من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أبي الشمقمق
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني الخصيب بن محمد الكوفي قال: حدثني ابن العلاف قال: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال:
فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحداً يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:
مررت بأير بغل مسبطرفويق الباع كالحبل المطوق
فما إن زلت أعركه بكفيإلى أن صار كالسهم المفوق
فلما أن طغى وربا وأندىضربت به حر أم أبي الشمقمق
أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أنيرأيتك في التجارة لم توفق
فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجارة.
حدثني محمد بن يزيد قال: جعفر بن إسحاق المهلبي قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور.
ومما يروي له ويستحسن قوله:
عاد الشمقمق في الخسارةوصبا وحنّ إلى زراره
من بعد ما قيل ارعويوصحا لأبواب الشطارة
من قهوة مسكيةواللون مثل الجلنارة
تدع الحليم بلا نهىحيران ليس به إحاره
ولربما غنى بهايا جارتا ما كنت جاره
يا أيها الملك الذيجمع الجلالة والوقاره
ورث المكارم صالحاًوالجود منه والعماره
إني رأيتك في المنام وعدتني منك الزياره
فغدوت نحوك قاصداًوعليك تصديق العباره
أني أتاني بالندىوالجود منك إلى البشاره
إن العيال تركتهمبالمصر خبزهم العصاره
وشرابهم بول الحمار مزاجه بول الحماره
ضجوا فقلت تصبروافالنجح يقرن بالصباره
حتى أزور الهاشمي أخا الغضارة والنضارة
ولقد غدوت وليس ليإلا مديحك من تجاره
وله أيضاً:
ما جمع الناس لدنياهمأنفع في البيت من الخبز
والخبز باللحم إذا نلتهفأنت في أمن من الترز
والقلز من بعد على إثرهفإنما اللذات في القلز
وقد دنا الفطر وصبيانناليسوا بذي تمر ولا أرز
وذاك أن الدهر عاداهمعداوة الشاهين للوز
كانت لهم عنز فأودي بهاوأجدبوا من لبن العنز
فلو رأوا خبزاً على شاهقلأسرعوا للخبز بالجمز
ولو أطاقوا القفز ما فاتهموكيف للجائع بالقفز
وله أيضاَ:
الحمد لله شكراًأمشي ويركب غيري
قد كنت آمل طرفافصرت أرضى بعير
ليت الأيور دوابفكنت أركب أيري
لم ترض نفسي بهذايا رب منك لخير
وله يهجو ابن البختكان، وكان خبيث الهجاء:
ومحتجب والناس لا يقربونهوقد مات هزلاً من ورا الباب حاجبه
إذا قيل: من ذا مقبلاً؟ قيل: لاحدٌوإن قيل: من ذا خلفه؟ قيل كاتبه
ومما يستحسن قوله:
يبس اليدين فما يسطيع بسطهماكأن كفيه شدا بالمسامير
عهدي به آنفاً في مربط لهميكسكس الروث عن نقر العصافير
وله في بعضهم:
وإبطك قابض الأرواح يرميبسهم الموت من تحت الثياب
شرابك في الشراب إذا عطشناوخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عناولكن خفت مرزئة الذباب
وله:
ذهب الموال فلا موال وقد فجعنا بالعرب
إلا بقايا أصبحوابالمصر من قشر القصب
بالقول بذوا حاتماًوالعقل ريح في القرب
وشعر أبي الشمقمق نوادر كله.
ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديداً، فقال أبو الشمقمق فيه:
ما كان مندق اللواء لريبةتخشى ولا سبب يكون مزيلاً
لكن رأى صغر الولاية فانثنيمتقصداً لما استقل الموصلا
وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالداً ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع