تجاوز إلى المحتوى

من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)

أخبار أبي نواس

ديوان ابو نواسفيه ١٧٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حدثني علي بن حرب أخو محمد بن حرب بن خالد بن المهزم، قال: حدثني أخي محمد بن حرب - وكان بين الأخوين قريب من خمسين سنة - أن أبا نواس - واسمه الحسن بن هانئ، ويكنى أبا علي - ولد بالأهواز، بالقرب من الجبل المقطوع المعروف براهبان سنة تسع وثلاثين ومائة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره خمساً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي في تل اليهود، ومات في بيت خمارة كان يألفها. وكانت أمه أهوازية يقال لها جلبان من بعض مدن الأهواز يقال لها نهر بيري وأبوه من جند مروان بن محمد، من أهل دمشق، مولى لآل الحكم بن الجراح من بني سعد العشيرة، وكان قدم الأهواز أيام مروان بن محمد لرباط الخيل، فتزوج جلبان فأولدها عدة، منهم أبو نواس وأخواه أبو محمد وأبو معاذ، وكان أبو معاذ يؤدب ولد فرج الرخجي، ومات والدهم هانئ، وأبو نواس صغير، فنقلته أمه إلى البصرة وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، فلما ترعرع خرج إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر، وكان والبة يومئذ مقيماً بالأهواز عند ابن عمه النجائي وهو واليها، فأدبه وخرجه. وكان أبو نواس وضيئاً صبيحاً. فعشقه والبة وأعجب به، وعُني بتأديبه حتى خرج منه ما خرج. ولما مات والبة لزم خلفاً الأحمر وكان خلف أشعر أهل وقته وأعلمهم، فحمل عنه علماً كثيراً وأدباً واسعاً، فخرج واحد زمانه في ذلك، وحدثني ناس عن أبي نواس أنه قال: ما ظنكم برجل لم يقل الشعر حتى روى دواوين ستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى فما ظنكم بالرجال؟ وحدثت عن ابن مرزوق عن أبي هفان قال: كان أبو نواس آدب الناس وأعرفهم بكل شعر، وكان مطبوعاً، لا يستقصي، ولا يحلل شعره، ولا يقوم عليه، ويقوله على السُّكر كثيراً فشعره متفاوت، لذلك يوجد فيه ما هو في الثريا جودة وحسناً قوة، وما هو في الحضيض ضعفاً وركاكة، وكان مع كثرة أدبه وعلمه خليعاً ماجناً وفتي شاطراً، وهو في جميع ذلك حلو ظريف، وكان يسحر الناس لظرفه وحلاوته وكثرة ملحه، وكان أسخى الناس، لا يحفظ ماله ولا يمسكه، وكان شديد التعصب لقحطان علي عدنان، وله فيهم أشعار كثيرة، يمدحهم ويهجو أعداءهم، وكان يُتهم برأي الخوارج، فمما يروى له في تفضيل اليمن والافتخار بهم قوله:

لست لدار عفت وغيرهاضربان من قطرها وحاصبها

وفي هذه القصيدة يقول:

فنحن أرباب ناعط ولناصنعاء والمسك في محاربها
ودان أذواؤنا البرية منمعترها رغبة وراهبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
وكان منا الضحاك يعبده الخابل والوحش في مسار بها
ونحن إذ فارس تُدافع بهرام قسطنا على مرازبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
حتى جمعنا إليه مملكةيجتمع الطرف في مواكبها
وفاظ قابوس في سلاسلناسنين سبعاً وفت لحاسبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
ويوم ساتيدما ضربنا بني الأصفر والموت في كتائبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
فافخر بقحطان غير مكتئبفحاتم الجود من مناقبها
إذ لاذ برويز عند ذاك بناوالحرب تُمرى بكف حالبها
يذب عنه بنو قبيصة بالخطى والشهب من قواضبها
ولا ترى فارساً كفارسهاإذ زالت الهام عن مناكبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
عمرو وقيس والأشتران وزيدُ الخيل أُسْدٌ لدى ملاعبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
واهج نزاراً وأفر جلدتهاوهتك الستر عن مثالبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
واحبب قريشاً لحب أحمدهاواشكر لها الجزل من مواهبها
إن قريشاً إذا هي انتسبتكان لنا الشطر من مناسبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
فأم مهدي هاشم أم موسى الخير منا فافخر وسامِ بها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
بل مل إلى الصيد من أشاعثهاوالسادة الغر من مهالبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
أما تميم فغير راحضةما شلشل العبد في شواربها

أول مجد لها وآخرهإن ذكر المجدُ قوس حاجيها

وقيس عيلان لا أريد لهامن المخازي سوى مُحاربها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
وإن أكل الأيور موبقهاومطلق من لسان عائبها
وما لبكر بن وائل عصمإلا بحمقائها وكاذبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
ولم تعف كلبها بنو أسدعبيدُ عيرانة وراكبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
وتغلب تندب الطلول ولمتثأر قتيلاً على ائبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»
نيكتْ بأدنى المهور أختُهُمُقسراً ولم يدم أنف خاطبها
وأصبحت قاسط وإخوتهاتدّخر الفَسْوَ في حقائبها

قال المؤلف لهذا الكتاب عبد الله بن المعتز: أنشدني المبرد هذه القصيدة وفسر لي هذا التفسير: ناعط. أحد مخاليف اليمن. وقوله: ودان أذواؤنا، أي التبايعة ملوك حمير، مثل ذي يزن وذي كلاع وذي أصبح. وهكذا كثير في حمير، وتجمع على أذواء وذوين ومن ذلك قول الكميت:

فلا أعني بذاكم أسفليكم لكنيأريد به الذوينا

وأما قوله: دان أذواونا، فغنه يقال: فلان في دين فلان أي طاعته وقيل:

لئن حللت بود في بني أسدفي دين عمرو وحالت بيننا فدكُ

يعني طاعة عمرو. وأما قوله: وكان منا الضحاك. فإن الضحاك كان رجً بعيد الصوت، كثير العجائب، والعجم تدعيه، وذلك حق، وكان اسمه بالفارسية أزدها، ومعناه: الشين لأنه كان شريراً ردياً، فعربته العرب فقالت: الضحاك، وإما كانت أمه قحطانية، فادعته اليمن لذلك، والعرب تزعم والعجم أيضاً أن الجن كانت تطيعه وأن الوحش كانت تألفه وتأنس به، فذلك قوله:

وكان منا الضحاك يعبده الخابل والوحش في مساربها

يعني بالخابل الجن. وأما قوله: قسطنا على مرازبها، فإنه يقال: قسط، إذا جار. وأقسط: إذا عدل. وإما أراد بذلك قصة بهرام جور، واستعانته بالنعمان حد أبي النعمان الأصغر، حين زَوتِ الفرس عنه الملك لما مات أبوه، وولوا ابن عمه. وقصة ذلك تطول. وليس شرط كتابنا ذلك إذ قد قدمنا. وقوله: ضربنا بني الأصفر، هم الروم. وقوله: والحرب تمري، يشبهها كما تستدر الناقة والشاة إذا حُلبت ولهذا قصة كانت في أمر أبرويز وملك الروم يطول شرحها، وكان أبرويز استعان بإياس ابن قبيصة الطائي. وأما قوله: فحاتم الجود من مناقبها، يعني حاتماً الطائي وأما فرسانهم الذين ذكرهم فعمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن مكشوح المُرادي، والاشتران، فهما مالك بن الحارث الأشتر النخعي صاحب علي بن أبي طالب ﵇، وابنه إبراهيم بن الأشتر قاتل عبيد الله بن زياد. وقوله: زيد الخيل فإنه يعني به زيد الخيل الطائي ومهلهلاً أباه، وكانا سيدي قومهما، وأما قوله: وأفر جلدتها فإنه يقال في الفساد: أفريت، وفي الإصلاح: فريت. وقال بعضهم: في الشر والخير جميعاً فريت وأفريت. وأما قوله: فأم مهدي هاشم فإنه يعني أم موسى بنت منصور الحميرية، وهي أم المهدي بن المنصور أمير المؤمنين. وأما قوله الأشاعث فإنه من كندة وهم ولد الأشعث بن قيس ومنزلهم الكوفة. والمهالبة من العتيك ومحلهم البصرة أما قوله:

أما تميم فغير راحضةما شلشل العبد في شواربها

فإنه أراد أبا سُواج، وخبره مشهور مع صرد بن جمرة، وهو الذي يهجو به عمر بن لجا والأخطل جريراً وقومه. وقال ابن لجا:

تُمسح يربوع سبالاً لئيمةبها من مني العبد رطب ويابسُ
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة
فما ألبس الله امرأ فوق جلدهمن اللؤم إلا ما الكليبي لابسُ
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة
عليهم ثياب اللوم لا يخلعونهاسرابيل في أعناقهم وبرانسُ

وقال الأخطل حين عيره جرير بشرب الخمر:

تعيب الخمر وهي شراب كسرىويشرب قومك العجب العجيبا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تعيب الخمر وهي شراب كسرى»
مني العبد عبد أبي سواجٍأحق من المدامة أن تعيبا

وقوله: قوس حاجبها يعني. حاجب بن زرارة بن عُدس بن زيد، وكان دفع قوسه تذكرة بذمته إلى حشّ، وهو عامل كسرى على السواد وأطراف بوادي العبر، حين رعت بنو تميم ولفهم السواد، وضمن حاجبٌ لكسرى ألا يعيثوا ففي ذلك يقول حاجب:

ربينا ابن ماء المزن وابني مُحرقإلى أن بدت منهم لحى وشواربُ
ثلاثة أملاك رُبُوا في حجورناعلى مضر صلنا بهم لا التكاذُبُ
وأقسّم حش لا يسالم واحداًمن الناس حتى يرهم القوس حاجب

وأما قوله: سوى محاربها، فإنه محارب بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، وفيهم ضعة، والعرب تضرب بهم المثل، قال القطامي:

فلما تنازعنا الحديث سألتهامن الحي؟ قالت معشرٌ من محاربِ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
من المشتوين القِد مما تراهمجياعاً وعيش الناس ليس بناضب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وأما قوله: وإن أكل الأيور مُوبقها، فهذا شيء يعاب به بنو فزارة، وذلك أن نفراً منهم كانوا في سفر، فجاعوا، وأخذوا غرمول حمارٍ فاشتووه وأكلوه.

وأما قوله: لم تعف كلبها بنو أسد. فإن للكلب أيضاً حديثاً مع بني أسد نحو حديث الأير مع بني فزارة، وأما قوله:

وما لبكر بن وائل عصمإلا بحمقائها وكاذبها
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست بدار عفت وغيرها»

فإنه يريد بالكاذب مسيلمة، وكان من بني حنيفة، والحمقاء هبنقة القيسي من بني قيس بن ثعلبة، وهو رجل منهم، كان يضرب المثل بحمقه، وإنما أراد بأحمقها لأن فعلاء لا يكون إلا للمؤنث. فمنعه الوزن فلحن وله مثل هذا التهجم كثير.

وأما قوله:

وأصبحت قاسط وإخوتهاتدخر الفَسْوَ في حقائبها

فإن إخوتها عبد القيس، وهي تُسَبُّ بالفساء، قال الشاعر:

وعبد القيس مصفر لحاهاكأن فُسَاءَها قِطع الضبابِ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «غدا ابنا وائل ليعاتباني»

ولهذا الخبر أيضاً حديث يطول، وهذا آخر تفسير هذه القصيدة.

وكان أبو نواس لشدة عصبيته لقحطان يقول في هذا المعنى كثيراً وهو القائل:

إذا ما تميمي أتاك مفاخراًفقل: عد عن ذا كيف أكلك للضب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ألا حي أطلالا بسيحان فالعذب»
تفاخر أولد الملوك سفاهةوبولك يجري فوق ساقك والكعب

وهو القائل أيضاً:

دع الأطلال تسفيها الجنوبوتبلي عهد جدتها الخطوبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
وخل لراكب الوجناء أرضاًتخب بها النجيبة والنجيبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
ولا تأخذ عن الأعراب لهواًولا عيشاً فعيشهمُ جديبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
دع الألبان يشربها رجالٌرقيق العيش بيتهم غريبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
بأرض نبتها عشرٌ وطلحٌوأكثر صيدها كلب وذيبُ
إذا راب الحليب فبل عليهولا تحرج فما في ذاك حُبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
فأطيب منه صافيةٌ شَمولٌيطوف بكأسها ساق لبيبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
أعاذلتي خلا رُشدي قديماًفشقى الآن جيبك لا أتوب
فذاك العيش لا شجر البواديوذاك العيش لا اللبن الحليب
فأين البدو من إيوان كسرىوأين من الميادين الزروب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «دع الأطلال تسفيها الجنوب»
تُعيرني الذنوب، وأي حُرمن الفتيان ليس له ذنوب

ومما ذكر من خصال أبي نواس المحمودة، ما حدثني به أحمد بن أبي عامر قال: حدثني سلمان شحطة. قال: كان أبو نواس عالماً فقيهاً، عارفاً بالأحكام والفتيا، بصيراً بالاختلاف، صاحب حفظ. ونظر ومعرفة بطرق الحديث، يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وقد تأدب بالبصرة، وهي يومئذ أكثر بلاد الله علماً وفقهاً وأدباً، وكان أحفظ لأشعار القدماء والمخضرمين وأوائل الإسلاميين والمحدثين.

وحدثني محمد بن أحمد القصار قال: حدثني يوسف بن الداية

قال: قال لي أبو نواس: أحفظ. سبعمائة أرجوزة، وهي عزيزة في أيدي الناس، سوى المشهورة عندهم، وكان لزم بعد والبة بن الحباب خلفاً الأحمر، وكان خلف نسيج وحده في الشعر، فلما فرغ أبو نواس من إحكام هذه الفنون تفرغ للنوادر والمجون والمُلح، فحفظ منها شيئاً كثيراً حتى صار أغزر الناس، ثم أخذ في قول الشعر، فبرز على أقرانه، وبرع على أهل زمانه. ثم اتصل بالوزراء والأشراف، فجالسهم وعاشرهم، فتعلم منهم الظرف النظافة. فصار مثلاً في الناس، وأحبه الخاصة والعامة، وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده ويلام على ذلك فيقول: إنما يصبر على مجالسة هؤلاء الفحول المنقطعون، الذين لا ينبعثون ولا ينطقون إلا بأمرهم، الله لكأني على النار إذا دخلت عليهم، حتى أنصرف إلى إخواني ومن أشاربه، ولأني إذا كنت عندهم فلا أملك من أمري شيئاً.

وحدثني إسماعيل بن حرب قال: أخبرني سعد بن خزيم قال: قال جعفر البرمكي لسعيد بن وهب: أين تأدب أبو نواس؟ قال: ببلد البصرة.

وحدثني أبو عمرو عن أبي دعامة قال: قال أبو عمرو الشيباني لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث لاحتججنا بشعره لنه مُحكم القول.

ومن أخبار أبي نواس مع أبانٍ اللاحقي ما حدثني به القاسم بن داوود قال: حدثني ابن أبي المنذر قال: كان اللاحقي شاعراً ظريفاً يمدح البرامكة، وكان مخصوصاً من بينهم بجعفر لا يكاد يفارقه، وكانت البرامكة، إذا أرادوا تفرقة مال على الشعراء ولوه ذلك، فأُمر له بمال يفرقه فيهم، وكان كثيراً له خطر، ففرقه وأمر لأبي نواس بدرهم ناقص، وأرسل إليه: إني قد أعطيت كل شاعر على قدره، وهذا مقدارك. فوجد عليه أبو نواس، فلما قال اللاحقي قصيدته الحائية التي يصف فيها نفسه ويلفق فيها عند جعفر بن يحيى وهي هذه القصيدة:

أنا من حاجة الأمير وكنزمن كنوز الأمير ذو أرباحِ
كاتب حاسب أديب خطيبناصح راجح على النصاحِ
شاعر مفلق أخف من الريشة مما تكون تحت الجناح
للشاعر أبان الالحقي، من قصيدة «أَنا من بغية الأَمير»
لو رآني الأمير عاين منيشمريا كالجُلجل الصياح
لحية سبطة وأنف طويلواتقاد كشعلة المصباح
لسنت بالمفرط الطويل ولا بالمُستكن المجحدر الدحداح
أيمن الناس طائراً يوم صيدلغدوٍّ دُعيت أم لرواح
أبصر الناس بالجوارح والأكلُب والخرد الصباح الملاح

وبلغ أبا نواس هذه القصيدة فقال: والله لأعرفنه نفسه، وأنشأ يقول:

إن أولى بخسة الحظ منيللمسمى بالجلجل الصياحِ
فبلوا منه حين غنى لديهمأخرس الصوت غير ذي إفصاح
ثم بالريش شبه النفس في الخفة مما يكون تحت الجناح
فإذا الشم من شماريخ رضوىعنده خفة نوى السباح
لم يكن فيك غير شيئين مماقلت من بعد خلقك الدحداح
لحية سبطة وأنف طويلوهباء سواهما في الرياح
فيك ما يحمل الملوك على الخُرق ويُزري بالسيد الجحجاح
فيك تيه وفيك عُجبٌ شديدوطماحٌ يفوق كل طماح
باردُ الطرف مظلم الكذب تياهٌ معيد الحديث غث المُزاح

فلما انتهى الشعر إلى اللاحقي سقط في يده، وعلم أنه إن بلغ ذلك البرامكة أُسقط عندهم، وندم على ما كان منه، فبعث إلى أبى نواس: أن لا تذعها ولك حكمك، فبعث إلى أبي نواس: أن لا تُذعها ولك حكمك، فبعث إليه يقول: لو أعطيتني الدنيا ما كان بد من إذاعتها، فاصبر على حرارة كيها، واعرف قدرك، قال: فلما سمع جعفر شعر أبي نواس في اللاحقي قال: والله لقد قرفه بخمس خلال لا تقبله السفلة على واحدة منها، فكيف تقبله الملوك؟ فقيل له: يا سيدنا إنه كذب عليه. فتمثل يقول:

قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباًفما اعتذارك من شيء إذا قيلا

وصار أبان بعد ذلك لبي نواس كالعبد، لا يلقاه ولا يُذكر له إلا يجله وحدثني إبراهيم بن الخصيب قال: أخبرني ابن أبي المنذر قال:

إنما نفق شعر أبي نواس على الناس لسهولته وحسن ألفاظه، وهو مع ذلك كثير البدائع، والذي يراد من الشعر هذان.

وحدثني محمد بن زياد بن محمد عن أبي هفان قال: قال لي أبو نواس: الشره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة، وكل من حرص على شيء فاستكثر منه سكن حرصه وقرت عينه غير الأدب، فإنه كلما ازداد منه صاحبه ازداد حرصا عليه وشهوة له ودخولاً فيه.

حدثني أحمد بن سلمان قال: حدثني اليؤيؤ قال: سمعت أبا نواس يقول: لا ضيعة على أديب حيث توجه، فإنه يجالس أشراف الناس وملوكهم في كل بلد يرده، وما قُرن شيء إلى شيء أحسن من عقل إلى أدب.

حدثني علي بن إسحاق قال حدثني ابن أبي خلصة قال: رأيت أبا نواس واقفاً بالجسر، ومعه غلام وجارية، لم أر أحسن منهما، وهو على حمار فاره، فقل: يا أبا على ما وقوفك؟ وما هذان معك؟ قال: إن الخصيب حملني على هذا الحمار، ووهب لي هذا الغلام وهذه الجارية، فكيف تراهما: قلت: ما يصلحان إلا للملوك. قال: صدقت ولكنها نعمة فيكشخني فيها، فهل عندك من رأى؟ قلت: تجعل الجارية في منزل الثقات من إخوانك، فتزورها إن شئت. قال: أخاف أن أسترعي الذئب. وافترقنا، ثم التقينا بعد أيام، فقال لي: شاورناك في أمرهما فما فتحت لنا باباً، وإني لما فارقتك ازدحم الرأي على لساني وقلبي. فقلت: ما صنعت؟ قال: زوجت الغلام بالجارية، فصرت أكشخنة فيها. فقلت: إن الشيء كان حلالاً لك فجعلته حراماً. فقال: يا أحمق أفي الحلال شاورناك أم قلنا لك: ما الرأي؟ فقلت: عليك لعنة الله ما أهداك إلى كل آبدةٍ! ومما لأبي نواس من شعره البصريّ:

عفا المصلي وأقوت الكُثُبُمني فالمربدان فاللبب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عفا المصلى وأقوت الكثب»
والمسجد الجامع المروءةوالدين عفا فالصحان فالرحب
منازلٌ قد عمرتها يفعاًحتى بدا في عذارى الشهب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عفا المصلى وأقوت الكثب»
في فتيه كالسيوف هزهمشرخُ شباب وزانهم أدب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عفا المصلى وأقوت الكثب»
ثُمَّت راب الزمانُ فاقتسمواأيدي سبا في البلاد فأنشبعوا

ويزعم البغداديون أنها من شعره الذي قاله ببغداد، وأخلق به أن يكون ببغداد يبكي إخوانه أهل البصرة، لنه يقول فيها:

لما تيقنت أن روحتهمْليس لها ما حييت منقلبُ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عفا المصلى وأقوت الكثب»
أبليت صبراً لم يبله أحدواقتسمتني مآرب شُعب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عفا المصلى وأقوت الكثب»

ومن شعره البصري السائر قوله:

ودار ندامي عطلوها فأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرىوأضغاث ريحان جنى ويابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
حبست بها صحبي وجددت عهدهموإني على أمثال هاتيك حابس
أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاًويوماً له يوم الترحل خامس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
تدور علينا الراح في عسجديةحبتها بألوان التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتهامَهاً تدريها بالقسي الفوارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
فللراح مازُرت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس

حدثني المنقري عن يوسف بن الداية قال: كنت وأبو نواس وجماعة من إخواننا نطوف في شهر رمضان إذا أفطرنا كل ليلة، فمررنا ليلة بمسجد السلولي وابنه يصلي بالناس التراويح، وكان من أصبح الخلق وأحسنهم وجهاً، فضرب بأبي نواس وقال: لست أبرح حتى يفرغ مجلسنا، وكانت ليلة ختمة، فلما قرأ: أرأيت الذي يكذب بالدين قال أبو نواس:

وَفَرَا مُعلناً ليصدع قلبيوالهوى يصدع الفؤاد العزوما
أرأيت الذي يكذب بالدينفذاك الذي يدعُ اليتيما

حدثني إبراهيم بن حرب الكوفي قال: حدثني ابن الداية قال: اجتمع أبو نواس ومسلم بن الوليد والخليع وجماعة من العراء في مجلس، فقال بعضهم: أيكم يأتيني ببيت شعر فيه آية من القرآن وله حكمه؟ فأخذوا يفكرون فيه، فبادر أبو نواس فقال:

وفتية في مجلس وجوههمريحانهم قد أمِنوا الثقيلا
دانية عليهم ظلالهاوذللت قطوفها تذليلا
للشاعر محمد جواد عواد البغدادي، اقرأ القصيدة

فتعجبوا وأفحموا ولم يأت أحد منهم بشيء. قال محمد بن عبد الوهاب: فسمعت بعد ذلك بمدة بيتاً لدعبل استحسنته وهو:

ويخزهم وينصركم عليهمويشف صدور قوم مؤمنينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»

حدثني نصر بن محمد قال: أخبرني ابن أبي شقيقة الوراق قال: كان يجتمع الشعراء في دكان أبيه ببغداد وإن أبا العتاهية حضرهم يوماً، فتناول دفتراً ووقع على ظهره ينشد:

أيا عجبا كيف يُعصى الإلهُ أم كيف يجحده الجاحدُ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أيا عجبا كيف يعصي الإله»
ولله في كل تحريكةوتسكينة أبداً شاهدُ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»
وفي كل شيء له آيةٌتدل على أنه واحد
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «فيا عجبا كيف يعصى الإله»

فلما كان من الغد جاء أبو نواس، فجلس فتحدث ساعة، ووقعت عينه على ذلك الدفتر، وقرأ الأبيات. فقال: من صاحبها؟ لوددت أنها لي بجميع شعري: فقلنا، أبو العتاهية، فكتب تحتها

سبحان من خلق الخلق من ضعيف مَهين
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «سبحان من خلق الخل»
فساقه من قرارٍإلى قرار مَكين
يحول خلقاً فخلقاًفي الحجب دون العيون

فلما كان من الغد جاء أبو العتاهية وقال: لمن هذه الأبيات؟ لوددت أنها لي بجميع شعري، فقلنا: أبو نواس. وتعجبنا من اتفاق قوليهما.

وحدثني أبو النجم قال: بلغني أن أبا نواس وهو في الكتاب وكان مليحاً صبيحاً - مرت به صبية وضيئة الوجه، فمازحته ساعة، ثم رمت إليه بتفاحة معضضة وانصرفت فقال:

شجر التفاح لا خفت القحللا ولا زلت لغايات المثل
تقبل الطيب إذا علت بهوبها من غير طيب محتمل
وعدتني قبلة من سيديفتقاضت سيدي حين فعل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «شجر التفاح لا ذقت القحل»
ليس ذاك العض من عيب لهاإنما ذاك سؤال للقبل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «شجر التفاح لا ذقت القحل»

ويقال أن الذي رغب فيه والبة بن الحباب حتى أخذه غلاماً فأدبه وخرجه هذه الأبيات. وقيل أيضاً: إن الذي بعث أبا نواس على صحبة والبة وأرغبه فيه بيتا والبة وهما همذان:

ولها ولا ذنب لهاحب كأطراف الرماح
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة
في القلب يجرح دائماًفالقلب مجروح النواحي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وأخي حفاظ ماجد»

فإنه استحسنهما وجزلهما ورغب في الشعر. وهذا لعمري كلام دونه السحر.

حدَّثني أبو يعقوب إسحاق بن سيار قال: حدَّثني عامة أصحاب أبي نواس منهم عبد الله بن أحمد بن حرب المعروف بأبي هفان قالوا: بني للمخلوع مجلس لم تر العرب والعجم مثله، قد صور فيه كل التصاوير، وذهب سقفه وحيطانه وأبوابه، وعلقت على أبوابه ستور معصفرة مذهبة، وفرش بمثل ذلك الفرش، فلما فرغ من جميع أسبابه، وعرف ذلك، اختار له يوماً، وتقدم بأن يؤمر الندماء والشعراء بالحضور غدوة ذلك اليوم ليصطحبوا معه فيه، فلم يتخلف أحد، وكان فيمن حضر أبو نواس، فدخلوا فرأوا أسا لم يروا مثله قط ولم يسمعوا به، من إيوان مشرف فائح فاسح، يسافر فيه البصر، وجعل كالبيضة بياضاً، ثم ذهب بالإبريز المخالف بينه باللازوردذي أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيها مسامير الذهب، قد قمعت رءوسها بالجوهر النفيس، وقد فرش بفرش كأنها صبغ الدم، منقش بتصاوير الذهب وتماثيل العقبان ونضد فيه العنبر الأشهب والكافور المصعد وعجين المسك وصنوف الفاكهة والشمامات والتزايين، فدعوا وأثنوا عليه، وأخذوا مجالسهم على مراتبهم عنده، ومنزلتهم منه، ثم أقبل عليهم فقال: إني أحببت أن أفرغ متعة هذا المجلس معكم، وأصطبح فيه بكم، وقد ترون حسنه، فلا تنغصوني ذلك بالتكلف، ولا تكدروا سروري بالتحفظ، ولكن انبسطوا وتحدثوا وتبذلوا، فما العيش إلا في ذلك. فقالوا: يا أمير المؤمنين، بالطائر الميمون والكوكب السعدي والجد الصاعد والأمر العالي والظفر والفوز، ووفقت يا أمير المؤمنين، وفقت ولم تزل موفقاً. ثم لما طعموا أتي بالشراب كأنه الزعفران، أصغي من وصال المعشوق، وأطيب ريحاً من نسيم المحبوب، وقام سقاة كالبدور، بكئوس كالنجوم، فطافوا عليهم وعملت الستائر بمزاهرها فشربوا معه من صدر نهارهم إلى آخره، في مذاكرة كقطع الرياض، ونشيد كالدر المفصل بالعقبان، وسماع يحيي النفوس ويزيد الأعمار، فلما كان آخر النهار دعا بعشرة آلاف دينار في صواني، فأمر فنثرت عليهم فانتهبوها، والشراب بعد يدور عليهم بالكبير والصغير، من الصرف والممزوج، وليس يمنع أحد منهم مما يريد، ولا يكره على ما يأباه، وكان جيد الشراب، فصبروا معه إلى أن سكر فنام، ونام جميع من في المجلس عند ذلك إلا أبا نواس فإنه ثبت مكانه فشرب وحده، فلما كان السحر دنا من محمد فقال: يا أمير المؤمنين. قال: لبيك يا خير الندامى. فقال أبو نواس: يا سيد العالمين، أما ترى رقة هذا النسيم، وطيب هذه الشمال، وبرد هذا السحر، وصحة هذا الهواء المعتدل والجو الصافي، وبهيج هذه الأنوار؟ فلما سمع محمد وصفه استوى جالساً وقال: يا أبا نواس، ما بي للشرب موضع، ولا للسهر مكان، وقد بسطتني بمنثور وصفك فنشطني بمنظومه للشرب. فأنشأ يقول:

نبه نديمك قد نعسيسقيك كأساً في الغلس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»

صرفاً كأن شعاعها في كف شاربها قبس

تذر الفتى وكأنمابلسانه منها خرس
يدعى فيرفع رأسهفإذا استقل به نكس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»
يسقيكها ذو قرطقيلهي ويؤذي من حبس
خنث الجفون كأنهظبي الرياض إذا نعس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»
أضحى الإمام محمدللدين نوراً يقتبس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»
ورث الخلافة خمسةوبخير سادسهم سدس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»
تبكي البدور لضحكهوالسيف يضحك إن عبس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «نبه نديمك قد نعس»

فارتاح المخلوع ودعا بالشراب فشرب معه.

ومما يختاره أهل الفهم من شعر أبي نواس كثير، كما أن الرديء ينفونه من شعره، ولكن نورد من ذلك ما لم يشتهر عند العوام، وندع ما قد اشتهر، فإن رائيته في الخصيب:

أجارة بيتينا أبوك غيوروميسور ما يرجى لديك عسير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»

وإن كانت من قلائده موجودة عند كل إنسان، وليست كميميته التي لا تقصر عنها حسناً وجودة، وهي مع ذلك لا يعرفها إلا الخواص وهي هذه:

يا دار ما فعلت بك الأياملم تبق فيك بشاشة تستام
عرم الزمان على الذين عهدتهمبك قاطنين وللزمان عرام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
أيام لا أغشي لأهلك منزلاًإلا مراقبة عليّ ظلام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهموأسمت سرح اللهو حيث أساموا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابهوإذا عصارة كل ذاك أثام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
وتجشمت بي هول كل تنوقههوجاء فيها جرأة إقدام
تذر المطي وراءها فكأنهاصف تقدمهن وهي إمام
وإذا المطي بنا بلغن محمداًفظهورهن على الرجال حرام
للشاعر شاعر الحمراء، من قصيدة «يا أيها المولى الذي بوجوده»
قربننا من خير من وطي الحصافلها علينا حرمة وذمام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
رفع الحجاب لناظري فبدا بهملك تقطع دونه الأوهام
كالبدر مشتمل بنور خلافةلبس الشباب بملكه الإسلام
سبط البنان إذا احتبى بنجادهغمر الجماجم والسماط قيام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
ملك إذا اقتسر الأمور مضى بهرأيٌ يفل السيف وهو حسام
داوي به الله القلوب من الجوىحتى برئن وما بهن سقام
أصبحت يا ابن زبيدة ابنة جعفرأملاً لعقد حباله استحكام
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا دار ما فعلت بك الأيام»
فبقيت للعلم الذي يهدي بهوتقاعست عن يومك الأيام

ومن ذلك قوله أيضاَ:

يا من يبادلني عشقاً بسلوانأم من يصير لي شغلاً بإنسان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
كيما أكون له عبداً يقارضنيوصلاً بوصل وهجراناً بهجران
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
إذا التقينا لصلح بعد معتبةلم نفترق دون موعود يلقيان
أقول والعيس تعروري الفلاة بناسعر الأزمة من مثني ووحدان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
لذات لوث عفرناه عذافرةكأن تضبيرها تضبير بنيان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكاًتقبيل راحته والركن سيان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
م خير من يمشي على قدمممن برى الله من إنس ومن جان
مقابل بين أملاك تفضلهولادتان من المنصور ثنتان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
مد الإله عليه ظل مملكةأضحى القصي بها كالأقرب الداني
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبهاخلقاً وخلقاً كما حذ الشراكان
إن يمسك القطر لم تمسك مواهبهولي عهد يداه تستهلان
هذا الذي قدم الله القضاء بهألا يكون له في فضله ثاني
هو الذي امتحن الله القلوب بهعما يجمجمن من كفر وإيمان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
وإن قوماً رجوا إبطال حقكمأمسوا من الله في سخط وعصيان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
لن يدفعوا حقكم إلا بدفعهمما أنزل الله من آي وقرآن
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»
وإن الله سيفاً فوق هامهمبكف أبلج لا غمر ولا واني
يستيقظ الموت منه عند هزتهفالموت من نائم فيه ويقظان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا من يبادلني عشقا بسلوان»

حدثني محمد بن عبد الأعلى القرشي قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: قال الأصمعي:

ما رأيت أنجب من البرامكة رجالاً وأطفالاً، ولا أشرف منهم أحوالاً، ما أعلم أني حضرت يحيى والفضل وجعفراً إلا انصرفت عنهم ولإخواني بالحباء الجزيل. ثم قال: طرب الفضل بن يحيى إلى مذاكرتي، فأتاني رسوله، وكان يوماً بارداً ذا صر وقر. فقال: أجب الوزير. فمضيت معه، فلما دخلت عليه إذا هو في بهو له. قد فرش بالسمور، وهو في دست منه، وعلى ظهره دواج سمور أشهب، مبطن بخز، وبين يديه كانون فضة، فوقه أثفية ذهب، في وسطها تمثال أسد رابض، في عينيه ياقوتتان تتوقدان، وفوق الصينية إبريق زجاج فرعوني، وكأس كأنها جوهرة محفورة، تسع رطلاً، لا أظنها يفي بها مال كثير، وهو على سرير من عاج، وأنا على ثياب قطن. فسلمت عليه فرد السلام وقال لي: يا أصمعي. ليس هذا من ثياب هذا اليوم. قلت: أصلح الله الوزير. إنما يلبس الرجل ما يجد، فقال: يا غلام ألق عليه شيئاً من الوبر. فأتيت بمثل ما عليه فلبسته حتى الجورب، ثم أتي بخوان لم أدر ما جنسه، غير أني تحيرت في جنسه، وبصفحة مشمسة، فيها لون من مخ الطير، فتناولنا منها.

ثم تتابعت الألوان، فأكلت من جميع ما حضر، ألا والذي اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله بالرسالة ما عرفت منها لوناً واحداً، إلا أني لم آكل في الدنيا شيئاً يدانيها قط لذة وطيباً عند خليفة ولا ملك. ثم رفع الخوان، وأتينا بألوان من الطيب، فغسلنا أيدينا، وكنت كلما استعملت من لوناً ظننته أطيب ما في الدنيا من عطر فاخر، حتى إذا استعملت غيره زاده عليه طيباً، فلما فرغنا من ذلك إذا غلام قد أقبل معه جام بلور فيه غالية، قد ازرقت بكثرة العنبر، فتناولنا بملعقة من الذهب حتى نضحناه، فصرت كأني جمرة، ثم قال: أسقنا، فسقاه رطلاً وسقاني مثله، فما تجاوز والله لهاتي حتى كدت أطير فرحاً وسروراً، وصرت في مسلاخ ابن عشرين طرباً. ودبت الشربة فخثرت ما بين الذؤابة والنعل، وكأن دبي الجراد يثب ما بين أحشائي وثباً، فلم أتمالك أن قلت: قاتل الله أبا نواس حيث يقول:

إذا ما أتت دون اللهاة من الفتىدعا همه صدره برحيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»

فقال الفضل: هذا البيت له؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: وليس إلا هذا البيت الواحد؟ قلت: أعز الله الوزير، هي أبيات، قال: هاتها، فأنشدته:

وخيمة ناطور برأس منيفةتهم يدا من رامها بزليل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
حططنا بها الأثقال فل هجيرةعبور رية تذكى بغير فتيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
نأيت قليلاً ثم فاءت بمزقةمن الظل في رث الأباء ضئيل
كأنا لديها بين عطفي نعامةجفا زورها عن مبرك ومقيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
حلبت لأصحابي بها درة الصبابصفراء من ماء الكروم شمول
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتىدعا همه صدره برحيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
فلما توفي الليل جنحاً من الدجىتصابيت واستجملت غير جميل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
وأصبحت ألحي السكر والسكر محسنألا رب إحسان عليك ثقيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
كفى حزناً أن الجواد مقترعليه ولا معروف عند بخيل
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «كفى حزنا أن الجواد مقتر»
سأبغي الغنى إما نديم خليفةيقيم سواء، أو مخيف سبيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
بكل فتى لا يستطار جنانهإذا نوه الزحفان باسم قتيل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «وخيمة ناطور برأس منيفة»
ليخمس مال الله في كل فاجروذي بطنة للطيبات أكول
أم تر أن المال عون على الندىوليس جواد معدم كبخيل

قال: قاتله الله ما أشعره، يا غلام: أثبتها. ثم قال: أما والله لولا قاله الناس فيه ما فارقني، ولكن إذا فكرت فيه وجدت الرجل ماجناً خليعاً متهتكاً ألوفاً لحانات الخمارين فأترك نفعه لضره. فقلت: أصلح الله الوزير إنه مع ذلك بمكان من الأدب، ولقد جالسته في مجالس كثيرة، قد ضمت ذوي فنون من الأدباء والعلماء، فما تجاروا في شيء من فنونهم إلا جاراهم فيه، ثم برز عليهم، وهو من الشعر بالمحل الذي قد علمته، أليس هو القائل:

ذكرتم من الترحال يوماً فغمنافلو قد فعلتم صبح الموت بعضنا
زعمتم بأن البين يحزنكم. نعمسيحزنكم حزناً ولا مثل حزننا
تعالوا نقارعكم ليحقق عندكممن أشجى قلوباً أم من أسخن أعينا
أطال قصير الليل يا رحم عندكم؟فإن قصير الليل قد طال عندنا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طرحتم من الترحال ذكرا فغمنا»
ومن يعرف الليل الطويل وهمهمن الناس إلا من تنجم أو أنا
خليون من أوجاعنا يعذلوننايقولون: لو لم يعب بالحب لانثني
يقومون في الأقوام يحكون فعلناسفاهة أحلام وسخرية بنا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طرحتم من الترحال ذكرا فغمنا»
فلو شاء ربي لابتلاهم بمثل ما ابتلانا فكانوا لا علينا ولا لنا
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواك لعل الفضل يجمع بيننا
مير رأيت المال في حجراتهمهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا
ذا ضن رب المال ثوب جودهبحي على مال الأمير وأذنا
وللفضل أجرا مقدما من ضبارمإذا لبس الدرع الحصينة واكتنى
إليك أبا العباس من دون من مشىعليها امتطينا الحضرمي الملسنا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طرحتم من الترحال ذكرا فغمنا»
قلائص لم تعرف كلالاً على الوجىولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا

قال الفضل: قد عرفتك أنه لولا ما هو بسبيله من هذا الفتك ما فاتني قربه ومعاشرته، ثم قال: يا غلام، احمل إليه ألف دينار، فقلت للرسول: أعلمه أن الأصمعي عند الوزير. فتبسم وقال: يا غلام، وإلى بيت أبي سعيد ألف دينار.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «طبقات الشعراء»