من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار البطين
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدثني أبو ريحان قال: قال لي سليمان بن علي: كان طول البطين اثني عشر شبراً بأتم ما يكون من أشبار الناس، ولم ير في زمانه أحد أطول منه، وكان يرعب من رآه. وكان مع ذلك قبيح الوجه، فكان إذا أقبل لا يشك من يراه أنه شيطان، حتى يحاوره فيصيب منه آدب الناس وأفصحهم، وكان مع ذلك فاسقاً معلناً بفسقه، وكان أحمق خلق الله مع ذلك الأدب والفصاحة.
حدثنا أبو عدنان قال: حدثنا عبد الصمد بن إبراهيم الخزري قال:
عشق البطين جارية من أهل الرملة يهودية، فرام تزوجها، فأبى قومها أن يزوجوه لإسلامه، فلما رأى امتناعهم بذلك السبب تهود، ومكث على اليهودية سنين حتى تزوجها، ثم عاد إلى الإسلام. وفي البطين يقول أبو خالد الغنوي:
وإن حراً أدى البطين بزحرةٍولم تنفتق أقطاره لرحيبُ
وإن زماناً أنطق الشعر مثلهوأدخله في عدنا لعجيب
ويحشر يوم البعث أما لسانهفعي وأما دُبره فطيب
وحدثنا عن الخصيبي قال: قال البطين - وكان من أهل حمص - لما خرج أبو نواس من العراق يريد مصر زائراً للخصيب، وبلغنا أنه يجتاز بنا، لم أزل أترقب وروده حمص، حتى قيل: قد وفد، فمضيت إلى الحان فإذا برجل له هيئة، في إزار مُعصفر، وهو جالس على درجة الحان، في يده جردق من جرادق يفركها ويطرحها للعصافير، فسلمت عليه وقلت: أين نزل أبو نواس؟ قال: ويحك ألا نظرت إلى مظلمة الكفر، فلا تحتاج إن تسأل؟ فمضيت به إلى منزلي، فأقام عندي أياماً ثم شيعته أميالاً.
وكان جيد الشعر محكمه، يشبه نمطه نمط الأعراب. وهو القائل:
لم أقل عند الكريهة ياليتني في الخفض والدعة
بل تسربلتُ الحفاظ علىميت، في الصدر لم يمت
وحسام لا يطيق صداًكانصباب الكوكب الكفتِ
وُصلتْ بالموت هبتهكاتصال السم بالحمة
فهو ما أحببت من وزرٍمطرق ما لم يهج حفتِ
يا أبا العباس ليس علىجمجمات البين من صلتِ
مُنيتْ نفسي بواحدةمنك لم تدرك ولم تفت
رعية العهد التي وصلتبقواها قوة المقة
فأذني من إضاعتهاإن هذاك من الضعة
لم يزل شكريك متصلاًبلساني لك والشفة
فإذا قابلت معضلةكنت مصغاتي وملتفتي
وله أيضاً:
ذروني وكلباً أنني اليوم إلبهاكما هي لي في كل نائبة إلبُ
ألا لا أبالي عتب من كان عاتبايمر برأسي دون ما رضيت كلبُ
ومما يستحسن له قوله:
لله قلب سما بحبكملم يألُ في مرتقاه مرتفعا
لم يضع الحب غير موضعهولا سعى في السلوحين سعى
أحببت قلبي لما أحبكموصار أمري لأمره تبعا
وهذا معنى بديع قلما يرزق الشاعر مثله، وفيها يقول:
شيعت قلبي إلى مشيئتهمتبعاً في الهوى ومتبعا
ورب قلب يقول صاحبهتعساً لقلبي فبئس ما صنعا
يا من تعريتُ من تعطفهومن كساه وتعطفي خلعا
ما هبت الريح من بلادكمإلا تقطعت إثركم قطعا
ولا استقلت من نحو بلدتناإلا تمنيت أن نكون معا
ومما يستحسن له قوله أيضاً، وهي أيضاً كأنها أعرابية:
رميننا خمسة ورموا نُعيماًوكان الموت للفتيان زينا
فلما لم ندع ندباً ورمحابركنا للكلاكل فارتمينا
فإنك لو رأيت بني أبيناوشدتهم وعكرتهم علينا
لعمر الباكيات على نعيملقد عزت رزيته علينا
فلا تبعد نعيم فكل حيسيلقى من صروف الدهر حينا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع