تجاوز إلى المحتوى

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)

ما أخطأ فيه البحتري من المعان

ي

قال البحتري:

ذنبٌ كما سحب الرداء يذب عنعرفٍ، وعرفٌ كالقناع المسبل
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

هذا خطأ من الوصف؛ لأن ذنب الفرس - إذا مس الأرض كان عيبا، فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يسمها، كما قال امرؤ القيس:

بضافٍ فويق الرض ليس بأعزل

فقال " فويق الأرض " أي: فوق الأرض بقليل.

وقد عيب على امرئ القيس قوله:

لها ذنبٌ مثل ذيل العروستسد به فرجها من دبر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا؛ لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض فهو عيبٌ؛ فليس ينكر أن يشبه الذنب به إن لم يبلغ أن يمس الأرض؛ لأن الشيء إنما يشبه بالشيء إذا قرب منه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه، ولاق به، ولأن امرأ القيس لم يقصد طول الذنب أن يشبهه بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السبوغ والكثرة والكقافة، أر تراه قال " تسد به فرجها من دبر " وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، بل يكون رقيقاً نزر الشعر خفيفاً؛ فلا يسد فرج الفرس، فلما قال " تسد به فرجها " علمنا أنه إنما أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإنما أشبه الذنب الطويل ذيل العروس من هذه الجهة، وكان في الطول قريباً منه؛ فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب، ولا أن يكون ذنب الفرس من أجل تشبيهه بلاذيل مما يحكم على الشاعر أيضاً أنه قصد إلى أن الفرس يسحبه على الأرض،

وإنما العيب في قول البحتري " ذنبٌ كما سحب الرداء " فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.

ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:

لها ذنبٌ مثل ذيل الهدىإلى جؤجؤٍ أيد الزافر
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة

الهدى: العروس التي تهدى إلى زوجها، وأيد: شديد، والزافر: الصدر؛ لأنها تزفر منه، فإنما أراد بذيل العروس طوله وسبوغه؛ فشبه الذنب الطويل السابغ به، وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الأرض.

ومما يصحح ذلك قولهم: فرسٌ ذيال؛ إذا كان طويلا طويل الذنب، فإذا كان قصيراً طويل الذنب قالوا: ذائل، وإنما قالوا ذلك تسبيهاً للذنب بالذيل لا غير، قال النابغة الذبياني:

بكل مدجج كالليث يسموإلى أوصال ذيالٍ رفن

رفن ورفل واحدٌ، وهو الطويل الذنب وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ القيس من الغلط في كتابه الذي جمع فيه سرقات الشعراء.

وقال البحتري: هجرتنا يقظى وكادت على عا - دتها في الصدود تهجر وسنى

وهذا عندي غلطٌ؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى، والجيد قوله:

أرد دونك يقظاناً، وياذن ليعليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
للشاعر البحتري، من قصيدة «بالله يا ربع لما ازددت تبيانا»

فصحح المعنى، وأتى به على حقيقته وكذلك قوله:

إذا ما تباذلنا النفائس خلتنامن الجد أيقاظاً ونحن نيام
للشاعر البحتري، من قصيدة «على الحي سرنا عنهم وأقاموا»

وقوله:

نعذب أيقاظاً وننعم هجدا

جيدٌ أيضاً؛ لأنه حملها على أن حالها مع خياله إذا نامت كحاله مع خيالها إذا نام، وأن واحد منهما ينعم مفردا مع خيال صاحبه؛ لا أنهما ينعمان معا في حال واحدة إذا نام أحدهما فرأى خيال الآخر. وإنما أخذ معنى بيته الأول - وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال - من قول قيس بن الخطيم.

أنى سربت وكنت غير سروبوتقرب الأحلام غير قريب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ما تمنعي يقظى فقد تؤتينهفي النوم غير مصردٍ محسوب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وما أظن أحداً سبق قيساً إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جداً، ولكن فيه أيضاً مقال لمعترض، وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط؛ لأن قيساً قال " ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم " فأراد أيضا أنها تؤتيه نائمة، وخيال المحبوب يتمثل في حال نوم المحب ويقظته كما ذكرت، وكان الأجود لو قال: ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم: أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي، حتى يكون النوم واليقظة معا منسوبين إليه، إلا أنه يتسع من التأويل لقيس مالا يتسع للبحتري، لأن قيسا قال " فقد تؤتينه في النوم " ولم يقل: فقد تؤتينه نائمة فقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم: أي في نومي، ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري؛ لأن البحتري قال وسنى ولم يقل في الوسن.

وقال البحتري ف يمدح المعتز بالله:

لا العذل يردعه ولا التعنبف عن كرمٍ يصده
للشاعر البحتري، من قصيدة «نَفْسِي الفِداءُ لِمَنْ أوَدُّهْ»

وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح.

وقال البحتري:

تشق عليه الريح كل عشيةٍجيوب الغمام بين بكرٍ وأيم
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصر حميد لا عزاء لمغرم»

وهذا أيضا غلط؛ لأنه ظن أن الأيم هي الثيب، وقد غلط في مثله أبو تمام، وذكرته في أغاليطه، وسها فيه أيضاً بعض كبار الفهاء؛ فظن البحتري أن الأيم هي الثيب، فجعلها في البيت ضد البكر، والأيم: هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " أراد جل ثناؤه اللواتي لا أزواج لهن؛ فالبكر والثيب جميعا داخلتان تحت الأيم؛ فتكون بكراً وتكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.

فإن قيل: إن الأيم قد تكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.

قيل: أجل إنها تكون ثيبا وتكون بكراً ومعنسا وكعابا، إلا أن لفظة " أيم " لا تدل على شيء من هذه الأوصاف، وليست عبارة إلا عن التي لا زوج لها لا غير؛ وقد شرحت هذا المعنى شرحا شافيا في غلط أبي تمام.

وقال البحتري:

شرطي الإنصاف إن قيل اشترطوصديقي من إذا قال قسط

وكان يجب أن يقول " أقسط " أي: عدل، وقسط - بغير ألف - معناه جار، قال الله ﵎: " وأما الفاسطون فكانوا لجهنم حطباً " وقال: " إن الله يحب المقسطين ".

وقال البحتري:

صبغة الأفق بين آخر ليلٍمنقضٍ شانه وأول فجر

يصف فرسا أشقر أو خلوقيا. والحمرة لا تكون بين آخر الليل وأول الفجر وهو عندي في هذا غالط؛ لأن أول الفجر الرزقة، ثم البياض،

ثم الحمرة عند بدو قرن الشمس. كما أن آخر النهار عند غيبوبة الشمس الحمرة، ثم البياض، ثم الزرقة وهي آخر الشفق؛ وقال البحتري:

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضهوأول الغيث رشٌ ثم ينسكب

وقال آخر:

وأن يسجع القمرى فيها إذا غدابركبانه قرنٌ من الشمس أزرق

وكأن البحتري أراد أن يقول بين آخر ليل منقض شأنه وأول نهار؛ فيكون قد قابل بين الليل والنهار، والحمرة قد تكون بين آخر الليل وأول النهار، كما تكون بين آخر النهار وأول الليل، فقال " وأول الفجر "، والجيد في مثل هذا المعنى قول أب يتمام يصف فرساً أشقر:

كأن قد كسفت في أديمه الشمس

وقال البحتري:

قف العيس قد أدنى خطاها كلالهاوسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
للشاعر البحتري، من قصيدة «قف العيس قد أدنى خطاها كلالها»

هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " قد أدنى خطاها كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي.

والجيد قول عنترة؛ لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته بالقصر، فقال:

فوقفت فيها ناقتي، وكأنهافدنٌ؛ لأقضي حاجة المتلوم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

قال ذلك ليعلم أنه لم يقف بها ليريحها. وقد كشف ذو الرمة عن هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:

أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍلثنتين بين اثنين جاء وذاهب

يقول: أنخت لأصلي، لا من سآمة بها، وقوله " لثنتين " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد الليل " وذاهب " يريد النهار فإن قيل: فإنما قال " قد أدنى خطاها " ليعلم أنه قصد الدار من شقةٍ بعيدة.

قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فيقول الرجل لصاحبه أو صاحبيه: قف، وقفا، ولو كان هناك قصدٌ إليها لكانوا إذا وصلوا لا يقولون: قف، ولا قفا وإنما ذلك تعريج على الديار في مسيرها، وسأزيد في شرح هذا المعنى فيما بعد عند ذكر الوقوف على الديار.

وقال البحتري:

غريب السجايا ما تزال عقولنامدلهةً في خلةٍ من خلاله
للشاعر البحتري، من قصيدة «عَذِيريَ منْ وَاشٍ بهَا لَمْ أُوَالهِ»
إذا معشرٌ صانوا السماح تعسفتبه همةٌ مجنونةٌ في ابتذاله

قوله " إذا معشر صانوا السماح " معنى ردئ؛ لأن البخيل ليس من أهل السماح فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السماح، أو صانوا السخاء؛ أو صانوا الجود، أو صانوا الكرم؛ فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟ فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء الذي يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا.

قيل: البحتري لا يسوغ مثل هذا، ولا يجوز له؛ لأنه متأخر، ولا سيما أن ليست ههنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول " صانوا الثراء " مكان " صانو السماح ".

وهذا

النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.