من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار ابن مَيَّادة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني ابن الأخوص محمد بن عبد الملك الثقفي قال: أخبرني عمرو ابن أيوب العامري قال: وفد ابن ميادة على الوليد ين يزيد بن يزيد بن عبد الملك فأنشده شعراً له فيه، فاستحسنه منه أمره بملازمته، ففعل، فلما عنده طويلاً امتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبحرة ليلي حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت علىّ تمائميوقطعن عني حيث أدركني عقلي
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةتطالعن من هجل حفيٍّ إلى هجل
فإن كنت عن تلك المواطن حابسيفأسبغ عليّ الرزق واجمع إذن شملي
فقال له الوليد: قد أمرنا لك بمائتي ناقة سوداء، ومائتي ناقة حمراء، تضيء هذه من هنا، وتظلم تلك من هنالك، فخذ الكتب بذلك إلى مصدّق كلب يدفعها إليك. فأخذ ابن ميادة الكتب ومضى نحوه، فلما قرأ كتابه قال له: أعفني من الجعودة وقد كان أمر له بها جعادا، فأبي أن يقبلها إلا جعادا كما أمر له، وتماحل هو المصدق في ذلك، وكتب ابن ميادة إلى الوليد يعلمه ذلك، وضمن كتابه هذين البيتين:
ألم يبلغك أن الحيّ كلباًأرادوا في عطيتك ارتدادا
أرادوني بها لونين شتىوقد أعطيتها دهماً جعادا
فكتب الوليد إلى المصدق يتوعده ويأمره أن يسلمها إليه - كما أمر - برعاتها وأدواتها. فأقبل يسوقها حتى أقبل بها على حيه.
واسمه الرماح بن أبرد، وميادة أمه، وكانت أم ولد، وهو من بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان ابن ميادة يضرب أمه في صباه ويقول:
اعر نزميمياد للقوافي
يريد أنه سيهجو الناس فيهجونه ويذكرون أمه.
وأبوه من ولد ظالم بن الحارث بن ظالم المري وهو القائل يفتخر بذلك:
سقتني سقاة من آل ظالمبأرشية أطرافها في الكواكب
وبقي ابن ميادة حتى أدرك أيام بني العباس. وقد مر على جعفر بن سليمان ابن علي وهو والي البصرة فأنشد:
يا جعفر الخيرات يا جعفرليتك لا تنعى ولا تقبر
فلما رأى جعفر ركاكة هذا الشعر وخفته قال: يا رماح. قال: لبيك أيها الأمير. قال: أتمدح الوليد بن يزيد الفاسق بمثل ذلك الشعر وتمدحني بمثل هذا؟ قال: أيها الأمير إن مدح الشاعر على قدر العطية. وما علي من فسق الوليد وقد أعطاني أربعمائة ناقة برعاتها وعبيدها وآلاتها؟ والله لا قلت أبداً أنه فاسق ولو ضربت عنقي فإن إحسانه يمنعني عن ذلك، فأعجبه ما رأى من شكره ووفائه للرجل بعد الموت وذهاب الدولة، فأمر له بأربعمائة ناقة، وقال له: قل الآن مثل شعرك الذي تقول فيه، فقال:
كنت امرأً أرمى الزوائل مرةفأصبحت قد ودعت رمى الزوائل
وعطلت قوس اللهو من شرعاتهاوصارت سهامي بين رثّ وناصل
إذا حل أهلي بالجناب وأهلهابمنعرج العلان من ذي أذابل
فقل: خلة ضنت عليك بوصلهاتقطع منها باقيات الوصائل
يمنونني منك الوصال وقد أرىبأني لا ألقاك من دون قايل
وما أنس من الأشياء لا أنس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنهرهين بأيام الشهور الأطاول
وكان ابن ميادة جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء، وكان مطبوعاً، وهو الذي يقول:
كأن فؤادي في يد علقت بهمحاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
وأشفق من وشك الفراق وإننيأظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوىإذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وما يغلب الهوىفمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
فهذه معان وألفاظ يعجز عنها أكثر الشعراء، فإنه قد جمع إلى اقتدار الأعراب وفصاحتهم محاسن المحدثين وملحهم، وهو القائل:
أقول لركب قافلين رأيتهمببئر سليم من صراد وأشجع
ألا إن بلغتم سالمين فأبلغواتحية مرميّ بسهمين موجع
ومما يختار له قوله
هاج البكاء وعاق منه صدوحخطباء باكية على التفراح
تدعو هديلا في ذرا عبريةعيناء ليس عيونها بصواح
ناحت بما علمت ولست بنائحوأبت على دأب الدلال بصاح
ومما يستحسن له قوله:
سل الله صبراً واعترف بفراقعسى بعد بين أن يكون تلاق
ألا ليتني قبل الفراق وبعدهسقاني بكأس للمنية ساق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع