من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أبي حية النميري
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني المبرد قال: حدَّثني ابن أبي حبرة قال: أبو حية النميري يروي عن الفرزدق، وهو من أهل البصرة، واسمه الهيثم بن الربيع، وكان من أكذب الناس. قال ابن أبي حبرة: وسمعته يوماً يقول: عن لي ظبي فرميته بسهم، فراغ الظبي عن سهمي، فعارضه السهم، ثم راغ، فراوغه والله السهم حتى قتله.
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدَّثني أبو المهزم الأعرابي قال:
كان لأي حية النميري سيف يسميه لعاب المنية. وكانت المغرفة أقطع منه، فدخل بيته كلب ليلة من الليالي من حيث لا يدري به، فلما حسه في البيت توهمه لصاً، فقام في البيت وقال: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، جئت والله إلى خير قليل، وسيف صقيل، ونفس تأبى الضيم وتأنف العار، جارها آمن، وعدوها خائف، أما سمعت بلعاب المنية - ثكلتك أمك - مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، يقرب الأجل. ويبطل الأمل. أما تخشى - إن كنت أوطأتك نفسك العشوة فينا، وسولت لك ما لا تجده فينا - إن أدع قساً ملأت عليك الأرض خيلاً ورجلاً. فيا طيبها وطيب كثرتها. ما أنت والله ببعيد من بائقتها، والرسوب في لجتها، إن أقمت وثبت على طغيانك، وإن هربت أدركتك.
فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له: الحمد لله الذي مسخك كلباً، وكفاني منك حرباً. ثم قعد لا يدخل البيت، فقيل له: ما لك لا تدخل؟ فقال: لعل اللص في البيت وهذا كلبه قد خرج.
ومما يستحسن لأبي حية النميري قوله:
ألا حي من بعد الحبيب المغانيالبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شيء لا يمل التقاضا
ويستحسن أيضاً قوله:
تجود لك العينان من ذكر ما مضىإذا ضن بالدمع العيون الغوارز
ألوفان ينهلان من غصص الهوىكما انهل شق غيبته الجوارز
يهيج لي نوح الحمام صبابةونوح مرنات شجتها الجنائز
لتفريق ألاف كأن عيونهاعيون المها جازت بهن الأماعز
أولئك من بعد الهوىتصدع شعب بينهم فتمايزوا
تركن بقلبي إذ نأين حزازةأبت أن تجلى إذ نجلي الحزائز
ومما يستحسن له قوله:
غراب ينادي يوم لا القلب عقلهصحيح ولا الشعب الذي أنصاع ملتقى
جزيت غراب البين شراً لطالماشجيت بتشحاج الغراب المطوق
ومن مختار قوله:
زمان الصبا ليت أيامنارجعن لنا الخاليات القصارا
ليالي رأسي غراب غداففطيرة الشيب عنّي فطارا
ولا يبعد الله ذاك الشبابوإن كان لا هو إلا ادكارا
فأصبح مونعه ممحلاجديباً خراباً يباباً قفارا
وإما مشايخ قد أفحشتفلا أنا أسطيع منها اعتذارا
أجارتنا إن ريب الزمان قبلي أفنى الرجال الخيارا
وهازئة إذ رأت كبرةًتلفع رأسي بها فاستنارا
فإما ترى لمتي هكذافأكثرت مما ترين النفارا
فقد اغتدى وهي هم الحسانوقد أسلب العطرات الخمارا
وقد كنت أسحب ذيل الصباوأرخى على العقبين الإزارا
ورقراقة لا تطيق القيام إلا رويداً وإلا ابتهارا
خلوت بها نتجارى الحديث شيئاً علانا وشيئاً سرارا
كأن على الشمس منها الخمارإذا هي لاثت عليها الخمارا
وكان أبو حية تزوج ابنة عم له. فتوفيت عنه. وكاد يخرج عليها من الدنيا. وأشعاره الجياد كلها فيها في وصفها في حياتها، ومراثيها بعد مماتها. وما رأيت ذكياً ولا عاقلاً ولا كاتباً ظريفاً إلا وهو يتمثل من شعر أبي حية النميري بشيء.
فمن ذلك قوله:
فلما أبت إلا اطراقاً بودهاوتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدروكيف يعاف الرنق من كان صادياً
وله أيضاَ:
استبق دمعك لا يود البكاء بهواكفف بوادر من عينيك تستبق
وما الدموع وإن جادت بباقيةولا الجفون على هذا ولا الحدق
ومن ذلك قوله:
وألقت قناعاً دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كفّ ومعصم
فراح وما يدري أفي طلعة الضحىتروح أم داجٍ من الليل مظلم
وله شعر جيد ولكن لا نخرج عن الذي رسمناه للكتاب.
توفي في حدود العشر والمائتين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع