من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
بين البديع وأبى القاسم الهمذانى
وكتب أبو القاسم الهمذانىّ إلى البديع: قد كتبت لسيدى حاجة إن قضاها وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفلّ شباها لقى مرارة الاستبطاء، فأى الجودين أخفّ عليه؟ أجود بالعلق، أم جود بالعرض؟ ونزول عن الطريف، أم عن الخلق الشريف؟
فأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وعيد، ولقم، إلا أنها نقم، ولم أر قدرا أكثر منها عظما، ولا آكلا أكثر منى كظما، ولم أر شربة أمرّ منها طعما، ولا شاربا أتمّ منى حلما، ما هذه الحاجة؟ ولنكن حاجتك من بعد ألين جوانب، وألطف مطالب، توافق قضاءها وترافق ارتضاءها، إن شاء الله تعالى.
وفى مقامات أبى الفتح الإسكندرى من إنشائه، قال:
حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلّنى جامع بخارى يوم، وقد انتظمت مع رفقة فى سمط الثريّا، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين، قد أرسل صوانا، واستتلى [طفلا] عريانا، يضيق بالضرّ وسعه، ويأخذه القرّ ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يلتقى لحياه رعدة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلّا من رحم طفله، ولا يرقّ لهذا الضّر إلا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور المنجّدة، والقصور المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السّكباج، وركبنا الهملاج، ولبسنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب الدهر بغدره، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهملاج قطوفا، وانقلب الديباج صوفا، وهلمّ جرا، إلى ما تشاهدون من خالى وزيّى؛ فها نحن نرضع من الدهر ثدى عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، ولا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا نمد إلا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنا غياهب هذه البؤوس، ويفلّ شبا هذه النحوس؟. ثم قعد مرتفقا، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، وهذا الكلام لو لقى الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنىء! قد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بى ولده، واذكرونى أذكركم، وأعطونى أشكركم! قال عيسى بن هشام: فما آنسنى فى وحدتى إلا خاتم ختّمت به خنصره، فلما تناوله أنشأ يقول:
وممنطق من نفسهبقلادة الجوزاء حسنا
كمتيمّ لقى الحبيب فضمّه شغفا وحزنا
متألّف من غير أسرتهعلى الأيام خدنا
علق سنىّ قدرهلكنّ من أهداه أسنى
أقسمت لو كان الورىفى المجد لفظا كنت معنى
قال عيسى بن هشام: فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه، فإذا والله شيخنا الإسكندرى، وإذا الصبىّ غلام له، فقلت:
أبا الفتح شبت وشبّ الغلامفأين الكلام، وأين السلام؟
فقال:
غريبا إذا جمعتنا الطريقأليفا إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنه كره لقائى، فتركته وانصرفت.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع