من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار عوف بن محلم الخزاعي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قال أبو عبد الله: هذا إنما هو من بني سعد، والشيباني غيره.
وكان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، وكان طاهر بن الحسين ابن مصعب قد استخصه واختاره لمنادمته، فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر، وكان إذا سافر فهو عديله يحادثه ويسامره، وإذا أقام فهو جليسه يذاكره العلم ويدارسه، وكان طاهراً أديباً شاعراً يحب الأدب وأهله. وكان لا ينفق عنده شيء من متعة الدنيا كما ينفق الأدب، وكان عوف من أهل حران. وقال قوم: من رأس العين. وأقام مع طاهر ثلاثين سنة لا يفارقه، حتى ليسأله كثيراً أن يأذن له في الإلمام بأهله والخروج إلى وطنه، فلا يجيبه إلى ذلك، وكان يعطيه الجزيل حتى كثرت أمواله، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، ويتمتع بما قد اقتناه ببلده. فلوى عبد الله بن طاهر عليه يده، وتمسك به، وأنزله فوق منزله التي كانت من أبيه - وكان من آدب الناس وأعلمهم بأيام العرب وأجودهم قولاً للشعر - فعاد معه عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر، واجتهد في التخلص فلم يقدر على ذلك، حتى خروج عبد الله بن طاهر من العراق يريد خراسان، وعوف عديله في قبة يسامره ويحادثه. فلما شارفوا الري، وقد أدلجوا سحرة، إذا بقمري يغرد على سروة. بأشجى صوت وأرق نغمة، فالتفت عبد الله إلى عوف فقال: يا أبا ملحم، أما تسمع هذا الصوت؟ ما أرقه وأشجاه! قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
قال عوف: أحسن والله أبو كبير وأجاد أيها الأمير. كان في هذيل أربعون شاعراً مذكوراً محسناً سواء المتوسطين، وكان أبو كبير، من أظهرهم وأقدرهم على القول.
قال عبد الله: عزمت عليك إلا أجزت هذا البيت. قال عوف: أصلح الله الأمير، شيخ مسن وأحمل على البديهة، وعلى معارضة مثل أبي كبير، وهو من قد علمت؟ قال عبد الله: عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلا فعلت. فأنشأ يقول:
أفي كل عام غربة ونزوحأما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبيفهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامةفنحت وذو اللب الحزين ينوح
على أنها ناحت فلم تر عبرةونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوىفتضحي عصا التسيار وهي طريح
فإن الغني يدني الفتى من صديقهوعدم الغني للمعسرين طروح
فاستعبر عبد الله ورق له لما سمع من تشوقه إلى أهله وبلده، فقال: يا بن محلم ما أحسن ما تلطفت لحاجتك، واستأذنت في الرجوع إلى أهلك وولدك! وإني بك لضنين، وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت مكانك هذا حتى ترجع إلى أهلك وولدك. وأمر له بثلاثين ألف ردهم نفقة، ورده إلى موضعه ذلك. وذلك حيث يقول:
يا بن الذي دان له المشرقانوألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالشطاط انحناوكنت كالصعدة تحت السنان
وعوضتني من زماع الفتىوهمه هم الهجين الهدان
وهمت بالأوطان وجدا بهاوبالغواني، أين من الغوان
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةأوطانها حران فالرقمتان
سقى قصور الشادياخ الحيامن بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بهاأن تتخطاها صروف الزمان
وهذه القصور التي ذكرها في شعره كلها بمرو ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف قد ألفها لكثرة غشيانه إياها، ومقامه معهم فيها، ولذلك يدعو لها. ثم ودع عبد الله وخرج من عنده على أيسر حال، فلما كان في بعض الطريق عاجلته منيته فلم يصل إلى أهله، واتصل الخبر بعبد الله فاشتد ذلك عليه وجزع له.
وفي عبد الله بن طاهر يقول عوف يمدحه:
إليك فما حظي لغيري بصائرولا أجلي إن حم عني بقاصر
أعف وأستغني وإني لمقترفتستر عفاتي عليّ مفاقري
وإني ليأتيني الغنى غير ضارعفأدنو به من صاحبي ومجاوري
لساني وقلبي شاعران كلاهماولكن وجهي مفحم غير شاعر
ولو كان وجهي شاعراً أكسب الغنىولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يختشي أن يخدش الذم عرضهولا يتقي حد السيوف البواتر
غليل وقد أوردت دلوي ببحرهولا عيب في ورد البحور الزواخر
وقال يذكر عبد الله وأجداده:
بنو مصعب للملك في السلم زينةوفي الحرب دون الملك بيض بواتر
وحول رواق الملك من آل مصعبليوث لأعناق الليوث هواصر
فما حال عن ود الخليفة طاهرولا زال حتى غيبته المقابر
وخلف عبد الله للملك ناصراًوهل مثل عبد الله للملك ناصر
فتى لو أسرت نفسه كفر نعمةلحاربها حتى تصح الضمائر
ومما سار له في الدنيا قوله الطاهر، إذ وقف على الجسر وطاهر في حراقة ينحدر إلى دار السلطان، فقال عوف رافعاً صوته:
عجبت لحراقة ابن الحسين كيف تسير ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحدوآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانهاوقد مسها كيف لا تورق
وكان عوف بن محلم سخيا على الطعام جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم، ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم.
وقدم مرة شاعر على عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير - واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل - فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك؟ أيقبل مثل هذا حر؟ وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم أنصحك؟ ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر؟ فلما دخل عوف على عبد الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا؟ قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.
وفي ذلك يقول عوف:
أنشدني روح مديحاً لهفقلت: شعر؟ قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشداكأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمتهوالثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره - على أنه كله مختار ليس فيه بيت ساقط. ولا ناقص -:
وكنت إذا صخبت ديار قومصحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهموأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعينعليها من عيونهم غطاء
ومما يختار له قوله:
وصغيرة علقتهاكانت من الفتن الكبار
كالبدر إلا أنهاتبقي على ضوء النهار
قالت غبار قد علاك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملوك إلى القبور من الديار
يا هذه أرأيت ليلاً يستنير بلا نهار
قالت: ذهبت بحجتيعني بحسن الإعتذار
ومما يختار له أيضاً قوله:
وليلتنا طابت وطاب بها الهوىإلى أن بدا أو كاد منسلخ الفجر
فما عدلتها ليلة ذات نعمةولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
إذا هي قيست بالليالي وجدتهايكاد يساوي فضلها ليلة القدر
تمليتها حتى الصباح بطفلةمصورة أبهى من الشمس والبدر
قتول بعينيها خلوب بدلهاسلوب لألباب الرجال وما تدري
ومما يروى له ويستحسن قوله:
سألت المحبين الذين تجشمواتباريح هذا الحب في سالف الدهر
فقلت لهم: ما يذهب الحب بعدماتنشب ما بين الجوانح والصدر
فقالوا: شفاء الحب حب تفيدهلآخر أو نأى طويل على الهجر
أو اليأس حتى تذهل النفس بعد مارجت طمعاً واليأس عون على الصبر
قعيدك من حب أمالك رحمةولا بك عني من توان ولا فتر
وقتلتني حيناً وحيناً أعشتنيفأفنيت عمري بالأمانة والنشر
ومما يستحسن له وهو من السائر المشهور له قوله:
فما زالت الكأس تغتالهاوتذهب بالأول الأول
إلى أن توافت صلاة العشاءونحن من السكر لم نعقل
فمن كان يعرف حق النعيموحق الجليس فلا يجهل
وما إن جرت بيننا مزحةتهيج مراء على السلسل
ومما يختار له أيضاً قوله:
وإني لذو حلم على أن سورتيإذا هزني قوم حميت بها عرضي
وإن طلبوا ودي عطفت عليهمولا خير فيمن لا يئول ولا يغضي
وما كل ذي غش يضرك غشهولا كل من يؤتى كرامته يرضي
ومعترض في القول غربت قولهوقلت له ليس القضاء كما يقضي
ركبت به الأهوال حتى تركتهبمنزل ضنك لا يكد ولا يمضي
وإني لأجزي بالكرامة أهلهاوبالحقد حقداً في الشدائد والخفض
ومما يختار له قوله:
وإني لمن أحببت حبي دائمولست بذي لونين أسود أبلق
مدوف يرى الخلان منه تظرفاًله خلق عند البلاء ممزق
يخالط إخواناً له بملاقةوثر الأخلاء الخئون المملق
وإني لأستحيي الصديق وأتقيوكل امرئ لا يتقي الدمم أحمق
ومما سار له قوله:
ما ينزل الله بي أمراً فأكرههإلا سينزل بي من بعده الفرجا
يا رب أمرين قد فرجت بينهمامن بعد ما اشتبكا في الصدر واعتلجا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع