلا، وجعله مفكراً في أي العبأين أثقل، وما معنى أبعد من الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأشبه والأليق بهذا المعنى لما قال " تحملت ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضع، أو لا نهد، أو لأمن الناس صروفه ونوازله، ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة والإفراط.
وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرةً من بعيد الاستعارات متفرقةً في أشعار القدماء كما عرفتك لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها، وأحب الإبداع، وأغرق في إيراد أمثالها، واحتطب، واستكثر منها: فمن ذلك قول ذى الرمة:
تيممن يا فوخ الدجى فصدعنهوجوز الفلا صدع السيوف القواطع
فجعل للدجى يافوخا، وقول تأبط شراً:
نحز رقابهم حتى نزعناوأنف الموت منخره رثيم
فجعل للموت أنفا، وقول ذى الرمة:
يعز ضعاف القوم عزة نفسهويقطع أنف الكبرياء عن الكبر
فجعل للكبرياء أنفاً، وقال معقل بن خويلد الهذلي، أو غيره:
تخاصم قوماً لا تلقى جوابهموقد أخذت من أنف لحيتك اليد
فجعل للحية أنفاً: أي قبضت بيدك على طرف لحيتك كما يفعل النادم أو المموم، وما أظن ذا الرمة أراد بالأنف إلا أول الشيء والمتقدم منه، كما قال يصف الحمار:
إذا شم أنف الضيف ألحق بطنهمراس الأواصي وامتحان الكرائم
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب الشعراء: وهذا البيت غر الطائي حتى أتى به وإنما أراد ذو الرمة بقوله (أنف الضيف) أول الضيف كقولهم أنف النهار: أي أوله ورعينا أنف النهار أي أوله قال أمروء القيس:
قد غدا يحملني في أنفهلاحق لاحق الإطلين محبوك ممر
وقوله في أنفه أي في أول جريه وأشده ويقال في أنفه في أنف
الغيث الذي ذكره، أي في أوله، يقول: لم يطأ هذا الغيث أحدٌ قبلي، ولم يذهب هذا الشاعر حيث ذهب أبو العباس، وكذلك قول أعرابي يصف البرق:
إذا شم أنف الليل أومض وسطهسناً كابتسام العامرية شاغف
إنما أراد إذا اشتم أول الليل، وقال آخر أنشدناه الأخفش عن ثعلب يذم رجلا:
ما زال مجنوباً على است الدهرذا جسدٍ ينمى وعقلٍ يحرى
فجعل للدهر استاً، وقول شاتم الدهر أحد شعراء عبد القيس:
ولما رأيت الدهر وعراً سبيلهوأبدى لنا ظهراً أجب مسلعا
ومعرفةً حصاء غير مفاضةٍعليه ولوناً ذا عثانين أجدعا
وجبهة قردٍ كالشراك ضئيلةًوصعر خديه وأنفاً مجدعا
فجعل للدهر ظهراً أجب، ومعرفةً حصاء، ولوناً ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة قرد، وجعل أنفه أنفاً مجدعا، وهذا الأعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر، وجاء بها هازئاً، ومثل هذا في كلامهم قليل جداً، وليس مما يعتمد ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه.
ومن ردئ استعاراته وقبيحها وفاسدها قوله:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذىمن ماء قافيةٍ يسقيكه فهم
فجعل للقافية ماء على الاستعارة؛ فلو أراد الرونق لصلح، ولكنه قال " يسقيكه " ففسد معنى الرونق؛ لأنك إذا قلت " هذا ثوب له ماء " لم تجعل الماء مشروباً فتقول: ما
شربت ماء أعذب من ماء أعذب من ماء ثوب شربته عند فلان، أورأيته على فلان الملك؛ وكذلك لا تقول: ما شربت ماء أعذب من ماء " قفا نبك " أو أعذب من ماء قصيدة كذا؛ لأن للستعارة حداً تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت وقبحت.
فأما قولهم " فلان حلو الكلام " و " عذب المنطق " أو " كأن ألفاظه فتات السكر " فهذا كلام الناس على هذه السياقة، وليس يريدون حلاوة على اللسان، ولا عذوبة في الفم، وإنما يريدون عذباً في النفوس، وحلواً في القلوب، كما قال هو، أعني أبا تمام:
يستنبط الروح اللطيف نسيمهاأرجاً، وتؤكل بالضمير وتشرب
وكذلك قولهم " حلو المنظر " إنما يريدون حلوا في العين، ولا تقول: ما ذقت أحلى من كلام فلان، ولا ما شربت أعذب من ألفاظ عمرو؛ لأن هذا القول صيغة الحقيقة، لا الاستعارة، ولا تقل: ما شر بت أعذب من عمرو، ولا ما أكلت أحلى من عبسد الله، فاعلم هذا؛ فإن حدود الاستعارة معلومة.
فأما قوله:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيبوأمر في حنك الحسود وأعذب
فالمكاسر: الأخلاق، وإنما أراد أمر في حنك العدو إذا نطق بها، أو أمر في حنكه أن يذكرها، أو يخبر بها، وأعذب في حنك وليه ووديده إذا نشرها، وكما قال زهير:
تلجلج مضغةً فيها أنيضٌأصلت فهي تحت الكشح داء
لأنه أراد كلمةً فصلح أن يقول أنيض: أي لم تنضج، وأصلت: تغيرت وأنتنت، وذلك لما جعلها مضغة أي لقمة في فيه؛ فهذا طريق الاستعارة فيما يصلح وبفسد؛ فتفهمه فإنه واضح.
وأما قوله:
لا تسقني ماء الملام فإننيصبٌ قد استعذبت ماء بكائي
فقد عيب، وليس بعيب عندي؛ لأنه لما أراد أن يقول " قداستعذلت ماء بكائي " جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماءٍ وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة، كما قال الله ﷿: " وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها " ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة، وإنما هي جزاء السيئة؛ وكذلك: " إن
تسخروا منا فإنا نسخر منكم " والفعل الثاني ليس بسخريةٍ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل.
فلما كان مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول، وجرعته منه كأساً مرة، وسقيته منه أمر من العلقم، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع على الاستعارة - جعل له ماء على الاستعارة، ومثل هذا كثير موجود.
وقد احتج محتج لأبي تمام في هذا بقول ذى الرمة:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرةًفماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقول الآخر:
وكأسٍ سباها التجر من أرض بابلٍكرقة ماء البين في الأعين النجل
وهذا لا يشبه ماء الملام؛ لأن ماء الملام استعارة، وماء الهوى ليس باستعارة؛ لأن الهوى يبكى؛ فتلك الدموع هي ماء الهوى في الحقيقة، وكذلك البين يبكي؛ فتلك الدموع هي ماء البين على الحقيقة.
فإن قيل: فإن أبا تمام أبكاه الملام، والملام قد يبكي على الحقيقة؛ فتلك الدموع هي ماء الملام على الحقيقة.
قيل: لو أراد أبو تمام ذلك لما قال " قد استعذبت ماء بكائي " لأنه لو بكى من الملام لكان ماء الملام هو ماء بكاء أيضاً، ولم يكن يستعفى منه
ومن ردئ استعارته وقبيحها قوله:
مقصرٌ خطوات البث في بدنيعلماً بأني ما قصرت في الطلب
فجعل للبث - وهو أشد الحزن - خطواتٍ في بدنه، وأنه قد قصرها؛ لأنه ما قصر في الطلب، وهذا من وساوسه المحكمة، وإنما أراد به قد سهل أمر الحزن عليه أنه ما قصر في الطلب؛ لأنه لو قصر كان يأسف ويشتد حزنه، فجعل للحزن خطى في بدنه قصيرةً لما جعله سهلا خفيفاً، وهذا ضد المعنى الذي أراد؛ لأن الخطى إذا طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذه الخطى القصيرة؛ فعلى هذا يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث - وهو الحزن - قليلٌ ولا كثير.
فإن قيل: إنما أراد أن الحزن هو في قلبه خاصة، وأن قوله " في بدني " أي في قلبي؛ لأن قلبه في بدنه.
قيل: الأمر واحد في أن الخطى إذا طالت على الشيء - قلبه كان أو ما سواه - أخذت منه أقل مما تأخذ إذا قصرت.
فإن قيل: أراد بطول الخطى الكثرة وبقصرها القلة.
قيل: هذا غلط من التأويل، وليس العمل على إرادته، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه.
وبعد، فإن من أعجب الوسواس خطوات البث في البدن.
ومن ردئ استعاراته وقبيحها قوله:
جارى إليه البين وصل خريدةٍماشت إليه المطل مشى الأكبد
الهاء في " إليه " راجعةٌ إلى المحب، يريد أن البين " ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين " حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري، فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه يريده فجرى البين ليمنعه، فجعلهما متجاريين، ثم أتى في المصراع الثاني بنحو من هذا التخليط، فقال: ماشت إليه المطل مشى الأكبد، فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقلٍ مماطل فجعل عزمها مشيا، وجعل المطل مماشيا لها، فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟ وأنشد أبو العباس ابن المعتز في كتاب سرقات الشعراء لسلم الخاسر يعيبه بردئ الاستعارة في قوله يري موسى الهادي:
لولا المقابر ما حط الزمان بهلا، بل تولى بأنفٍ كلمه دامي
وقال: هذا ردئ كأنه من شعر أبي تمام الطائي! وليت لم يكن لأبي تمام من ردئ الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها، ونعوذ بالله من حرمان التوفيق.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع