تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

رجع إلى عبد الملك بن صالح

وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن على، وكان بليغا جهيرا فاضلا عاقلا.

وقال الجاحظ: قال لى عبد الرحمن مؤدّب عبد الملك بن صالح: قال لى عبد الملك، بعد أن خصّنى وصيّرنى وزيرا بدلا من قمامة: يا عبد الرحمن، انظر فى وجهى؛ فأنا أعرف منك بنفسك ولا تسعدنى على ما يقبح؛ دع [عنك كيف الأمير؟]، وكيف أصبح الأمير؟ وكيف أمسى؟ واجعل مكان التقريظ حسن الاستماع

منى، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، وإذا حدّثتك حديثا فلا يفوتنّك شىء منه؛ وأرنى فهمك فى طرفك؛ إنى اتخذتك وزيرا بعد أن كنت معلّما، وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مبعدا، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه.

وساير الرشيد عبد الملك، فقال له قائل: طأطىء من إشرافه، واشدد من شكائمه، وإلّا فسد عليك، فقال له الرشيد: ما يقول هذا؟ قال: حاسد نعمة، ونافس رتبة، أغضبه رضاك عنى، وباعده قربك منى، وأساءه إحسانك إلىّ.

فقال له الرشيد: انخفض القوم وعلوتهم؛ فتوقّدت فى قلوبهم جمرة التأسّف.

فقال عبد الملك: أضرمها الله بالتزيّد عندك! فقال الرشيد: هذا لك وذاك لهم.

وصعد المنبر، فأرتج عليه فقال: أيّها الناس، إن اللسان بضعة من الإنسان تكلّ بكلاله إذا كلّ، وتنفسح [بانفساحه] إذا ارتجل، إن الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام، وإنا لا نسكت حصرا، ولا ننطق هذرا؛ بل نسكت مفيدين، وننطق مرشدين، وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامنا أيّام، بها فصل الخطاب، ومواقع الصواب، وسأعود فأقول، إن شاء الله تعالى وقال الأصمعى: كنت عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه، فقال: يا عبد الملك، أكفرا بالنّعمة، وغدرا بالسلطان، ووثوبا على الإمام؟

فقال: يا أمير المؤمنين، بؤت بأعباء الندم، واستحلال النّقم، وما ذاك إلّا من قول حاسد، ناشدتك الله والولاية، ومودّة القرابة. فقال الرشيد: يا عبد الملك، تضع لى لسانك، وترفع لى جنانك، بحيث يحفظ الله لى عليك، ويأخذ لى منك، هذا كاتبك قمامة ينبىء عن غلّك، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان قائما، فقال:

أحقّا يا قمامة؟ قال: حقّا، لقد رمت ختر أمير المؤمنين! فقال عبد الملك:

وكيف لا يكذب علىّ يا أمير المؤمنين فى غيبتى من يبهتنى فى حضرتى؟

فقال الرشيد: دع قمامة، هذا ابنك عبد الرحمن ينبىء عنك بمثل خبر قمامة، فقال عبد الملك: إنّ عبد الرحمن مأمور أو عاقّ؛ فإن كان مأمورا فهو معذور، وإن كان عاقا فما أتوقّع من عقوقه أكثر.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.