من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار منصور النمري
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
واسمه منصور بن سلمة بن الزبرقان، وهو من رأس العين. ويكنى أبا الفضل حدثني أبو رجاء الضحاك بن رجاء الكوفي قال: حدثني ابن عبدل قال: مر منصور النمري يوماً بالعتابي - وكان صديقاً له، وكان النمري يجل العتابي ويعظمه لقناعته وديانته، ولعلمه مع ذلك وسعة أدبه - فسلم عليه فرأى به العتابي كآبة. فقال له النمري إني مغتم بامرأتي فلانة، فإنها تمخض منذ ثلاث وقد عسرت عليها ولادتها، فقال له العتابي: ويحك، فأين تركت الحزم ودواؤها عندك؟ قال: وما هو؟ فقال: تكتب على متاعها: الرشيد، حتى تسهل ولادتها فإنما عسر الولادة من ضيق المسلك. وإذا كتبت الرشيد على فرجها اتسع. فغضب النمري واختلط. وقال ويحك، أشكو إليك مثل هذا الأمر أفتستقبلني بمثل هذا، وتستخف باسم أمير المؤمنين وذكره؟ فقال العتابي: فلا تغضبن فأنت علمتنا هذا. ألست القائل في الرشيد في قصيدتك العينية:
إن أخلف القطر لم تخلف مخايلهأو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
- وهذه القصيدة عجيبة في المدح فصيحة، وتشبيبها في الشيب لم يقل مثله أحد - فاستحكم غضب النمري وغيظه عليه، ومر من وجهه ذلك إلى الرشيد فأعلمه، وحكى لفظه، ففار كما يفور المرجل غيظاً عليه، وحلف ليقتلنه. وكان جعفر بن يحيى يستخص العتابي ويقربه ويعاشره، فما زال بالرشيد حتى عفا عنه، ورضي وسكنت نفسه. وسكت العتابي على هذه مدة، حتى تمكن من الرشيد بعلمه وغزارة أدبه، فإنه كان بحراً لا ينزف، وحضر مجلسه ليلة يسامره، والنمري غائب بالرقة، فتحدث عنه طويلاً وأجرى الحديث إلى ذِكر الروافض محمداً، ثم أنشده القصيدة التي للنمري وأولها:
شاء من الناس رابع هامليعللون النفوس بالباطل
تقتل ذرية النبي ويرجون خلود الجنات للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقدبؤت بحمل ينوء بالحامل
أي حباء حبوت أحمد فيحفرته من حرارة الثاكل
بأي وجه تلقى النبي وقددخلت في قتله مع الداخل
هلم فاطلب غداً شفاعتهأو لا فرد حوضه مع الناهل
ما الشك عندي في حال قاتلهلكنني قد أشك في الخاذل
نفسي فداء الحسين يوم غداإلى المنايا غدو لا قافل
ذلك يوم أخنى بشفرتهعلى سنام الإسلام والكاهل
حتى متى أنتِ تعجلين: ألاتنزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وماربك عما ترين بالغافل
وعاذلي أنني أحب بنيأحمد فالترب في فم العاذل
قد دِنت ما دينكم عليه فماوصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النبي وما الجافي لآل النبي كالواصل
فلما بلغ قوله في ذكر فاطمة ﵇ وأمر فدك، وذكر أبي بكر وعمر، وزعمه أنهما ظلماها في أمر فدك وهو قوله:
مظلومة والإله ناصرهاتُديرُ أرجاء مقلة حافل
قال له الرشيد: يا عتابي، من قال هذا؟ قال: عدوك يا أمير المؤمنين الذي تظن أنه وليك. فقال: ويلي على ابن الفاعلة، يحض الناس على الخروج علي، يضمر عداوتي ويظهر من موالاتي ما يظهر، وقد اقتني مني هذه الأموال، ومنزلته هذه المنزلة - وكان منصور يعتزي إلى الرشيد بالخؤولة من جهة نتيلة النمرية أم العباس بن عبد المطلب، وكان يمدح الرشيد بالمدائح الجياد التي ليس لأحد مثلها، وكان يصله بالصلات الجزيلة، وكان النمري يدين بالإمامة سراً، ويمدح آل الرسول، ويعرض في شعره بالسلف، والرشيد لا يعلم ذلك حتى كثر، وكان ذلك اليوم - ثم أقبل العتابي يحضه، ويذكر مذهبه، وينشد شعره في الطالبيين شيئاً بعد شيءٍ، فدعا الرشيد بأبي عصمة الشيعي وهو من الزيدية في شيعة بني العباس. فقال له: اخرج من ساعتك هذه إلى الرقة، فخذ منصوراً النمري، فسل لسانه من قفاه، واقطع يده ورجله، ثم اضرب عنقه، واحمل إلى رأسه، واصلب هناك بدنه. فخرج أبو عصمة لذلك، فلما صار بباب الرقة، وهو يدخل المدينة، إذا هو بجنازة النمري قد استقبلته فانكفأ راجعاً إلى الرشيد فاعلمه. فقال له: فألا إذ صادفته ميتاً أحرقته بالنار؟ وهو القائل بقصيدته التي يمدح فيها الرشيد:
يا بن الأئمة من بعد النبي ويا أبن الأوصياء أقر الناس أم دفعوا
لولا عدي وتيم لم تكن وصلتإلى أمية تمريها وترتضعُ
إن الخلافة كانت إرث والدكممن دون تيم وعفو الله متسع
وما لآل علي في إمارتكمحق وما لهم في إرثكم طمع
يا أيها الناس لا تغرب عقولكمولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العم أولى من ابن العم فاستمعواقول النصيح فإن الحق يستمع
وقد أقام القيامة في تشبيب هذه القصيدة بالشباب فالتشبيب منها:
أودى الشباب وفاتتني بشرتهصروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنت غرتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
إن كنت لم تطمعي ثكل الشباب ولمتشجى بغصته فالعذر لا يقع
وأول هذه القصيدة:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
ورووا أنه دخل على الرشيد يوماً فانشده:
بني حسن وقل لبني حسينٍعليكم بالسداد من الأمورِ
أميطوا عنكم كذب الأمانيوأحلاماً يعدن عدات زور
مننت على ابن عبد الله يحيىوكان من الحتوف على شفير
ولو جايت ما اقترفت يداهدلفت له بقاصمة الظهور
يدٌ لك في رقاب بني عليومن ليس بالمن الصغير
وإنك حين تبلغهم أذاة وإن ظلموا لمحترق الضمير
ألا لله در بني عليوزور من مقالتهم كبير
يُسمون النبي أباً، ويأبىمن الأحزاب سطر في سطور
يريد قوله ﷿ " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله " قال: فقال الرشيد لما سمع قوله:
وإنك حين تبلغهم أذاةوإن ظلموا لمحترق الضمير
ويحك، ما هذا؟ شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت. ثم قال للفضل بن الربيع: خذ بيد النمري فأدخله بيت المال، ودعه يأخذ ما شاءَ، فأدخلني وليس فيه إلا سبع وعشرون بدرة، فاحتملتها.
وأخذ النمري على شعره في دفعتين ما لم يأخذه شاعر قط: إحداهما هذه، والأخرى أن الرشيد كان بالرقة، وكان يستحسنها ويستطيبها، فيقيم بها، وأطال المقام بها مرة، فقالت زبيدة للشعراء: من وصف مدينة السلام وطيبها في أبيات يشوق أمير المؤمنين إليها أغنيته. فقال في ذلك جماعة، منهم النمري قال أبياتاً أولها:
ماذا ببغداد من طيب أفانينومن عجائب للدنيا وللدين
إذا الصبا نفحت والليل معتكرفحرشت بين أغصان الرياحين
فوقعت أبياته من بين جميع ما قالوا، وانحدر الرشيد إلى بغداد. فوهبت زبيدة للنمري جوهرة. ثم دست إليه من اشتراها، بثلاثمائة ألف درهم.
ومن جيد ما قال في آل الرسول ﵈:
آل الرسول ومن يحبهميتطامنون مخافة القتلِ
أمن النصارى واليهود وهممن أمة التوحيد في أزلِ
وله الميمية التي يغني بها، يمدح فيها الرشيد وهي جيدة أولها:
يا زائرينا من الخيامِحياكما الله بالسلام
لم تطرقاني وبي حراكإلى حلال ولا حرامِ
هيهات للهو والتصابيوللغواني وللمدامِ
أقصر جهلي وثاب حلميونهنه الشيب من عرامي
لله حبي وترب حبيليلة أعياهما مرامي
آذنتاني بطول هجريوعدتاني مع السوامِ
وانطوتا لي على ملامٍوالشيب شر من الملام
بورك هارون من إمامبطاعة الله ذو اعتصام
يسعى على أمة تمنىأن لو تقية من الحمام
لو استطاعت لقاسمتهأعمارها قسمة السهام
يا خير ماض وخير باقٍبعد النبيين في الأنام
وميميته في المأمون وهو ولي عهد عجيبة، قد صارت مثلاً في سائر الناس وأولها:
لعل عُذراً وأنت تلومْوكم لائم قد لام وهو مُليم
وأشعار النمري في آل الرسول ﵈ كثيرة جيدةً، من أجود ما مُدحوا به. وكذلك ما له في المدح والغزل كله جيد. وهو من فحولة المحدثين. وله أخبار كثيرة ونوادر.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع