من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار علي بن جبلة ويعرف بالعكوك
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدَّثني محمد بن يزيد المبرد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف، وكنت لا أدخل عليه إلا تلقاني ببشره، ولا أخرج من عنده إلا أتبعني ببره، فلما كثر ذلك هجرته أياماً حياء منه، فبعث إلي أخاه معقلاً فقال: يقول لك الأمير: لم هجرتنا وقعدت عنا؟ إن كنت رأيت تقصيراً فيما مضى فاعذرنا فإنا نتلافاه فيما استقبل، وأزيد فيما تحب من برك، فكتبت معه إلى أبي دلف بهذه الأبيات:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةوهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكنني لما أتيتك زائراًوأفرطت في بري عجزت عن الشكر
قم الآن لا آتيك إلا مسلماًأزورك في الشهرين يوماً أو الشهر
فإن زدتني براً تزيدت جفوةفلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر
قال: فلما نظر فيها معقل استحسنها - وكان أديباً شاعراً. يقدم في الأدب على أبي دلف - فقال لي: جودت والله أحسنت. أما إن الأمير سيعجب بهذه المعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ:
ألا رب ضيف طارق قد بسطتهوآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجيني فما حال دونهودون القرى والعرف من نائلي ستري
فلم أعد أن أدنيته وابتدأتهببشر وإكرام وبر على بر
وزودته مالاً يرجى نفادهوزودني مدحاً يقيم على الدهر
ووجه إليّ الأبيات مع وصيف وألف دينار، وذلك حيث يقول علي بن جبلة في قصيدته الغراء، التي سارت في العرب والعجم، وهي التي يقول فيها:
إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولي أبو دلفولت الدنيا على أثره
حدثني ابن أبي جرير بن جبلة قال:
كل من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفولت الدنيا على أثره
استشاط من ذلك وغضب وقال: ويلي على ابن الفاعلة يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف، وطلبه فهرب إلى الجزيرة. فكتب في طلبه وأخذه، فحمل إليه، فلما صار بين يديه قال: يا ابن اللخناء، أنت القائل للقاسم بن عيسى:
كل من في الأرض من عرببين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
فقال: يا أمير المؤمنين، عنيت أشكال قاسم وأشباهه من الناس، فأما أنتم فقد أتاكم الله بالفضل عن سائر عباده، لأنه اختصكم بالفضل والنبوة والكتاب والحكمة، وجمع لكم إلى ذلك الخلافة والصلاة والملك. وما زال يستعطفه حتى عفا عنه.
وقال بعض الرواة - منهم ابن أبي فنن -: بل قتله. وذلك أنه قال: أما إني لا أستحل دمك بهذا القول. ولكن أستحله بكفرك وجرأتك على الله، إذ تقول في عبد مهين، تسوي بينه وبين رب العالمين، حين تقول:
أنت الذي تنزل الأيام منزلهاوتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحدإلا قضيت بأرزاق وآجال
قال: فأمر فأخرج لسانه من قفاه، ثم قتله. والأولى عندنا أثبت، إنما مات علي بن جبلة حتف أنفه. والقصيدة هذه:
ذاد ورد الغي عن صدرهفارعوى، واللهو من وطره
وأبت إلا الوقار لهضحكات الشيب في شعره
ندمي إن الشباب مضىلم أبلغه مدى أشره
انقضت أيامه سلمالم أهج حربا على غيره
حسرت عني بشاشتهوذوي اليانع من ثمره
وصغت أذني لزاجرهاولما تشجي لمزدجره
إذ يدي تعصي بقوتهالا ترى ثأراً لمثئره
والصبا سرح أطيف بهفأصيب الأنس من نفره
ترعوي باسمي مسارحهويلي ليلى بنو سمره
وغيور دون حوزتهحزت خلف الأمن من حذره
ودم أهدرت من رشإلم يرد عقلاً على هدره
بات يدني لي مقاتلهويفديني على نفره
فأتت دون الصبا هنةٌقلبت فوقي على وتره
جارنا ليس الشباب لمنراح محنياً على كبره
ذهبت أشياء كنت لهاصارفاً حلمي إلى صوره
طرقت تلحى فقلت لهامذهب ما أنت من سوره
قدك من موف على أملتحسر الأبصار عن نظره
إن من دون الغني جبلاًستكوس العيس في وعره
يتناصلن السرى قذفاًقد كساها الميس من قتره
كم دجى ليل عسفن بهيبتعثن الصبح من كسره
يتفرى عن مناسمهاكتفري النار عن شرره
دع جدا قحطان أو مضرفي يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلاًعصر الآفاق من عصره
المنايا في مناقبهوالعطايا في ذرا حجره
هضم الدنيا بنائلهوأقال الدين من عثره
ملك تندى أناملهكابتسام الروض عن زهره
مستهل عن مواهبهكانبلاج النوء عن مطره
عقد الجد الأمور بهحين لم ينهض بمتعره
فكفاها واستقل بهالم تصف وهناً قوي مرره
جبل عزت مناكبهأمنت عدنان في ثغره
إنما الدنيا أبو دلفبين معراه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفولت الدنيا على أًثره
لست أدري ما أقول لهغير أن الأرض في خفره
يا دواء الأرض إن فسدتومجير اليسر من عسره
رب ضافي الأمن في وزرقد أبت الخوف في وزره
وابن خوف في حشا خمرنشته بالأمن من خمره
وزحوف في مواكبهكصياح الحشر في أمره
قدته والموت مكتمنفي مذاكيه ومشتجره
فغدا جيلوه عنه وقدطوت المنشور من بطره
زرته والخيل عابسةتحمل البوسي إلى عقره
خارجات تحت رايتهاكخروج الطير من وكره
فأبحت الليل عقوتهوقريت الطير من جزره
وعلى النعمان صفوتهافأقمت الميل من صعره
غمط النعمان صفوتهافرددت الصفو في كدره
وبقرقور أدرت رحاوقعة فلت شبا أشره
وتأنيت البقاء لهفأبى المحتوم من قدره
وطغى حتى رفعت لهخطة شنعاء من ذكره
قال أحمد بن محمد المظفر: قال لي شيخ من بني عجل من آل أبي دلف: كان قرقور هذا صعلوكاً، يقطع حوالي عمل أبي دلف، وكان شجاعاً بطلاً، لا يقاومه أحد، وكان قطع على مال جليل كان حمل إلى أبي دلف من بعض النواحي، وقتل فرساناً كانوا مع ذلك المال، فطلبه أبو دلف فلم يقدر عليه، وذلك أنه لم يكن يقيم في موضع ينسب إليه أو يعرف به إنما كان يصبح بمكان، ويمسي بمكان غيره، فضلت فيه حيلة أبي دلف، وطال عليه أمره، وكان أكثر ما يقطع وحده، وليس معه غير غلامين، وخرج يوماً أبو دلف يتصيد. وانقطع عن أصحابه في وحش طرده، حتى دفع إلى ثنية جبل، فلم يشعر حتى أقبل قرقور على فرس جواد يخرق الأرض خرقاً، فلما نظر إليه أبو دلف سقط في يده، فإنه كان وحده وكان قرقور لا تقوم له فوارس مثل أبي دلف، وعلم أنه إن ولي عنه هلك، فحمل عليه أبو دلف ونادى: يا فتيان، اليمن اليمن. فظن قرقور أن معه خيلاً قد كمنوا له فدهش وولى هارباً، وأتبعه أبو دلف حتى وضع رمحه في ظهره، واعتمد عليه حتى أخرجه من صدره، ثم صرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وأدخله الكرج على رأس رمح. فذلك قول علي بن جبلة:
وطغى حتى رفعت لهخطة شنعاء من ذكره
ويقال: إن رمحه حمل بين اثنين حتى أدخل الكرج.
ومن القصيدة:
أيّ يوميك اعتزيت لهاستضاء المجد من قتره
لو رميت الدهر عن عرضثلمت كفاك من حجره
صاغك الله أبا دلفصيغة في الخلق من خيره
كل من في الأرض من عرببين باديه إلى حضره
مسعير منك مكرمةيكتسيها يوم مفتخره
وقد سارت هذه في أبي دلف مسير الشمس والريح، وأخذ منه بها مالاً جليلاً.
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثني ابن رزين قال: ولد علي بن جبلة أعمى. وقال غيره: بل كف بصره وهو صبي. وحدثني أبو حفص البصري قال: لما امتدح علي بن جبلة حميدا الطوسي واستأذن فدخل عليه ينشده قال: وما عسيت أن تقول فينا؟ وهل بقيت لأحد مدحاً بعد قولك في أبي دلف.
إنما الدنيا أبو دلفبين معراه ومحتضره
فإذا ولي حميدفعلى الدنيا السلام
قال: فتبسم حميد ولم يقل شيئاً. وتعجب كل من حضر المجلس من جودة بديهته، لأنهم علموا أنه إنما قالهما على البديهة في ذلك الوقت، فأحسن حميد جائزته وأرغد له، وسار بيتاه في أبي دلف بين الخاصة والعامة، ولم يسر بيتاه في حميد حسب ذلك، وإنما يرويهما أهل الأدب وخاصة الناس وأهدى علي بن جبلة إلى حميد الطوسي في يوم نيروز - وأهدي الناس من فنون الهدايا ما بلغ خطراً عظيماً - هذه القصيدة، فسر بها حميد وقال: والله إنها أحب إلي من جميع ما أهدي إلى في هذا اليوم. وهي هذه:
دمن الدار دثورليس فيهن مجير
بليت منها المغانيمثل ما تبلى السطور
قسم البين عليهن رواح وبكور
وليال ساجياتنام عنهن السمير
فطوت أخبيه الحيكما يطوي الحبير
فاستجر بهم فدوتمن نوى البين جرور
وبعينيك حمول الحي والبين الشطير
كذرا النخل أشاعترهوها الريح الدبور
خلفت بالدار جوروغدت في الظعن حور
بدلا ما استبدل الدائر فيها والمدير
نفرٌ مستجفلاتلم ترببها الخدور
وبما أعتسف العيس أسدى أنير
وأزور الكاعب الخود تواريها الستور
إذ عيون الدار صوروإذ الجيرة خير
اعذلي. إن سفاهاًمن كبير لكبير
ألفت عينك عينيفأبى ذاك القتير
لم يدع لي ولأخدانك ما يخشى الغيور
فارقدي ما وسنت عينال، والنوم غزير
قلق الجسرة والرحل عليها والضفور
وقران البيد بالبيد كما يلوي المرير
وقطاً نازعته المورد والليل كفور
لم يذر في نواحيهـ من الصبح ذرور
بنواج حز منهنّالنجاء المستطير
لحميد وحميدقمر الأرض المنير
قال أبو العباس: ما سمعت أحسن من هذا التخلص من النسيب إلى المدح مع جودة هذه المعاني:
لو حمى الدنيا حميدلم يكن فيها فقير
ملك كلتا يديهبعطاياه درور
وكلا يوميه في الأرض بشير ونذير
مستبد الشأو لا يبلغ مسعاه الفخور
إن من حاول في الأفق اطلاعاً لحسير
وكفاه أنه يمتساميه البحور
أريحي منهب المالوبالسيف شتور
وركوب ثبح الخطة يخشاها الجسور
ضمن الأرض حميدفهو للأرض خفير
بيد تنهل خلفين فتحيي وتبير
يغلق المال عليهاوبها تشجي الدثور
صامتي فرع المجد وزكته النجور
فله الحمد المبديوله الحمد الأخير
كدر الناس وصافي النيل ما فيه كدور
وعجول بعطاياوعلى الروع قتور
ما أعز الله جاراًبسواه يستجير
يا أبا غانم الغنم على من يستمير
وأبا الأمن إذا ضاقت من الخوف الصدور
بك ركن الأرض يرسوورحي الملك يدور
أنت للملك نصيرولك الله نصير
رب ملتف السراياغرة منك الغرور
أبطرته دعة النعمة والعز النمير
قدته بالخيل قوداًيوم قيد الخيل زور
وخميس تقبض الأرض له، ظل يسير
تصل البيض خطاهوقنا الخط شجير
ويناحي، فيه للموت أيامي تمور
مثل ما لفّ إليهقزع المزن الصبير
قد تركت الطير سالمة وهو عقير
يستهل العلق الصايل منه العتير
أنت للصبح ضياءليس للصبح نكير
وإلى مجدك ينميكل مجد ويحور
وندى كفيك بحرٌمنه تنشق البحور
كل ذي مجد طويلعند مسعاك قصير
وقليل من أياديك على الناس كثير
فابق ما عد من الدهر سنوه والشهور
ومما يستحسن لعلي بن جبلة في الغزل قوله:
إني ليقنعني تعهد شكلةإن حال دون لقاء شكلة حائل
ويزيدني كلفاً بها هجرانهاويسرني عنها الحديث الباطل
وإذا تلكم عاذل في حبهاأغرى الفؤاد به وزق العاذل
من أين امتحنت محاسن وجههابهر العيون بها هلال مائل
شجيت خلاخلها بساق خدلةوشجيت عمداً بالذي هو قائل
ومما يختار لعلي بن جبلة قوله:
أبيت فما تسعفوجرت فما تنصف
وتحلف لي بالهوىوتنكث ما تحلف
حبالك منحلةوودك مستطرف
وتهجرني واثقاًفثق فأنا المدنف
سأعطف من حيث لاتلين ولا تعطف
وأسكت لا أشتكيوأعرف ما تعرف
تجاوزت أقصى المنىفخلقك لا يوصف
فما تحته مثقلوما فوقه أهيف
حميد أبو غانمله الشرف الأشرف
مكارمه تنتميوأمواله تتلف
شحيح على عرضهوفي ماله مسرف
له كنف ضامنعلى الأرض من يكنف
وقحطان تبهى بهوتبهي به خندف
وتضحي به طبيّعلى غيرها تشرف
ومما يختار له قوله في حميد أيضاً:
بطاعة الله طلت الناس كلهمونصح هاد أمين الملك مأمون
حميد يا قاسم الدنيا بنائلةوسيفه بين أهل النكث والدين
أنت الزمان وقد يجري تصرفهعلى الأنام بتشديد وتليين
لو لم تكن كانت الأيام قد فنيتبالمكرمات ومات المجد مذ حين
طويت كل حشا منها على أملإلى قرينة خوف منك مقرون
قال: وتكلم الناس في هذه الأبيات واستجهلوه لأنه جعل للمخلوق قدرة الخالق. إلا أنه قد ابتدأ فقال: بطاعة الله فعلت وصنعت. فكأنه أراد أنك بلغت بالله ﷿ ما بلغت. وهذا صحيح.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع