من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من الرثاء
وفى يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيّته، وقد رويت له فى يزيد بن أحمد السلمى:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحهخطرا تقاصر دونه الأخطار
نفضت بك الأحلاس نفض إقامةواسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنةأثنى عليها السهل والأوعار
سلكت بك العرب السبيل إلى العلاحتى إذا سبق الرّدى بك حاروا
وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبى عطية يرثى أخاه:
حنّطته يا نصر بالكافوروزففته للمنزل المهجور
هلّا ببعض خصاله حنطتهفيضوع أفق منازل وقبور
والله لو بنسيم أخلاق لهتعزى إلى التقديس والتطهير
حنّطت من وطئ الحصى وعلا الربىلتزوّد بل عدّة لنشور
فاذهب كما ذهب الشباب فإنه[قد كان خير مجاور ومجير]
[واذهب كما ذهب الوفاء فإنه]عصفت به ريحا صبا ودبور
والله ما أبنته لأزيدهشرفا ولكن نفثة المصدور
ومات رجل من العرب كان يعول اثنى عشر ألفا، فلما حمل على سريره صرّ، فقال بعض من حضر:
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنه أصلاب قوم تقصّف
وليس فتيق المسك ما تجدونهولكنه ذاك الثناء المخّلف
وقال عبد الله بن المعتز فى عبيد الله بن سليمان بن وهب يرثيه:
يا بن وهب بالكره منّى بقيتعجبى يوم متّ كيف حييت
إنما طيّب الثناء الذى خلفتلا مسك نعتك المفتوت
واختصرت الطريق بعدك للموت فلاقيته ولست أفوت
كيف يبقى على الحوادث حىّبيد الدّهر عوده منحوت
وقال أيضا:
ذكرت ابن وهب فلله ماذكرت وما غيّبوا فى الكفن
تقطّر أقلامه من دمويعلم بالظنّ ما لم يكن
وظاهر أطرافه ساكنوما تحته حركات الفطن
وقال:
ذكرت عبيد الله والترب دونهفلم تحبس العينان منّى بكاهما
وحاشاه من قول «سقى الغيث قبره»يداه تروّى قبره من نداهما
وهذا مأخوذ من قول الطائى:
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصهوإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالى للسحاب صنيعةبإسقائها قبرا وفى لحده البحر
وقال ابن المعتز:
لم تمت أنت، إنما مات من لميبق فى المجد والمكارم ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثاكيف يظما وقد تضمّن بحرا
والبيت الثانى من هذين من بيت الطائى.
وقال:
محمد بن حميد أخلقت رممهأريق ماء المعالى إذ أريق دمه
رأيته بنجاد السيف محتبياكالبدر حين انجلت عن وجهه ظلمه
فى روضة حفّها من حولها زهرأيقنت عند انتباهى أنها نعمه
فقلت والدمع من وجد ومن حرقيجرى وقد خدّد الخدين منسجمه:
ألم تمت يا سليل المجد من زمن؟فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمه
وقال بعض أهل العصر:
عمر الفتى ذكره، لاطول مدّتهوموته موته لا موته الدّانى
فأحى ذكرك بالإحسان تزرعهتجمع به لك فى الدنيا حياتان
وقال عبد السلام بن رغبان الحمصى:
سقى الغيث أرضا ضمّنتك وساحةلقبرك فيه الغيث والليث والبدر
وما هى أهل إذ أصابتك بالبلىلسقيا، ولكن من حوى ذلك القبر
أخذ هذا البيت [الأول] الراضى فقال يرثى أباه المقتدر:
بنفسى ثرى ضمّنت فى ساحة البلىلقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا
فلو أنّ عمرى كان طوع مشيئتىوأسعدنى المقدور قاسمتك العمرا
ولو أنّ حيّا كان قبرا لميتلصيّرت أحشائى لأعظمه قبرا
هذا البيت ينظر إلى قول المتنبى:
حتى أتوا جدثا كأن ضريحهفى قلب كلّ موحّد محفور
لما حملت قطر الندى بنت خمارويه بن [أحمد بن] طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكره بحرمة سلفها [بسلفه]، ويذكر ما ترد عليه من أبّهة الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لما زفّت إليه مبلغا عظيما، وسرّ بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله ابن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطّه، فسأله أبو الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل؛ وغاب أياما وأتى بنسخة يقول فى فصل
منها: وأمّا الوديعة فهى بمنزلة شىء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يعجب من حسن ما وقع له من هذا، وقال: تسميتى لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله:
ما أقبح هذا! تفاءلت لامرأة زفّت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة.
وقولك «من يمينك إلى شمالك أقبح» لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت: «وأما الهدية فقد حسن موقعها منّا، وجلّ خطرها عندنا؛ وهى وإن بعدت عنك، بمنزلة من قربت منك؛ لتفقّد نالها، وأنسنابها، ولسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن، فنفذ الكتاب.
وكانت قطر الندى مع جمالها موصوفة بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوما للأنس بها فى مجلس أفرده لم يحضره غيرها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقل وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست فى ساحة القصر على باب المجلس، فاستيقظ فلم يجدها، فاستشاط غضبا، ونادى بها فأجابته على قرب، فقال: ما هذا؟ أخليتك إكراما لك، ودفعت إليك مهجتى دون سائر حظاياى، فتضعين رأسى على وسادة! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علىّ، وأحسنت فيه إلىّ، ولكن فيما أدّبنى به أبى أن قال لى:
لا تنامى مع الجلوس، ولا تجلسى بين النيام.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع