من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار العتابي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
واسمه كلثوم بن عمرو، وهو من بني تغلب، من ولد عمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمر بن هند. ويكنى أبا عمرو، من أهل قنسرين.
حدَّثني ابن أبي الخوصاء قال: حدثني عمي قال: حدَّثني أبو الهذيل قال: دخل العتابي على المأمول فكلمه بكلام أحسن فيه وأوجز. قلت: وما ذاك الكلام يا أبا هذيل؟ فإن كلاماً استحسنه لحسن، قال: قال له المأمون: يا عتابي تلكم، فقال: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس إن المرء لا يحمد أول أمره على صواب، ولا يذم على خطإ، لأنه بين حالين: من كلام قد سواه أو حصر تعناه، ولكن يبسط بالمؤانسة، ويبحث بالمناقشة. فأعجب المأمون بكلامه.
وحدثني إبراهيم بن عمرو الأسدي الموصلي عن ابن جابر الكاتب قال: كتب العتابي لأبي يوسف القاضي: أما بعد، فخف الله الذي أنعم عليك بتلاوة كتابه، واحذر أن يكون لسانك عدة للفتنة، وعملك ردءا للمعتدين، فإن أئمة الجور إنما يكيدون الصالحين باستصحاب أهل العلم. وحدثني ورقاء بن محمد العجلي قال: حدثني أبو صاعد قال: كان العتابي مجيداً مقتدراً على الشعر عذب الكلام، وكاتباً جيد الرسائل حاذقاً، وقلما يجتمع هذا لأحد، ولما اشخصه المأمون إليه دخل عليه قال له المأمون: بلغتني وفاتك فساءتني ثم بلغتني وفادتك فسرتني. فقال: يا أمير المؤمنين. لو قسمت هذه الكلمة على أهل الأرض لوسعتهم، وذلك أنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. فسر المأمون بكلامه وقال له: سلني. قال: يا أمير المؤمنين، يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة.
وحدثني جعفر المالكي قال: ما سمعت كلاماً قط. لأحد من المتكلمين أحسن من كلام العتابي. وما رأيت كاتباً تقلد الشعر مع الكتابة إلا وجدته ضعيف الشعر غيره، فإنه كان فحل الشعر جيد الكلام.
ومما يستحسن له من شعره قوله:
ردت إليك ندامتي أمليوثني إليك عنانة شكري
وجعلت عتبك عتب موعظةورجاء عفوك منتهى عذري
ومما يستحسن
تجنب دار العامرية إنهاتكلفه عهد الصبا والكواعب
منازل لم تنظر بها العين نظرةفتقلع إلا عن دموع سواكب
ولا وصل إلا أن تعاج مطيةعلى دارس الأعلام عافي الملاعب
ومن بديع ما روي له أيضاً قوله:
ماذا عسى قائل يثني عليك وقدناجاك في الوحي تقديس وتطهير
فت المدائح إلا أن ألسننامستنطقات بما تخفي الضمائير
ويستحسن له أيضاً قوله:
ماذا شجاك بحوارين من طللودمنة حسرت عنها الأعاصير
شجاك حتى ضمير القلب مشتركوالعين إنسانها بالماء مغمور
لبست أردية النوار من طللوزلت أخضر تعلوك الأزاهير
ومما يستحسن له قوله:
عرفت مصيفاً من سليمى ومربعاًبذروة نمود فأكناف بلتعا
بلادٌ تشتاها الوحوش وترتعيقواماً من البهمي وجاراً مدعدعا
ترود بها الأدم المتالي وربماتراها محلاً من أناس ومجمعا
وله أيضاً:
صدت نوار فصد واجتنباوطوت فأعرض دونها السببا
فكأنما وصلت بمقلتهتمثالها من حيث ما ذهبا
وله أيضاً:
رمى القلب يأسٌ من سليمى فاقصداوكان بها هيامة القلب مهندا
وهي قصيدة مشهورة جيدة، وأشعار العتابي كلها عيون ليست فيها بيت ساقط.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع