من «طبقات الشعراء» لعبد الله بن المعتز (ت ٢٩٦هـ)
أخبار العباس بن الأحنف
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدَّثني إبراهيم بن معلى البصري قال: حدَّثني محمد بن عامر الحنفي قال: كان العباس بن الأحنف من بني حنيفة، وكان شاعراً ظريفاً ومفوهاً منطقياً مطبوعاً، وكان يتعاطي الفتوة على ستر وعفة، وله مع ذلك كرمٌ ومحاسن أخلاق وفضل من نفسه، وكان جواداً لا يليق درهماً ولا يحبس ما يملك، ويكنى أبا الفضل. حدَّثنا جابر بن عمرو الباهلي قال: حدثني ابن أبي العلاء قال:
كان العباس بن الأحنف منشؤه ببغداد وكان من بني حنيفة، ويدلك على ذلك قوله:
فإن يقتلوني لا يفوتوا بمهجتيمصاليت قومي من حنيفة أو عجل
حدَّثني عون بن جعفر عن محمد بن روح قال: وقع بين مسلم بن الوليد صريع الغواني وبين العباس بن الأحنف تهاجٍ في أمر كان بينهما، فقال له مسلم يهجوه:
بنو حنيفة لا يرضى الدعي بهمفاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبهمإني أرى لك وجهاً يشبه العربا
وحدثني أبو مالك عن الأجلح بن يزيد قال: كان العباس بن الأحنف صاحب غزل، رقيق الشعر، يشبه في عصره بعمر بن أبي ربيعة المخزومي في عصره، ولم يكن يمدح ولا يهجو، إنما كان شعره كله، في الغزل والوصف، وهو الذي يقول:
أشكو الذين أذاقوني مودتهمحتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا
لأخرجن من الدنيا وحبهمبين الجوانح لم يشعر به أحد
ألقيت بيني وبين الهم معركةفليس تنفد حتى ينفد الأبد
ومما يستحسن له قوله:
لو كنت عاتبة لسكن لوعتيأملي رضاك، وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلةصد الملول خلاف صد العاتب
ما ضر من قطع الرجاء ببخلهلو كان عللني بوعد كاذب
وهذا المعنى يشبه قول الشاعر:
أميتني، فهل لك أن تردىحياتي من مقالك بالغرور
أرى حبيبك ينمي كل يوموجورك في الهوى عدلا فجوري
ومن بديع ما للعباس وطريفه ما ليس لأحد في معناه شيء يدانيه قوله:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبتتضيء للناس وهي تحترق
وهو القائل أيضاً:
هبوني أغص إذا ما بدتوأمنع طرفي ولا أنظر
فكيف استتاري إذا ما الدموعنطقن فبحن بما أضمر؟
ومن بدائعه المليحة قوله:
بكت غير آنسة بالبكاءترى الدمع في مقلتيها غريباً
وأسعدها نسوة بالبكاءجعلن مغيض الدموع الجيوبا
أيا من تعلقته ناشئاًوشبت وما آن لي أن أشيبا
ويا من دعاني إلى حبهفلبيت حين دعاني مجيبا
وكم باسطين إلى حبلناأكفهم لم ينالوا نصيبا
لعمري لقد كذب الزاعمونبأن القلوب تجاري القلوبا
ولو كان حقاً كما يزعمونلما كان يشكو محب حبيبا
وأنت إذا ما وطئت التراب صار ترابك للناس طيبا
وذكر أن الرشيد هجر جاريته ماردة وهي أم المعتصم، وكان يموت من عشقها، فتكبر أن يبدأها بالصلح، وتكبرت هي أيضاً، فصبرا على ذلك بأمر عيش، وكاد الرشيد يتلف. وكان وزيره الفضل بن الربيع، فأحضر الفضل العباس بن الأحنف، وعرفه القصة وقال: في ذلك شيئاً، فقال:
العاشقان كلاهما متجنبوكلاهما متعتب متغضب
صدت مهاجرة وصد مهاجراًوكلاهما مما يعالج متعب
إن التجانب إن تطاول منهمادب السلو له فعز المطلب
فبعث إليه الفضل بالأبيات، فسر بها سروراً، ولم يستتم الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضاً بيتين في ذلك هما:
لا بد للعاشق من وقفةتكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى بهراجع من يهوى على الرغم
فاستحسن الرشيد إصابته حالهما، وقال: والله لأصالحنها كما قال. وعرفت ماردة السبب في الشعر. ولم تدر من قائله. فسألت الرشيد فقال: لا أدري من صاحب الشعر. ولكن الفضل بن الربيع بعث به، فأرسلت إلى الفضل تسأله، فأعلمها، فأمرت له بألف دينار، وأمر له الرشيد بألفي دينار، وأمر له الفضل بخمسمائة دينار.
ومن بدائعه وصفه تمشي المرآة بالهوينا:
كأنها حين تمشي في وصائفهاتمشي على البيض أو فوق القوارير
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع