من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار سلم الخاسر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وهو سلم بن عمرو
حدثني الخاسر خالي. فقلت له: جعلت فداك، لم سمي الخاسر؟ فضحك وقال: سمي الخاسر لأنه تقرَّأ فبقي في تقرئه مدة يسيرة. فرقت حاله فاغتم لذلك، ورجع إلى شيء مما كان عليه من الفسق والمجون، وباع مصحفاً كان ورثه من أبيه، فاشترى بثمنه طنبوراً - وقيل: باع مصحفاً واشترى بثمنه دفتر شِعْر - فشاخ بالناس خبره، فسمي الخاسر بذلك، وقيل له: ويلك، في الدنيا أحد فعل ما فعلت؟ تبيع مصحفاً وتشتري بثمنه طنبوراً فقال: ما تقرب أحد إلى إبليس بمثل ما تقربت إليه، فإني أقررت عينه.
وقد قيل: إنما فعل ذلك مجوناً، ولم يكن رديء الدين. وأما الذين زعموا أنه اشترى بثمن المصحف الشعر، فقد رووا في أخباره أنه لما أفاد من الخلفاء والبرامكة بشعره ما أفاد من الأموال الجليلة قال: أنا الرابح ولست بالخاسر.
وكان من المطبوعين المجيدين. وكان تلميذاً لبشار بن برد الأعمى، ولما قال بشار بيته هذا:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ
أخذ سلم هذا المعنى، وجاء به في أجود من ألفاظه وأفصح وأوجز فقال:
من راقب الناس مات غماًوفاز باللذة الجَسُورُ
وقال بشار - حين قال بيته ذلك -: ما سبقني أحد إلى هذا المعنى ولا يأتي بمثله أحد. فلما قال سَلْمٌ هذا البيت، قال راوية بشار: صرت إليه فقلت: يا أبا معاذ، قد قال سلم بيتاً أجود من بيتك الذي تعجب به. قال: وما هو؟ فأنشدته البيت، فقال: أوخ، ذهب والله بيتي، لوددت أن ولاءه لغير آل أبي بكر الصديق فأقطعه وقومه بهجوي. وهذا مما يدل أن بشارً كان صحيح الدين. ثم نحاه عن نفسه، حتى كلمه فيه بعض إخوانه فرده.
وسلم أحد المطبوعين المحسنين وكان كثير البدائع والروائع في شعره وسار بيت سلم الذي ذكرناه، ولم يسر بيت بشار.
ومن جيد ما يروى لسلم كلمته في يحيى بن خالد - ويقال: إنه أخذ عليها مالاً عظيماً ويقال: إنه من عمل بما في هذه الأبيات من قصيدته جاز أن يكون وزيراً والأبيات هذه:
بقاء الدين والدنيا جميعاًإذا بقي الخليفة والوزيرُ
يغار على حمى الإسلام يحيىإذا ما ضيع الحزم الغيور
وليس يقوم بالإسلام إلامعار يستجار ويستجير
كِلا يوميك من نفع وضريحوط حماهما كرم وخير
وما ألهاك عما أنت فيهنعيم الملك والوطئ الوثير
إليك سبيلنا من كل وجهوكل الأمر أنت به بصير
بلوت الناس من عجم وعربفما أحد يسير كما تسير
فكل الأمر من قول وفعلإذا علقت يداك به صغير
وفي كفيك مدرجة المناياومن جدواهما الغيث المطير
وأنت العز في حرب وسلميضاف إلى مناكبك الطهور
عرفت الدهر من خير وشرفكل الرأي أنت به خبير
ولست مجازياً بالضغن ضفناولو أبدى المظاهرة الظهير
فكل الناس بين غنى وعفولديك، كلاهما در درور
وما تخفى عليك وأنت طببطون للأمور ولا ظهور
سرابيل المحامد ضافياتعليك يزينها الوشي الحبير
وما نزغتك للدنيا هناتإليك أعين الوزراء صور
وما إن نال من دين لدنياقليل من هواك ولا كثير
وكانت قبلك الوزراء غرقىيؤم كبيرهم فيها الصغير
وما إن جاء مقطع كل حقصعود في هواك ولا حدور
تفرجت الأمور ببرمكيتضيء له المنابر والسرير
حملت فوادح الأعباء عناعن الإسلام إن شكر الشكور
منا ملك نعم ووزير ملكعليه من لباس الشيب نورُ
بديهته وفكرته سواءإذا ما نابه الخطب الكبير
وأجزل ما يكون الدهر رأياًإذا عمي المشاور والمشير
ولا غرس الأمور ولا اجتناهاكيحيى حين يعزم أو يسير
إذا قامت مساعي الفخر يوماًعلى الأقدام أو مدح المرير
فما نفع كنفع أبي عليولا أحد يصير كما يصير
ومما يستحسن لسلم كلمته في المهدي:
حي المنابر بالسلامعلى وداع أو لمام
لم يبق منك ومنهمغير الجلود على العظام
ولقد سكرت من الهوىسكر الغوى من المدام
فالقلب مضطرب الحشاوالعين نافرة المنام
فإذا عزمت فأمض همّك بين محمود ودام
ودع النوافخ في البرييسبحن في بحر الظلام
ويخضن أسراب الفلاقوداً أعنتها سوام
متسربلات بالحميممعممات باللغام
من كل خرقاء اليدين على انقضاب وانجذام
يهمسن في همس القطاويخدن في وخد النعام
كم قد هتكن من الرجاومضين بين صدى وهام
حتى رجعن من السرىمثل الأهلة في الحزام
لم يبق غير نواظرمنها وأخفاف دوام
يتبعن وخد شملةوجناء تفسح في الزمام
فمضت تزف أمامهن كما تولى سهم رام
وإلى أمير المؤمنين محمد خير الأنام
جمع الخلافة والسماحة والشجاعة في نظام
ملك ضريبة رأيهأمضى من السيف الحسام
يقضي أمور المؤمنين برأي حزم واعتزام
قالت قريش كلهاوهم الكرام بنو الكرام
وخيار من وطئ الحصامن بين كهل أو غلام
فضل الملوك محمدفضل الحلال على الحرام
فاسلم أمير المؤمنين فأنت رهن بالسلام
ولك المكارم كلّهافي دار ظعن أو مقام
أمن الحوادث من تعلق ذمة الملك الهمام
يا خير من ضمنت يداهـ كم في يديك من الذمام
كم في يديك من الندىوضروب ألوان الحمام
حوض الخليفة بالندىيشفى الغليل من الأوام
إن الخليفة في يديهـ سجال عفو وانتقام
كان سلم الخاسر يذهب بالمهدي إلى أنه المهدي الذي وصف رسول الله صلى الله عليه وآله.
ومما يستحسن من شعره قصيدته في موسى الهادي بن المهدي وهي هذه:
سألت الديار وأطلالهاوما إن تجاوب سؤالها
منازل قد أقفرت يعدناوجرت بها الريح أذيالها
وصهباء تعمل في الناظرينشربت على الريق سلسالها
وقد كنت للكأس والغانياتإذا هجر القوم وصالها
وكم قد رفعت ستور الملوكوزاولت بالشعر أزوالها
ونلت مجالس مشهورةينال الكرام بمن نالها
ولقد جعل الله في راحتيكحياة النفوس وآجالها
وجدناك في كتب الأولين محي النفوس وقتالها
وموسى شبيه أبي جعفرومعطي الرغائب سؤالها
ولولا مكانك من بعدهلأنكرت العوذ أطفالها
مما يستحسن له كلمته في نجاح الحاجة وهذه الأبيات منها:
يدير الأمور مقاديرهاوللرزق داع إلى أهله
إذا أذن الله في حاجةأتاك النجاح على رسله
إذا قنع المرء نال الغنىوعرى المطية من رحله
ولا تسأل الناس من فضلهمولكن سل الله من فضله
وحدثني، أحمد بن محمد النوفلي قال: ما وفقت إلى شاعر أعرف بأشعار الجاهلية ولا أدري لها من سلم الخاسر، وكان سلم مزاحاً لطيفاً، مداحاً للملوك والأشراف، وكانوا يجزلون له في الثواب والعطية، فيأخذ الكثير وينفقه على إخواته وغيرهم من أهل الأدب.
ولما قال أبو العتاهية أبياته التي ذكر فيها سلما وبلغه قوله:
تعالى الله يا سلم بن عمروأذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفواأليس مصير ذاك إلى الزوال
قال سلم: ويلي ابن الفاعلة قد كنز في بيته البدور، وأنا في ثوبي هذين. وليس عندي غيرهما. هو ينسبني إلى الحرص. وأشعاره وافرة كثيرة جداً، وقد أوردنا منها ما فيه الكفاية.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع