من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مقامات بديع الزمان (٣)
ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح السكندرى:
حدّثنا عيسى بن هشام قال: حدانى إلى سجستان أرب، فاقتعدت طيّته، وامتطيت مطيّته، واستخرت الله تعالى فى العزم حدوته أمامى، والحزم جعلته قدّامى، حتى هدانى إليها، ووافيت دروبها، وقد وافت الشمس غروبها، واتفق المبيت حيث انتهيت؛ ولما انتضى نصل الصباح، وبرز جبين المصباح، مضيت إلى السوق أتّخذ منزلا، فحيث انتهيت من دائرة البلد إلى نقطتها، ومن قلادة السوق إلى واسطتها، خرق سمعى صوت له من كلّ عرق معنى، فانتحيت وفده، حتى وقفت عنده؛ فإذا رجل على فرسه، مختنق بنفسه، قد ولّانى قذاله وهو يقول: من عرفنى فقد عرفنى، ومن لم يعرفنى فأنا أعرّفه بنفسى، أنا باكورة اليمن، أنا أحدوثة الزمن، أنا أدعيّة الرجال، وأحجيّة ربات الحجال، سلوا عنى الجبال وحزونها، والبحار وعيونها، والخيل ومتونها، من الذى ملك أسوارها، وعرف أسرارها، ونهج سمتها، وولج حرّتها؟ وسلوا الملوك وخزائنها، والأغلاق ومعادنها، والعلوم وبواطنها، والخطوب ومغالقها، والحروب ومضابقها، من الذى أخذ مختزنها، ولم يؤدّ ثمنها؟ ومن الذى ملك مفاتحها، وعرف مصالحها؟ أنا والله فعلت ذلك، وسفرت بين الملوك الصّيد، وكشفت أستار الخطوب السّود. أنا والله شهدت حتى مصارع العشّاق، ومرضت حتى لمرض الأحداق، وهصرت الغصون الناعمات، وجنيت جنى الخدود المورّدات، ونفرت عن الدنيات نفور طبع الكريم عن وجوه اللئام، ونبوت عن المحرمات نبوّ سمع الشريف عن قبيح الكلام، والآن لما أسفر صبح المشيب، وعلتنى أبّهة الكبر، عمدت
لإصلاح أمر المعاد، بإعداد الزّاد، فلم أر طريقا أهدى إلى الرشاد مما أنا سالكه، يرانى أحدكم راكب فرس وهوس، فيقول: هذا أبو العجب، لا، ولكنى أبو العجائب، عاينتها وعانيتها، وأمّ الكبائر قايستها وقاسيتها، وأخو الأعلاق، صعبا أخذتها، وهونا أضعتها، وغاليا اشتريتها، ورخيصا بعتها؛ فقد والله صحبت لها المواكب، وزاحمت المناكب، ورعيت الكواكب، وأنضيت الركائب، ولا منّ عليكم، فما حصلتها إلا لأمرى، ولا أعددتها إلّا لنفسى، لكنى دفعت إلى مكاره نذرت معها ألّا أدخر عن المسلمين نفعها، ولا بدّ لى أن أخلع ربقة هذه الأمانة من عنقى إلى أعناقكم، وأعرض دوائى هذا فى أسواقكم، فليشتره منى من لا يتقزّز من موقف العبيد، ولا يأنف من كلمة التوحيد، وليصننه من أنجبت جدوده، وسقى بالماء الطّاهر عوده.
قال عيسى بن هشام: فدرت إلى وجهه لأعلم علمه، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، وانتظرت إجفال النعامة بين يديه، ثم تعرّضت فقلت: كم يحلّ دواءك هذا؟ قال: يحلّ الكيس ما مست الحاجة؛ فانصرفت وتركته.
ومن إنشائه فى هذا الباب: حدّثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة السلام، قافلا من البيت الحرام، أميس ميس الرّجلة، على شاطىء الدّجلة، أتأمّل تلك الطرائف، وأتقصّى تلك الزخارف، إذ انتهيت إلى حلقة رجال مزدحمين، يلوى الطّرب أعناقهم، ويشقّ الضحك أشداقهم، فساقنى الحرص إلى ما ساقهم، حتّى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأى وجهه، لشدّة الهجمة، وفرط الزّحمة، وإذا هو قرّاد يرقص قرده، ويضحك من عنده، فرقصت رقص المحرج، وسرت سير الأعرج، فوق أعناق الناس، يلفظنى عاتق هذا لسرّة ذاك، حتى افترشت لحية رجلين، وقعدت بين اثنين، وقد
أشرقنى الخجل بريقه، وأرهقنى المكان لضيقه، فلما فرغ القرّاد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كسانى الرّيب حلّته، ووقفت لأرى صورته، فإذا أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: ما هذه الدناءة؟ ويحك! فقال:
الذنب للأيام لا لىفاعتب على صرف اللّيالى
بالحمق أدركت المنىورفلت فى ثوب الجمال
ومن إنشائه فى هذا الباب أيضا: حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بأصفهان أعتزم المسير إلى الرّىّ، فحللتها حلول الفىّ، أتوقّع النّقلة كل لمحة، وأترقّب الرّحلة كلّ صبحة؛ فلما حمّ ما توقّعته، وأزف ما ترقّبته، نودى للصلاة نداء سمعته، وتعيّن فرض الإجابة؛ فانسللت من بين الصحابة، أغتنم الجماعة أدركها، وأخشى فوات القافلة أتركها، لكنى استعنت ببركة الصلاة، على وعثاء الفلاة؛ فضرت إلى أول الصفوف، ومثلت للوقوف، وتقدّم الإمام للمحراب، وقرأ فاتحة الكتاب، [وثنّى بالأحزاب]، بقراءة حمزة، مدّة وهمزة، وأتبع الفاتحة بالواقعة، وأنا أتصلّى بنار الصبر وأتصلّب، وأتقلّى على جمر الغيظ وأتقلّب، وليس إلا السكوت والصبر، أو الكلام والقبر، لما عرفت من خشونة القوم فى ذلك المقام، أن لو قطعت الصلاة دون السلام، فوقفت بقدم الضرورة على تلك الصورة، إلى انتهاء السورة، وقد قنطت من القافلة، ويئست من الراحلة، ثم حنى قوسه للركوع، بنوع من الخشوع، وضرب من الخضوع، لم أعهده قبل ذلك، ثم رفع رأسه ويده، وقال: سمع الله لمن حمده، وقام، حتى ما شككت أنه نام، ثم أكبّ لوجهه، فرفعت رأسى أنتهز فرصة، فلم أر بين الصفوف فرجة، فعدت للسجود، حتى كبّر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعة، فعدت للسجود، حتى كبّر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعة، قراءة استوفى فيها عمر الساعة، واسترقّ أرواح
الجماعة، فلما فرغ من ركعتيه، مال للتحية بأخدعيه، فقلت: قد قرب الفرج، وآن المخرج، فقام رجل فقال: من كان منكم يحبّ الصحابة والجماعة، فليعرنى سمعه ساعة.
قال عيسى بن هشام: فلزمت أرضى، صيانة لعرضى، فقال: حقيق علىّ ألّا أقول على الله إلا الحق، قد جئتكم ببشارة من نبيّكم، لكنى لا أؤدّيها حتى يطهّر الله هذا المسجد من نذل جحد نبوّته، وعادى أمّته.
قال عيسى بن هشام: فربطنى بالقيود، وشدّنى بالحبال السّود، ثم قال:
رأيته ﷺ [فى المنام] كالشمس تحت الغمام، والبدر ليلة التّمام، يسير والنجم يتبعه، ويسحب الذّيل والملائكة ترفعه، ثم علّمنى دعاء، وأوصانى أن أعلّم ذلك أمّته، وقد كتبته فى هذه الأوراق بخلوق ومسك، وزعفران وسكّ؛ فمن استوهبه منى وهبته، ومن أعطى ثمن القرطاس أخذته.
قال عيسى بن هشام: فانثالت عليه الدراهم، حتى حيّرته؛ ونظرت فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة؟ ومتى اندرحت فى هذه القبيلة؟ فأنشأ يقول:
الناس حمر فجوّزوابرز عليهم وبرّز
حتى إذا نلت منهمما تشتهيه ففروز
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع