من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار عمر بن سلمة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وهو المعروف بابن أبي السعلاء.
حدثني عبيد الله محمد الأنصاري قال: حدثني الخصيب بن محمد قال: اجتمعت الشعراء يوماً بباب الرشيد. فسألوا الإذن، فلم يأذن لهم، ثم بدا له، فقال للحاجب: أخرج إليهم فقل لهم: من اقتدر أن يمدحنا بالدين والدنيا في ألفاظ قليلة فليدخل. فبادر ابن أبي السعلاء فاستأذن. فقال للحاجب: ادخله. فأدخله. فقال له الرشيد: أنشدني قولك:
أغيثاً تحمل الناقة تحمل هارونا
فقال: أنشدك ما اخترته وشرطته اليوم، فقال: بل أنشدني الأبيات فأنشده:
أغيثاً تحمل الناقة أم تحمل هارونا
أم الشمس أم البدرأم الدنيا أم الدنيا
ألا لا بل أرى كل الذي عددت مقرونا
على مفرق هارونفداه الآدميونا
قال: فأجزل له في العطاء، فاجتمع عليه الشعراء ففرق عليهم صلته. وكان الرسم في ذلك الزمان إذا وصل الخليفة أحداً من الشعراء وحرم الباقين أن يصلهم ذلك الشاعر ويعطيهم على منازلهم ومراتبهم.
وكان ابن أبي السعلاء تصدى لهارون بالمدينة وهو حاج. وقد خرج عنها يريد مكة على راحلة، فارتجل هذه الأبيات التي كتبناها رافعاً بها صوته. وأعطاه عليها مالاً جزيلاً.
ومما يروي له في الرشد قصيدته التي يقول فيها - وقد قدم الرشيد قافلاً من غزاته وقد ظفر بهم وغنم:
قرت عيون المسلمين بمقدم الملك الرشيد
قرت به عين القريب من الرعية والبعيد
بين المنابر والمجالس والمدائح والنشيد
هارون أنت خليفةصورت من كرم وجود
الناس من طين وأنت البدر في فلك السعود
وهم كأيام الشهور وأنت فيهم يوم عيد
وهي طويلة مشهورة.
ومما يستحسن له مرثيته في الرشيد التي يقول فيها:
مات الإمام فعم أهل الدين كلهم مصابة
عرين منه ركابهفتعطلت منه قبابه
وتفردت أجنادهوخلا من الحراس بابه
وأقام في ملحودهلا يرتجي منه إيابه
في الرمس مقترب المحل لحافه منه ترابه
ما هابه القدر الذيأودى به غضاً شبابه
قد كان كل الناس ترجوه وكلهم تهابه
فاعتاقه ريب المنون وحان من أجل كتابه
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يستحسن له مرثيته لهارون:
يا ليلة السبت التيطلعت كواكبها نحوسا
كنت البسوس عليهمبل فقت في الشؤم البسوسا
قفل الغزاة وخلفواهارون في جدث حبيسا
في غربة من أهل طوس فليتني فارقت طوسا
ترحاً لنا إن لم نقتل عند مصرعه النفوسا
وهي أيضاً طويلة سائرة.
ومما يختار له قوله في الرشيد يمدحه:
قل للإمام الهاشمي الذيعليه تاج الملك معقود
بلغت بالجود مدى غايةقد كان عنها قصر الجود
هارون بدر باهر زاهرتنجاب عنه، الظلم السود
ومما يستملح قوله أيضاً:
إن للموكب نوراًساطعاً بغشي العيونا
أترون البدر فيهأم أمير المؤمنينا
وولاة العهد عطفيهـ شمالاً ويميناً
وأشعاره كثيرة، وهو من فحولة المحدثين المجيدين.
أخبار أبي الهول الحميري
حدثني إبراهيم بن محمد قال: حدثني محمد بن عبد السلام قال: غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه - وكان عنده قبل ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجباً بشعره، وكان يصله بالصلات السنية - فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال:
سما نحونا من غضبة الفضل عارضله زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالدمن الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيرهورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني بالأبيات عن الشفع.
مما يستملح له كلمته في العباس بن محمد يرثيه - وكان محسناً إليه:
أتحسبني باكرت بعدك لذةأبا الفضل أو كشفت عن عاتق سترا
أو انتفعت عيناي بعد بنظرةوأني من حسناء مرتشف ثغرا
جفاني إذن يرمي إلى الليل مؤنسيوأضحت يمني من مكارمها صفرا
ولكنني استشعرت ثوب استكانةوبت كأن الموت يحفر لي قبرا
ومما يستحسن لأبي الهول قوله في الغزل:
وواحدة الجمال بلا شريكلها صفة تتيه على الصفات
لها خلقان من ملق وتيههما زفا الحياة إلى الممات
وقلب لا يجيب إذا دعوناوطرف يستجيب لنا مواتي
وأحيانا تموتني بصدفينشرني التلاحظ بالغداة
دعي ذكر الصلاة فإن ذكريلوجهك بالصلاة لها قراتي
أصلي ساهياً بك لست أدريإذا صليت كم كانت صلاتي
دهيت على المشيب بحب ريميحاذر ظله حلك الفلاة
ومما يستحسن له قوله في الغزل:
إن أنل منكم ثلاث خصالكنت لو نلتها بأحسن حال
لا لماماً ولا لثاماً ولا وعداً وإن لم تفز لنا بوصال
وأنا العاشق لمتيم المشغوف والمستهام أخرى الليالي
يا مهني هناك جسم صحيحقد براني هواك بري الخلال
لو حملن الجبال عشر الذي بيمن هواكم لأيقنت بزوال
ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال
ومما يروى له قوله في بعض البرامكة:
أصبحت محتاجاَ إلى الضربفي طلبي المعروف من كلب
قد وقح السب له وجههفصار لا ينحاش للسبّ
وأبو الهول من المحدثين المجيدين المشهورين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع