من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار بكر بن النطاح ويكنى أبا وائل
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدَّثني أبو مالك السعدي قال: حدَّثني سعيد بن المثنى قال: قال يزيد بن مزيد: وجه إلى أمير المؤمنين الرشيد ذات ليلة في وقت يرتاب فيه البريء فذهبت ألبس ثيابي فعاجلني الرسول، فمضيت إليه، فلما مثلت بين يديه قال: يا يزيد، من الذي يقول:
ومن يفتقر منا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلةبشدة بأس في الكتاب المنزل
قلت: والذي أكرمك بالخلافة ما أعرفه. قال: فمن الذي يقول:
فإن يك جد القوم فهر بن مالكفحسبي فخراً فخر بكر بن وائل
ولكنهم فازوا بإرث أبيهموكنا على أمر من الأمر باطل
فقلت: لا وحقك يا أمير المؤمنين ما أعرفه. قال: بلى. أتظن يا يزيد أني أوطئك فراشي وبساطي، وأقلدك أمري. وأنا لا أعرف سرائرك ومخباتك؟ والله إن عيوني عليك حتى في فراشك، فلا تجعلن على نفسك سلطانا، هذا جلف من أجلاف ربيعة آويته عندك، ومكنته من مجلسك، فقال ما قال: فأتني به حتى أعرفه نفسه ليعلم أن ربيعة ليست كقريش. قال: فانصرفت وأحضرت بكر بن النطاح، فأعلمته القصة، وأمرت له بألفي درهم. وكان له عندي ديوان فأسقطته، وقلت له: الحق بالجزيرة، فخرج إليها، فلم يزل مستتراً بها حتى مات الرشيد، فرددته وزدت في عطائه ونزله.
قال: وحدثت أن بكراً لما ورد على أبي دلف وقد مدحه، دعا به وقال: أنشدني، فأنشده، حتى إذا بلغ الموضع الذي يستمنحه فيه ويسأله قال: فأين ما قلت:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامهومن يفتقر من سائر الناس يسأل
فخجل بكر وأطرق ملياً، ثم قال: يا أيها الأمير، لو كان تحتي فرس من خيلك وفي يدي قناة من رماحك، وتقلدت سيفاً من سيوفك. لما قمت هذا المقام. قال: فدعا بجميع ما ذكره، وهميان فيه خمسمائة دينار ثم قال: امض فصدق قولك بفعلك.
فخرج من بين يديه. وأخذ طريق همذان يريد الجزيرة، فلما كان على مسيرة ثلاث من الكرج، استقبله مال عظيم قد حمل إلى أبي دلف من بعض نواحي أعماله، ومعه فرسان من رجاله، فشد عليهم، فقتل بعضهم، وهزم الباقين، واستولى على المال فذهب به. فلما بلغ الخبر أبا دلف ضحك وقال: لا نلوم إلا أنفسنا. نحن بعثناه على ذلك.
ومما يختار من شعره قوله لأبي دلف:
فكفك قوس والندى وتر لهاوسهمك فيه اليسر فارم به عسري
وقوله أيضاً:
ولقد طلبنا في البلاد فلم نجدأحداً سواك إلى المكارم ينسب
ومن طريف الشعر وبديعه قوله لأبي دلف:
نادي نداك فاتوا هم إذا امران يدعوا فاهبا كل مستمع
زوروا الأمير وبيت الله تنتفعوافاختار وجهك فينا كل منتفع
أراد قول الله ﷿: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً " ومما يستحسن أيضاً له قوله:
ليس الفتى بجماله وكمالهإنّ الجواد بماله يدعى الفتى
ويستحسن أيضاً قوله:
فتى لا يراعي جاره هفواتهولا حكمه في النائبات غريب
حليم إذا ما الجهل أذهل أهلهعن الحلم، مغشي الفناء نجيب
ومما يختار له قوله أيضاً:
أهدي إليك نصيحتي ومودتيقبل اللقاء شواهد الأرواح
وعلى القلوب من القلوب دلائلبالود قبل تشاهد الأشباح
ومما يختار له أيضاً:
لو كان خلفك أو أمامك هائباًأحداً سواك لهابك المقدار
ومن قلائد وأمهات قصائده قوله:
وليلة جمع لم أبت ناسياً لكموحين أفاض الناس من عرفات
ولم تنسنيك البيض بالخيف من منيّوقد رحن أرسالاً إلى الجمرات
فطوفن بالبيت العتيق ليالياوزرن فناء البيت العرصات
كأن الدمى أشربن درعاً أوانسبدون لنا في العز والحبرات
يغيب الدجى ما لم يغبن ويختفيإذا كن منه الدهر مختفيات
جمعن جمالاً في كمال مبرزوسددن سلطانا على النظرات
فزودني شوقاً إليك، وحسرةعليك إلى ما بي من الحسرات
ذهبت بديباج الجمال ووشيهوصرن بما خلفت محتفيات
تطاول ليلي بالحجاز ولم أزلوليلي قصير آمن الغدوات
فيا حبذا بر العراق وبحرهاوما يجتنى فيه من الثمرات
كفى حزناً ما تحمل الأرض دونهالنا من ذرا الأجيال والفلوات
أبا مريم قيلوا بعسفان ساعةوروحوا على اسم الله والبركات
ومروا على قبر النبي وأكثرواعليه من التسليم والصلوات
وتلقاء مجدٍ فاستحثوا ركابكمولا تغفلوا فالحبس في الغفلات
إذا الغمرات استقبلتنا وأمعنتففي خوضها المنجى من الغمرات
تجاهل عبد الله والعلم ظنهعلى عالم بالمرءذي الجهلات
ألست الخليع الجامع الرأس والذييرد الصبا عودا على البدآت
وما زال لي إلفاً وأنساً وصاحباًأخاً دون إخواني وأهل ثقاتي
تناجت بما في قلبه عصيبةيمر لها حر على اللهوات
نديم ملوك يحملون تدلليحنيناً إلى الفتيان والفتيات
متى تشتمل بكر على بدارهاأبت واثقاً بالجود والنجدات
وفي أسد والنمر أبناء قاسطأمان من الأيام والغيرات
وإن ذوي الإقدام والصبر والنهيلإخواننا ذهل على اللزبات
وإن تشتمل قيس عليّ وتغلبأبت واثقاً بالمال والثروات
وكم من مقام في ضبيعة معمريضاف إلى الأشراف والسروات
وفي أكلب تلاد وطارفبعيد من التقصير والتبرات
وما الفتك إلا في ربيعة والغنىوذب عن الأحساب والحرمات
وقاد زمام الجاهلية منهممناجيب سباقون في الجلبات
وقادوا جيوشاً أولا بعد أولأقر لها عاد بكثر أداة
مفاتيح أبواب الندى بأكفنافسؤالنا يدعون بالشهوات
ذا هلك البكري كان تراثهسنان وسيفٌ قاضب الشفرات
ولم يدعوا من مال كسرى وجندهعلى الأرض شيئاً بعد طول بيات
إذا لم يسلطنا القضاء على العدامنوا وابتلوا من خوفنا بخفات
وكل قتيل من ربيعة ينتميإلى حسب صعب المناكب عات
وأول ما اختطوا اليمامة واحتوواقصوراً وأنهاراً خلال نبات
وعاجت على البحرين منهم عصابةحمتها بأعلام لها وسمات
وهم منعوا ما بين حلوان غيرةإلى الدرب درب الروم ذي الشرقات
وأما بنو عيسى فماه ديارهمإلى ما حوت جو من القريات
بنو حرة أدت أسوداً ضوارياًعلى الحرب وهابين للبدرات
على أعظم بالرايحان ودايهمقدسة تحت التراب رفات
قفا واسألاها إن أجابت وجرباأبا دلف في شأنها الحسنات
فتى ما أقل السيف والرمح مخرجعداه من الدنيا بغير بيات
هو الفاضل المنصور والراية التيأدارت على الأعداء كأس ممات
أذاق الردى جلويه في خيل فارسونصراً فصاروا أعظما نخرات
وما اعتورت فرسان قحطان قبلهعلى أحد في السر والجهرات
عدت خيله حمر النحور وخيلهممخضبة الأكفال والربلات
وصبح صبحاً عسقلان بعسكربكى منه أهل الروم بالعبرات
سعى غير وان عن عقيل وما سلاولم يعد عن حرمان فالسلوات
فبيتهم بالنار حتى تفرقواعلى الحصن بالقتلى أشد بيات
وجاس تخومات البلاد مصمماًعلى أهلها بالخيل والغزوات
نفى الكرد عن شعبي نهاوند بعدماسقى فرض القربان بالرفقات
وأورد ماء البشر بالبيض فارتوتوعلّ رماحا من دم نهلات
ولم يثنه عن شهر زور مصيفهاوورد أجاج الشرب غير فرات
ومن همذان قارعته كتيبةفآبت بطير النحس النكبات
وبالحرشان استنزل القوم وحدهيخرون للأذقان والجبهات
ولم ينج منه طالب قبل طالبوقد أوسعا في الطعن هاك وهات
بدين أمير المؤمنين ورأيهندين وننفي الشك الشبهات
فكل قبيل من معد وغيرهايرى قاسماً نوراً لدى الظلمات
ولو لم يكن موت لكان مكانهأبو دلف يأتي على النسمات
أبا دلف أوقعت عشرين وقعةوأفنيت أهل الأرض في السنوات
تركت طريق الموت بالسيف عامراًتخرقه القتلى بغير وفاة
صبرت لأن الصبر منك سجيةعلى غدرات الدهر ذي الغدرات
إلى أن رفعت السيف والرمح بعدماسموت فنلت النجم بالسموات
ولبيت هارون الخليفة إذ دعافألفيته في الله خير موات
فأمنت سرباً خائفاً ورددتهوألفت عجلاً بعد طول شتات
أعدت اللحا فوق العصا فجمعتهاوقد صيروا عجم العصا عبرات
وألبست نعماك الفقير وغيرهوأتبعت براً واصلاً بصلات
فعزك مقرون بعلم وسؤددوجودك مقرون بصدق عدات
وما افتقدت منك القبائل ساعةجواداً يبذ الرمح حلف هبات
ومالك ظللتنا منك بالخير نعمةجعلت لها أمثالها أخوات
بسطت الغنى والفتك والخير والندىبشدة إقدام وحسن أناة
أبو دلف أفنى صفاتي مديحهوإني ليكفي الناس بعض صفاتي
به ارتد ملك كاد يودي وأسبغتعلى آل عيسى أفضل النعمات
بني قاسم مجداً رفيعاً بيوتهوشاد بيوت المجد بالعزمات
وأشبه عيسى في نداه وبأسهوفي حبّه الإفضال والصدقات
وأشبه إدريس الذي حد سيفهتشب به النيران في الفلوات
كأن جياد المقليين في الوغىجهنم ذات الغيظ الزفرات
أبوه عمير قاد أبناء وائلإلى العز الكشاف للكربات
بنو دلف بالفضل أولى لأنهممعادن أيقان بما هو آت
كأن غمام العز حشو أكفهمإذا طبق الآفاق بالديمات
هذا البيت أقرت الشعراء قاطبة أنه لا يكون وراءه حسن ولا جودة معنى، على أن القصيدة كلها نمط واحد دونه الديباج.
إذا زرتهم في كل عام تباشرواولم يغفلوا الإلطاف والنفحات
فكم أصلحوا حالي وأسنوا جوائزيوأجروا على البذل والنفقات
وإني على ما في يدي من حبائهمكمعن ومثلي طلحة الطلحات
فمنية قومي أن أخلد فيهمومنية أعدائي نفاد حياتي
أنا الشاعر المملي على ألف كاتبويسبق إملائي سريع فرات
فأبدي ولا أروي لخلق قصيدةوأحسب إبليساً لحسن وراتي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع