من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار الحسين بن مطير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني عبد الله بن محمد الخزري قال: حدَّثني التوزي قال: قلت لأبي عبيدة: ما تقول في شعر ابن مطير؟ قال: إنه ليقع من شعره الشيء بعد الشيء فيكثر تعجبي من كثرة بدائعه، فإذا لقيته فأعلمه أن شعره من أعجب الشعر إليّ.
ومما قال:
كأننا يا سليمى لم نلم بكموتحتنا علسيات ملاجيج
ولم نكلمك في الحساد قد حضرواوفي الكلام عن الحاجات تلحيج
ولم نقل يوم سارت عيسكم عنقاًوالدوسري بجذب الساج مجروج
سقى سقى الله جيرانا لنا ظعنوالما دنا من رياض الحزن تهييج
لم أخش بينهم حتى غدوا حزقاًواستوسقت بهم البزل العناجيج
فاحتث من خلفهم حاديهم غرداوجددت دون من تهوى الهواديج
تلكم دياركم بالقف دارسةيستن فيها عجاج الصيف والهوج
قفراً خلاء المغاني ما يظل بهاإلا الظباء وغربان مشاحيج
فيها أوار وآثار لعرصتهاوماثل ناحل في الدار مشجوج
دار لناعمة بيضاء، حلتهاعصب يمان وبرد فيه تدبيج
ومورد آجن سدم مناهلهكأن ريق الدبى فيهن ممجوج
زارتك سلمة والظلماء داجيةوالعين هاجعة والروح معروج
فمرحباً بك من طيف ألم بناوليس يا سلم بي في السلم تحريج
هل يدنينك من سلمى وجيرتهاقلائص أرحبيات خراجيج
هدل المشافر أيديها موثقةزج وأرجلها زل، هزاليج
قالت: تغيرت عن ودي فقلت لها:لا والذي بيته يا سلم محجوج
ما أنس لا أنس منكم نظرة سلفتفي يوم عيد ويوم العيد مخروج
فهذا، كما ترى، شعر كأنه الديباج، بل نظم الدر في حسن وصف، وإحكام رصف وهو الذي يقول:
نزل المشيب فما يريد براحاوقضى لبانته الشباب فراحا
لا تبعدن من أليل ذي لذةوغضارة تدع المراض صحاحا
ما كنت بائعه بشيء يشترىأبداً ولو أني أصبت رباحا
فعلى الشباب تحية من زائريغدو ويطرق ليلة وصباحا
وبنازل لما أراد إقامةأهلاً، أراد مروءة وصلاحا
فدع الشباب فقد مضى بسبيلهوانظر بعينك بارقاً لماحا
ما زال يدفعه الصبا دفع الطلامن لعلع حتى أضاء ولاحا
جون الرباب عصى الرياح على الربامتبركا من فوقها إلحاحا
فعلى كحيل بني فنان على الذراحوا ودهما يستردن بطاحا
وكأن أصوات الحجيج عشيةيبغون بالصوت الرفيع فلاحا
فيه، وأصوات الروائم فارقتأولادها فلججن بعد رواحا
يغشى الوحوش بمرسل من مائهمثل الزقاق ملأتهن رياحا
وترى صفوف الوحش في حافاتهاكثمود يوم رغا الفصيل فصاحا
وكأن يثرب إذ علاها وبلهبلد ثغوت أهلها لبياحا
ومما يستحسن له كلمته التي يقول له:
لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوىعلى كبدي ناراً بطيئاً خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرمتولكن شوقاً كل يوم وقودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشاعهاد الهوى تولي بشوق يزيدها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتيإذا قدمت أيامها وعهودها
لمرتجة الأرداف هيف خصورهاعذاب ثناياها عجاف قيودها
وصفر تراقيها وحمر أكفهاوسود نواصيها وبيض خدودها
يمنيننا حتى ترف قلوبنارفيف الخزامى تحت طل يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنهامهاة بسران طوال قدودها
مخصرة الأطراف زانت عقودهابأحسن مما زينتها عقودها
ومما يستحسن له قوله:
خليلي من عمرو قفا فتعرفالسهمة دار بين لينة والحبل
وفيهن مقلاق الوشاحين طفلةمبتلة الأطراف ذات شوى خدل
حصان لها لونان جون وواضحوخلقان شيء من لطيف ومن عسل
وسنتها بيضاء واضحة السناوذروتها مسودة الفرع والأصل
فيا عجباً مني ومن حب قاتليكأني أجازيه المودة عن قتلي
ومن غنيات الحب أن كان أهلهاأحب إلى قلبي وعيني من أهلي
ومن السائر المجاز لابن مطير كلمته في وصف السحاب والمطر - وكان من أحذق الشعراء بذلك وهي قوله:
كثرت لكثرة قطره أطباؤهفإذا تحلب فاضت الأطباء
وكجوف ضرته التي في جوفهجوف السحاب سبحلة جوفاء
وكأن بارقه حريق يلتقيريح عليه عرفج وألاء
مستعبر بمدامع مستضحكبلوامع لم تمرها الأقذاء
وله بلا حزن ولا بمسرةضحك يراوح بينه وبكاء
لو كان من لجج السواحل ماؤهلم يبق في لجج السواحل ماء
وكان سبب هذه القصيدة أن والياً كان على المدينة، دخل عليه ابن مطير - وكان قيل له: هذا أشعر الناس - فأراد أن يختبره، فقال له: قد نشأت سحابة مكفهرة يا ابن مطير، فقل فيها، فقد أرسلت عزاليها فقال هذه القصيدة التي أثبتنا منها هذه الأبيات.
ومما يختار له قوله:
خليلي هذي زفرة اليوم قد مضتفما بعد مي زفرة قد أطلت
ومن زفرات لو قصدن قتلننيتقض التي تأتي التي قد تولت
ومما يستحسن قوله:
وكنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما في العيش عتب لو أننيوجدت لأيام الصبا منن يعيدها
وهو من المكثرين المجيدين المعروفين، وحسبنا ما أوردناه من أخباره دليلاً على سائر نمطه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع