من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار أبي الهندي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد الله بن ربعي بن شبث بن ربعي الرياحي. وقيل: اسمه غالب. من بني رياح بن يربوع بن حنظلة، وكان وقع إلى خراسان، واستوطن آخر عمره سجستان، وهو أحد الدهاة، فصيح جيد البديهة حاضر الجواب، وقد أدرك الدولتين وكان منهوماً بالشراب مستهتراً به، ويقال: إنه كان بخراسان يشرب على قارعة الطريق، فمر به نصر الليثي وإلي خراسان فقال له: ويحك يا أبا الهندي ألا تصون نفسك؟ قال: لو صنت نفسي أنا لما وليت خراسان.
حدثني أبو العميثل الشاعر قال: حدثني أبو الخنساء الشاعر قال: بكر أبو الهندي يوماً من الأيام إلى بيت خمار، وكان ينزل في سكة يقال لها كوى زيان، وتفسيرها بالعربية: سكة الخسران - وهي بسجستان، كان يباع فيها الخمر والفواحش، ويقال لها اليوم: سكة العدول والمستورين وأهل الصلاح - فقال أبو الهندي للخمار: " طربت إلى الصبوح فهاب عجل " فأتاه الخمار بعين الشراب وصفوه، فأعجبه حسن الشراب وعجل فسكر وما من أول النهار. ودخل إلى الخمار نفر فرأوا أبا الهندي فقالوا: من هذا المطروح على وجهه؟ قال: هذا أبو الهندي، اشتهى وأسرع فسكر ونام. فقالوا للخمار هات ما سقيته وعجل حتى نلحق به، وأتاهم به فشربوا حتى سكروا وناموا. فانتبه أبو الهندي عند العصر، فسأل عنهم الخمار: فقال: قوم دخلوا فرأوك مطروحاً، وسألوني عنك فأعلمتهم عن حالك، واشتاقوا إلى مثلها فسقيتهم من الشراب الذي شربته ما أرواهم، حتى صرعوا كما تراهم، قال أبو الهندي: ويحك عجل، قال: ما تشاء؟ قال: ألحقني بهم ولا تسقني إلا المكيال، حتى سكر ونام، فانتبه القوم فقالوا للخمار: هذا بعد نائم ونحن أفقنا؟ فحدثهم حديثه، فقالوا: ويلك ألحقنا به الساعة وأسرع. فجاءهم بالشراب فشربوا حتى سكروا فتجدلوا. وأقاموا كذلك عشرة أيام في حانة ذلك الخمار، لا يلتقون معه، ولا يلتقي معهم، كلما أفاق وجدهم مصروعين، وإذا قاموا وجدوه مصروعاً كذلك. ففي ذلك يقول:
ندامى بعد عاشرة تلاقواوضمهم بكوي زيان راح
رأوني في الشروق صريع كأسمعتقة وما متع الصباح
فقالوا: أيها الخمار من ذا؟فقال: أخ تخونه اصطباح
أدار الراح حتى أقصعتهفخر كأنه عود شناح
فقالوا: قم وألحقنا وعجلبه إنا لمصرعه نراح
وحان تنبهي فسألت عنهمفقال: أتى بهم قدر متاح
فقلت له: فسرع بي إليهمحثيثاً فالسراح هو النجاح
فما إن زال ذاك الدأب مناإلى عشر نفيق ونستباح
نقيم معاً وليس لنا تلاقببيت ما لنا منه براح
وذكر أنه مذ دخل سجستان إلى أن خرج منها ما فارق كوى زيان وفي ذلك يقول:
ثبت الناس على راياتهموأبو الهندي في كوى زيان
منزل يزري بمن حل بهتستحل الخمر فيه والزواني
إنما العيش فتاة غادةوقعودي عاكفاً في بيت خان
أشرب الخمر وأعصى من نهىعن طلاب الراح والبيض الحسان
في حياتي لذة ألهو بهافإذا مت فقد أودى زماني
وحدثني صالح بن إبراهيم قال: حدثني جعيفران الموسوس الشاعر: قال لي صدقة البكري: شرب أبو الهندي مع قوم في قرية من قرى مرو على سطح ليس لي ستر فسكر، وكان خبيث السكر والنوم، فلما جن الظلام ومضى من الليل ما مضى، وقد سكروا وأرادوا أن يناموا، خشوا على أبي الهندي أن يسقط من السطح، فربطوا في رجله حبلا وأوثقوا، وطولوا الحبل - لسكرهم - وشدوا طرف الحبل إلى شيء في السطح على غير عمد منهم. فقام أبو الهندي في بعض الليل ليبول، فسقط فتدلىّ من السطح وهم لا يشعرون، فلما أصبحوا وجدوه متدلياً ميتاً: وقال صدقة البكري: قرأت على قبر أبي الهندي هذه الأبيات:
اجعلوا إن مت يوماً كفنيورق الكرم وقبري معصره
وادفنوني وادفنوا الراح معيواجعلوا الأقداح حول المقبره
أنني أرجو من الله غدابعد شرب الراح حسن المغفرة
قال: ورأيت الفتيان يجتمعون عند قبره ويشربون ويصبون نصيبه على قبره.
ومما يختار لأبي الهندي كلمته التي تقول فيها:
مفدمة قزا كأن رقابهارقاب بنات الماء أفزعن بالرعد
جلتها الجوالي حين طاب مزاجهاوطيبنها بالبان والعنبر الوردي
تمج سلافاً من قوارير صفقتوطاسات صفر كلها حسن القد
كميتا ثوت في الدن تسعين حجةمشعشعة في شربها واجب الحد
عقار إذا ما ذاقها الشيخ أرعشتمفاصله وازداد وجداً إلى وجد
ويبكي على ما فاته من شبابهبكاء أسير في الصفاد وفي القد
تضمنها زق أزب كأنهكراسيع قطع من جهينة أو نهد
إذا أنفدوا ما فيه جاءوا بمثلهغطارفة أهل السماحة والمجد
فيومان يوم للأمير أزورهويوم لقرع الصنج والراح والنرد
ومما يستحسن له في الشراب واللهو والغزل:
يا لقومي فتنتني جارتيبعد ما شبت وأبلاني الكبر
وأتت لي سنوات أربعبعد ستين تقضت لي أخر
بعد ما كنت فتى ذا مرةبين غزلان أثارتها البطر
شيبة أنكرن حيناً شأنهاوأنا القرم إذا عدت مضر
حبذا الشرب بدارين إذابت أسقاها وقد غاب القمر
عندنا صناجة رقاصةوغلام كلما شئنا زمر
حسن العرنين ذو قصابةزانه شذر وياقوت ودر
وإذا قلت له قم فاسقناقام يمشي مشية الليث الهصر
وأتانا بشمول قهوةنتعاطاها بكاسات الصفر
وأباريق تناهت سعةوالذي في الكف ملثوم أغر
مثل فرخ هب في غبطلةحذر الصقر فأقعى ونظر
أو كظبي اللصب وافى مرقباحذر القانص صبحاً فنفر
فعلاً ثم استوى مرتبئاًقلة الطود على رأس الحجر
ومما يستحسن له، وإن كان شعره حسناً جيداً، ولا سيما إذا قال في الشراب قوله:
وفارة مسك من عذار شممتهايفوح علينا مسكها وعبيرها
سموت إليها بعد ما نام أهلهاغدواً ولما نلق عنها ستورها
سيغني أبا الهندي عن وطب سالمأباريق كالغزلان بيض نحورها
مفدمة قزا كأن رقابهارقاب الكراكي أفزعتها صقورها
مصبغة الأعلى كأن سرابهاذبائح أنصاب توافت شهورها
تلألأ في أيدي السقاة كأنهانجوم الثريا زينتها عبورها
يمج سلافاً من زقاق كأنهاشيوخ بني حام تحنت ظهورها
ومن جملة هذه الأبيات:
أقبلها فوق الفراش كأنهاصلاية عطار يفوح زريرها
إذا ذاقها من ذاق جاد بمالهوقد قام ساقي القوم وهناً يديرها
خفيفاً مليحاً في قميص مقلصوجبة خز لم تشد زرورها
وجارية في كفها عود بربطيجاوبها عند الترنم زيرها
إذا حركته الكف قلت: حمامةتجيب على أغصان أيك تصورها
تجاوب قمريا أغن مطوقاًشقائقه منشورة وشكيرها
إذا غردت عند الضحاء حسبتهانوائح ثكلى أوجعتها قبورها
وكأس كعين الديك، قبل صياحهشربت بزهر لم يضرني ضريرها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنهاأرى قرية حولي تزلزل دورها
ومما يستحسن له قوله:
شبت جدي وجدي مؤثرلم ينازعني عروق المؤتشب
من بني شيبان أصلي ثابتوبني يربوع فرسان العرب
أجمع المال وما أجمعهأطلب اللذة في ماء العنب
وأستبائي الزق من حانوتهشائل الرجلين معضوب الذنب
وإذا صبت لشرب خلتهاحبشياً قطعت منه الركب
ومنها:
يا خليلي اسقياني عفوهابالبواطي البيض ليست بالعلب
من شراب خسرواني إذاذاقه الشيخ تغنى وطرب
يترك القوم إذا ما طربوافي صياح ومراء وصخب
وإذا ما منتش قامت بهرفعوا الأوصال منه بالخشب
ثم ناحوا نوحة ثم بكواثم ضجوا ضحكاً، يا للعب
قال: وكان جماعة مثل أبي نواس والخليع وأبي هفان وطبقتهم إنما اقتدروا على وصف الخمر بما رأوا من شعر أبي الهندي، وبما استبطنوا من معاني شعره ومن هذه القصيدة قوله:
وهو منكب على جبهتهمزبد الشدقين مسترخي العصب
رفع الشرب له يافوخهبعد لأي ما تولى وانقلب
ساعة ثم دعوه باسمهفأجاب المرء صوتاً ووثب
ينفض الرأس، عليه غبرةمن تراب ورماد وقتب
وأتوه بطهور طيبليصلي فتلكا وقطب
أين ما رجله زكرتهيتوسدها وطنبور طرب
وسراويل له مرفوعةحلق النيفق منها قد ذهب
ولأبي الهندي أيضاً:
اصبب على كبدك من بردهاإني أرى الناس يموتونا
ودع أناساً كرهوا شربهاليسوا بما في الخمر يدرونا
لو شربوها فانتشوا مرةلأصبحوا بالخمر يهذونا
وقد عهدت الناس إذ دهرهمدهر يلوطون ويزنونا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع