من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب ما كثر في شعره من الزحاف واضطراب الوزن
وذلك هو ما قاله دعبل بن علي الخزاعي وغيره من المطبوعين: إن شعر أب يتمام بالخطب وبالكلام المنثور أشبه منه بالكلام المنظوم.
فمن ذلك قوله:
وأنت بمصرٍ غايتي وقرابتيبها، وبنو أبيك فيها بنو أبي
وهذا من أبيات النوع الثاني من الطويل، ووزنه: " فعولن مفاعيلن " وعروضه وضربه مفاعلن؛ فحذف نون فعولن من الأجزاء الثلاثة الأول، وحذف الياء من مفاعيلن التي هي المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضاً؛ لأنه حذف خامسة.
وكذلك قوله من هذا النوع:
كساك من الأنوار أبيض ناصعوأصفر فاقعٌ وأحمر ساطع
فحذف النون من آخر " فعولن " كلها، وهي أربعة، وحذف الياء من " مفاعيلن " التي في المصراع الثاني أيضاً، كما فعل في البيت قبله.
ومن ذلك قوله من هذا النوع أيضاً:
يقول فيسمع، ويمشي فيسرعويضرب في ذات الآله فيوجع
فحذف النون من " فعولن " الأول، والياء من " مفاعيلن " التي تليها، ومن " فعولن " التي هي أول المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضاً، وهو من الزحاف الحسن الجائز، إلا أنه إذا جاء علىلتوالي والكثرة في البيت الواحد قبح جداً.
وقال:
لم تنتقض عروةٌ منه ولا قوةٌلكن أمر بني الآمال ينتقض
وهذا من النوع الأول من البسيط، ووزنه مستفعلن فاعلن، وعروضه وضربه فعلن، فزاد في عروضه حرفا فصار فاعلن؛ لأنه قال " قوة " فشدد، وذلك إنما يحسب له في أصل الدائرة لا في هذا الموضع، فإن خففها حتى تصير على وزن فعلن فيتزن البيت كان مخطئاً من طريق اللغة،
ثم نقص من فاعلن الأول من المصراع الثاني الألف فصار فعلن، وهذا يسمى مخبوناً لأنه حذف ثانيه.
وقال:
إلى المفدى أبي يزيد الذييضل غمر الملوك في ثمده
وهذا من النوع الأول من المنسرح، ووزنه مستفعلن مفعولان مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن، فحذف السين من مستفعلن الأولى ومن مستفعلن التي هي أول المصراع الثاني فبقى متفعلن، وهذا ينقل إلى مفاعلن، ويسمى مخبوناً؛ لأنه حذف ثانية، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فبقى مستعلن فينقل إلى مفتعلن، ويقال ل: مطوى؛ لأنه ذهب رابعه، وحذف الواو من مفعولات الأولى ولاثانية، فصار فاعلات، ويقال له أيضاً: مطويٌ؛ فأفسد بكثرة الزحاف، وتقطيعه: إللمفد دا أبى ى زيد الذي يضللغم رلملوك فيثمده مفاعلن فاعلات مستفعلن مفاعلن فاعلات مفتعلن ثم قال في هذه القصيدة:
جلة أنماره وهمدانهوالشم من أزده ومن أدده
فحذف الفاء من مستفعلن الأولى، فعادت إلى مفتعلن، وحذف الواو من مفعولات الأولى ومفعولات الثانية فصارت فاعلات، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن، وتقطيعه: جللتأن مارهيو همدانهى وششمممن أزدهىر منأدده مفتعلن فاعلات مستفعلن مستفعلن فاعلات مفتعلن وهذه الزحافات جائزة في الشعر غير منكرة إذا قلت، فأما إذا جاءت في بيت واحد في أكثر أجزائه فإن هذا ف ينهاية القبح، ويكون بالكلام المنثور أشبه منه بالشعر الموزون.
ومن هذا النوع من المنسرح قوله:
ولم يغير وجهى عن الصبغة الأولى بمسفوع اللون ملتمعه
وتقطيعه: ولم يغى ير وجهيع نصصبغتل أولى بمس فوعللون ملتمعه مفاعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مفتعلن فحذف السين من مستفعلن الأولى فصارت مفاعلن وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن.
ومثل هذه الأبيات في شعره كثير إذا أنت تتبعته، ولا تكاد ترى في أشعار الفصحاء والمطبوعين على الشعر من هذا الجنس شيئاً تم السفر الثاني من الموازنة على ما جزأه مؤلفه رحمه الله تعالى والحمد لله رب العالمين
صفحة فارغة
﷽
وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه أجمعين قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ الامدي:
لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء وممن تأخر أخذاً كثيراً.
وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيتٍ مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت.
وكان ينبغي أن لا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوى هذين الشاعرين؛ لأنني قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات المعاني من كبير مساوى الشعراء، وخاصة المتأخرين؛ إذ كان هذا باباً ما تعرى منه متقدم ولا متأخر، ولكن أصحاب أبي تمام ادرعوا أنه أول سابق، وأنه أصل في الابتداع والاختراع؛
فوجب إخراج ما استعاره من معاني الناس؛ ووجب من أجل ذلك إخراج ما أخذه البحتري أيضاً من معاني الشعراء، ولم أستقص باب البحتري، ولا قصدت الاهتمام إلى تتبعه؛ لأن أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب أبي تمام لأبي تمام، بل استقصيت ما أخذه من أبي تمام خاصة؛ إذ كان من أقبح المساوى أن يتعمد الشاعر ديوان رجل واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام، ولو كان عشرة أبيات، فكيف والذي أخذه منه يزيد على مائة بيت؟ فأما مساوى البحتري - من غير السرقات - فقد دققت واجتهدت أن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه، وجودة طبعه، وتهذيه لألفاظه - من ذلك إلا أبياتاً يسيرة أنا أذكرها عند الفراغ من سرقاته، فإن مر بي شيء منها ألحقته به، إن شاء الله تعالى.
سرقات البحتري
قال:
يخفى الزجاجة لونها فكأنهافي الكأس قائمةٌ بغير إناء
أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
كأن يد النديم تدير منهاشعاعاً لا يحيط عليه كاس
وقال البحتري:
كالرمح فيه بضع عشرة فقرةًمنقادة تحت السنان الأصيد
أخذه من قول بشار:
خلقوا قادةً فكانوا سواءًككعوب القناة تحت السنان
وأخذه أبو تمام فقال:
جمعت عرى أعماله بعد فرقةٍإليك كما ضم الأنابيب عامل
وقال البحتري:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ماأعطيتنيه وديعةً لم توهب
أخذه من قول الفرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعنيأو قلت أعطيت مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
وقال البحتري:
أرد دونك يقظاناً ويأذن ليعليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
أخذه من قول قيس بن الخطيم:
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينهفي النوم غير مصردٍ محسوب
وقال البحتري:
ملوكٌ يعدون الرماح مخاصراًإذا زعزعوها والدروع غلائلا
وهذا مثل قول محمد بن عبد الملك الفقعسي، ولعله منه أخذه:
ولا لاقياً كعب بن عمرو يقودهمأبو دهشم نسج الحديد ثيابها
وقال البحتري:
كوعول الهضاب رحن وما يملكن إلا صم الرماح قرونا
وهذا من نوادر المعاني، وما عرف مثله إلا قول نصر بن حجاج بن علاط السلمى، ولعله منه أخذه:
ترى غاية الخطى فوق متونهمكما أشرفت فوق الصوار قرونها
وقال البحتري:
ينال الفتى ما لم يؤمل، وربماأتاحت له الأقدار ما لم يحاذر
أخذه من قول الآخر، وأنشده ثعلبٌ:
وحذرت من أمر فمر بجانبيلم يلقني، ولقيت ما لم أحذر
وقال البحتري:
وإذا الأنفس اختلفن فما يغنى اتفاق السماء والألقاب
أخذه من قول الفرزدق:
وقد تلتقي السماء في الناس والكنىكثيراً، ولكن فرقوا في الخلائق
وقال البحتري:
لم تخط باب الدهليز منصرفاًإلا وخلخالها مع الشنف
أخذه من قول أب ينواس:
قد جمعوا آذانه وعقبه
وقال البحتري:
ولست أعجب من عصيان قلبك ليعمداً، إذا كان قلبي فيك يعصيني
أخذه من قول حسين بن الصحاك الخليع:
وتطمع أن يطيعك قلب سعدىوتزعم أن قلبك قد عصاكا!
وبيت البحتري أجود.
وقال محمد بن وهيب:
هل الدهر إلاغمرةٌ ثم تنجليوشيكاً، وإلا ضيقةٌ فتفرج
أخذه البحتري فقال:
هل الدهر إلا غمرةٌ وانجلاؤهاوشيكاً، وإلا ضيقةٌ وانفراجها
وقال في وصف الذئب:
فأتبعتها أخرى وأضللت نصلهابحيث يكون اللب والرعب والحقد
وقال في هذا المعنى:
قومٌ ترى أرماحهم يوم الوغىمشغوفةً بمواطن الكتمان
أخذه من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
والضاربين بكل أبيض مرهفٍوالطاعنين مجامع الأضغان
إلا أن قول عمرو " والطاعنين مجامع الأضغان " في غاية الجودة والإصابة؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن موضع الضغن فذلك غاية كل مطلوب.
وقال البحتري:
إلى فتىً يتبع النعمى نظائرهاكالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
أخذه من قول أبي دهبل الجمحي:
وليلةٍ ذات أجراس وأروقةٍكالبحر يتبع أمواجاً بأمواج
وهذا إنما أراد قول امرئ القيس:
وليلٍ كمج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلى
وقال البحتري:
محركاً رأسه توهمهمن عطسةٍ قائماً على شرف
يشبه قول الآخر:
كأن أبا السمى إذا تغنىيحاكي عاطساً في عين شمس
وقال البحتري:
سقمٌ دون أعين ذات سقمٍوعذابٌ دون الثنايا العذاب
أخذه من قول بشار:
ذات الثنايا العذابمن دونهن عذاب
وقال البحتري:
وكان في جسمي الذيفي ناظريك من السقم
أخذه من قول منصور بن الفرج:
حل في جسمك ما كان بعينيك مقيما
وقال البحتري:
تجد بدر الدجى يدنو بشمسٍإلى من الرحيق الخسرواني
أخذه من قول الخليع:
قمرٌ يحمل شمساًمن رحيق الخسرواني
وقال البحتري:
كأن سهيلاً شخص ظمآن جانحمع الأفق في نهى من الأرض يكرع
أخذه من قول محمد بن يزيد الحصني السلمي يصف النجوم:
حتى إذا ما الحوت فيحوضٍ من الدلو كرع
وقال البحتري:
قومٌ إذا شهدوا الكريهة صيرواكمم الرماح جماجم الأقران
أخذه من مسلم بن الوليد حيث يقول:
يكسو السيوف رؤوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذبل
وأخذه مسلم من قول جرير:
كان رؤوس القوم فوق رماحناغداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا
وقال البحتري:
ولم لا أغالي بالضياع وقد دناعلى مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لي ترييعها واغتلالهاوكان عليكم عشرها وخراجها
أظنه - والله أعلم - حذا على قول شبيب بن البرصاء:
ترى إبل الجار الغريب كأنمابمكة بين الأخشبين مرادها
يكون عليه نقصها وضمانهاوللجار، إن كانت تزيد، ازديادها
وقال أبو صخر الهذلي:
أغر أسيديٌ تراه كأنهإذا جد يعطى ماله وهو لاعب
أخذه البحتري فقال:
وادعٌ يلعب بالدهر إذاجد في أكرومةٍ قلت هزل
وقال عبد الصمد بن المهذل:
ظبيٌ كأن بخصرهمن رقة ظمأ وجوعا
إني علقت لشقوتييا قوم ممنوعاً منيعا
أخذه البحتري فقال:
من غادةٍ منعت وتمنع نيلهاولو أنها بذلت لنا لم تبذل
فزاد على عبد الصمد بقوله لو بذلت لنا لم تبذل.
وقال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهممحمرة فكأنهم لم يسلبوا
وهذا مثل قول الحنتف بن السجف الضبي ويجوز أن يكون أخذه منه:
وفرقت بين أبني هميم بطعنةٍلها عاندٌ يكسو السليب إزارا
قوله " لها عاند " يريد الدم.
وقال عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي:
وإنى ليدعونى لأن أستزيدهافؤادى وأخشى سخطها وأهابها
ونحوه قول البحترى ويجوز أن يكون أخذه منه:
وعتب من حبيك حتى إننىأخشى ملامك أن أبثك ما بى
وقال أبو نواس:
بح صوت المال ممامنك يشكو ويصيح
أخذه البحترى فقال:
فكم لك فى الأموال من يوم وقعةطويل من الأهوال فيه عويلها
وقال جابر بن السليك الهمدانى:
أرمى بها الليل قدامى فيغشم بىإذ الكواكب مثل الأعين الحول
أخذه البحترى فقال:
وخدان القلاص حولا " إذا قابلن حولا " من أنجم الأسحار
وقال عروة بن الورد:
مطلا " على أعدائه يزجرونهبساحاتهم زجر المنيح المشهر
فإن بعدوا لا يأمنون اقترابهتشوف أهل الغائب المتنظر
ألم به البحترى فقال:
فترى الأعادى ما لهم شغلإلا توهم موقع يقعه
وقال البحترى:
على نحت القوافى من مقاطعهاوما على إذا لم تفهم البقر
ذكر على بن يحيى المنجم أن البيت للمجثم الراسبى وكان شاعرا " اتصل بمحمد بن منصور بن زياد فككسب معه ألف درهم فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى بن خالد البرمكى فأساء صحبته فهجاه فقال:
شتان بين محمد ومحمدحى أمات وميت أحيانى
فصحبت حيا فى عطايا ميتوبقيت مشتملا " على الخسران
فهذا ما مر بى من سرقة البحترى من أشعار الناس على غير تتبع فخرجتها ولعلى لواستقصيتها لكانت نحو ماخرجته من سرقات أبى تمام وتزيد عليها وعلى أننى قد بيضت فى آخر الكتاب فمهما مر بى شىْ ألحقته به إن شاء الله تعالى.
وهذا
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع