من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
مع الخلفاء
وقال المأمون لأحمد بن أبى خالد، وهو يخلف الحسن بن سهل، وقد أشار إليه برأى استرجحه: قد اعتلّ الحسن ولزم بيته، ووكل الأمر إليك، فأنا إلى راحته وبقائه، أحوج [متى] إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيت أن أستوزرك؛ فإن الأمر له ما دمت أنت تقوم به، وقد طالعت رأيه فى هذا الأمر، فما عداك. فقال:
يا أمير المؤمنين، أعفنى من التسمّى بالوزارة، وطالبنى بالواجب فيها، واجعل بينى وبين الغاية ما يرجو بى له ولّيى، ويخافنى له عدوّى، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بد من ذلك، واستوزره.
ورأى المأمون خطّ محمد بن داود فقال: يا محمد، إن شاركتنا فى اللفظ، فقد فارقناك فى الخطّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبى ﷺ أنه أدّى عن الله ﷾ رسالاته، وحفظ عنه وحيه، وهو
أمّى لا يعرف من فنون الخط فنّا، ولا يقرأ من سائره حرفا، فبقى عمود ذلك فى أهله، فهم يشرفون بالشّبه الكريم فى نقص الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته؛ وإن أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول الله ﷺ، والوارث لموضعه، والمتقلّد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتنى لا آسى على الكتابة، ولو كنت أمّيا.
وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب شعرا، وهى أشرف العرب بيتا؟ قال: لأنّ كون رسول الله ﷺ منها قطع متن الشعر عنها.
وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنّا فى مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردّها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعل فإن ردّ العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا فى العنق. فقال بعض ولد المهدى: ما أحسنها من مولّى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما فى ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبى إلى إصلاحها، فقال هشام: إنّا لا نتّخذ الإخوان خولا ! فالذى قال هشام أحسن مما قلته. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: إنّ هشاما يتكلّف ما طبعت عليه، [ويظلم] فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله ﷺ، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبيانى:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كل ملك دونها يتذبذب
لأنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب
أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة:
تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوالعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلتعلى كل ضوء والملوك كواكب
قال يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط فى تقديمى، وتطامنت عن الدرجة التى سما بك إليها مكانك منى؟
فقال: [أيد الله سلطانك، وأعلى مكانك]، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منا، وأكثر للزمان صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط، وبقدر السموّ فى الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين وإن كنت آمنا من التعرض لسخطك والدنوّ مما يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوى فى الدرجة عندك، وحقر المشارك لى فى المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، [والثناء] والذكر، وحسبى مما بذلته من أموالك استحقاقى عندك لإكرامك، وحسبى من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع