تجاوز إلى المحتوى

من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)

أخبار دعبل بن علي الخزاعي

فيه ٢٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حدَّثني أبو العباس المبرد قال: كنت منحدراً من سر من رأى، فأدركني المساء فأمرت الملاح أن يقرب الزروق مظلل قد قرب من الشط لنبيت هناك. وكان عند غروب الشمس، فإذا أنا بزورق مظلل قد قرب من الشط، فلما صار إلى الشط خرج منه خادم معه قوس بندق، قم خرج آخر معه خريطة بندق، ثم خرج بعدهم شيخ بهيّ وضيء الوجه قد انحنى على خادم، فلما رأيته قلت في نفسي: ما أشك أن هذا الرجل من أهل النعمة. وقل ما يكون من النعمة إلا أديب وإما وحيد فتبعته وقد أخذ قوس بندق، فرمى عصفوراً فأخطأ. ثم رمى فأخطأ، ثم رمى ثالثاً فأخطأ، فناول القوس بعض الخدم وقال: " نرمي العصافير فنخطيهنّ " قال المبرد: فقلت على البديهة: رمياً ضعيفاً ليس يوذيهن فقال الشيخ: من هذا الذي يجيز عليّ؟ فقلت: أنا - جعلت فداك - المبرد، فمن أنت يا سيدي؟ قال: أنا دعبل. فأسرعت إليه وقبلت يده، ولم أزل أوانسه حتى دخل بغداد، فلما أردت أن أنصرف عنه إلى منزلي منعني وقال: فبمن أسر إذا انصرفت؟ فقلت: جعلت فداك، إن مفارقتك لتشق عليّ، ولكن أنا معذور هذا الوقت، وأعود بعد فنستأنس. فأذن لي. حدَّثني اليزيدي قال: قال رجل لابن الزيات: لم لا تجيب دعبلا عن قصيدته التي هجاك فيها؟ قال: إن دعبلاً قد نحت خشبته وجعلها على عنقه، يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلاثين سنة وهو لا يبالي ما قال هؤلاء وما فعل له.

وحدثني إبراهيم بن محمد قال: كان دعبل يخرج إلى خراسان والمأمون بها، والرضا ﵇ معه هناك، فيمدحها فيجزلان له العطية، وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيسقطون له في كل سنة خمسين ألف درهم، وكان بقم إنسان يتعاطى الشعر، يقول شيئاً ضعيفاً يضحك منه. وأنشد دعبل شيئاً من شعره، فقال للمنشد، أمسك فإن استماع هذا يصدأ منه السمع. فبلغ الرجل ذلك فصار إليه وقال له: أنت الذي رذلت شعري؟ قد قلت فيك أبياتاً. فقال له: هات، فقال:

في است دعبل بلابلليس يشفى لقابل
ليس يشفيه إلاأير بغل بكابل

قال: فسقط في يده وقال: والله ليسرن شعر هذا الجيفة على ألسنة العامة الصبيان، وقال: أعطيك شيئاً وتكتم هذه الأبيات ولا ترويها؟ قال: وما أريد غير ذلك، وكان خفيف الحال، فقال: أعطوه مائة درهم، فقال: والله لا أخذت إلا ألفاًن فقبضه وخرج، فقلنا له: ما صنعت؟ هذا يدفع إليه من درهم إلى درهمين وقد كان يرضيه منك خمسة دراهم، فقال: دعوني من هذا، والله لو احتكم على الخمسين الألف التي قسمت لي بقم لدفعتها إليه. ثم خرج دعبل، وشاع ذلك في البلاد، فهتف به الغوغاء، والسفل والعبيد، واحتاج أن يدع البلد بعد ذلك ولا يدخله.

وقصد إلى دعبل شاعر فقال: إني مدحتك، فقال: أوتعرفني؟ قال: نعم، أنت دعبل. قال: إذن فإنشد. فأنشده:

لقائل قلت وقد قال ليأكرم من تسأله دعبل

أيطلب السائل من سائل؟فقال لي: السائل لا يبخل
لبئس ما قدر في نفسهأن يسأل الناس ولا يسأل

قال: فوصله وأكرمه.

ومما يستملح لدعبل أرجوزته في المأمون وهي فصيحة سهلة يقول فيها:

يا سلم ذات الوضح العذابوربة المعصم ذي الخضاب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا سلم ذات الوضح العذاب»
والكفل الرجراج في الحقابوالفاحم الأسود كالغراب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «يا سلم ذات الوضح العذاب»
بحق تلك القبل في الحقاببعد التجني منك والعتاب

إلا كشفت اليوم عني ما بي

ومما يستحسن له قوله:

وبدل ضيفي في الظلام على القريإشراق ناري أو نباح كلابي
حتى إذا واجهته ولقينهحيينه ببصابص الأذناب
فتكاد من عرفان ما قد عودتمن ذاك أن يفحصن بالترحاب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أنا من علمت إذا دعيت لغارة»

وله في أبي سعد المخزومي:

إن أبا سعد على مجونهورقة في عقله ودينه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن أبا سعد على مجونه»
يبترك الدهر على جبينهلحية تنساب في تسعينه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن أبا سعد على مجونه»

يزرع قثا جاره في تينه

ولدعبل في القرى:

عللاني بسماع وطلاوبضيف طارق يبغي القرى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
نغمات الضيف أحلى عندنامن رغاء الشاء في ذات الرغا
ننزل الضيف إذا ما حل فيحبة القلب وألواذ الحشا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
رب ضيف تاجر أخسرتهبعته المطعم وابتعت الثنا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
أبغض المال إذا جمعتهإن بغض المال من حب العلا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
إنما العيش خلال خمسةحبذا تلك خلالا حبذا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
خدمة الضيف، وكأس لذةونديم، وفتاة، وغنا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»
وإذا فاتك منها واحدنقص العيش بنقصان الهوى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «عللاني بسماع وطلا»

وهو صاحب القصيدة التائية في آل الرسول صلوات الله عليه وسلم، وهي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحي مقفر العرصات
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «مدارس آيات خلت من تلاوة»

وهي أشهر من الشمس، ولا حاجة بنا إلى تضمينها ولا تضمين شيء منها. وهو صاحب التائية الأخرى التي أولها:

طرقتك طارقة المني ببياتلا تظهري جزعاً فأنت بدات
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «طرقتك طارقة المنى ببيات»
في حب آل المصطفى ووصيهشغل عن اللذات والقينات
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «طرقتك طارقة المنى ببيات»
إن النشيد بحب آل محمدأزكى وأنفع لي من القنيات
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «طرقتك طارقة المنى ببيات»
فاحش القصيد بهم فرغ فيهمقلباً حشوت هواه باللذات
واقطع حباله من يريد سواهمفي حبه تحلل بدار نجاة
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «طرقتك طارقة المنى ببيات»

وهي أيضاً طويلة مشهورة فتركنا أيرادها.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «طبقات الشعراء»