من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
جارية ذات أدب وجمال تبذّ أبناء الخلفاء
وصفت لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات أدب وجمال، فساومه فى ابتياعها، فامتنع وامتنعت، وقالت: لا أحتاج للخلافة ولا أرغب فى الخليفة، والذى أنا فى ملكه أحبّ إلىّ من الأرض ومن فيها. فبلغ ذلك عبد الملك فأغراه بها؛ فأضعف الثمن لصاحبها وأخذها قسرا، فما أعجب بشىء
إعجابه بها، فلما وصلت إليه، وصارت فى يديه، أمرها بلزوم مجلسه، والقيام على رأسه؛ فبينما هى عنده، ومعه ابناه الوليد وسليمان، قد أخلاهما للمذاكرة، فأقبل عليهما فقال: أىّ بيت قالته العرب أمدح؟ فقال الوليد: قول جرير فيك:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
وقال سليمان: بل قول الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهموأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
فقالت الجارية: بل أمدح بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت:
يغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
فأطرق، ثم قال: أى بيت قالته العرب أرقّ؟ فقال الوليد: قول جرير:
إنّ العيون التى فى طرفها حورقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فقال سليمان: بل قول عمر بن أبى ربيعة:
حبّذا رجعها يديها إليهامن يدى درعها تحلّ الإزارا
فقالت الجارية: بل بيت يقوله حسان:
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذرّ عليهالأندبتها الكلوم
فأطرق، ثم قال: أى بيت قالته العرب أشجع؟ فقال الوليد: قول عنترة:
إذ يتّقون بى الأسنّة لم أخمعنها، ولو أنى تضايق مقدمى
فقال سليمان: بل قوله:
وأنا المنية فى المواطن كلهافالموت منى سابق الآجال
فقالت الجارية: بل بيت يقوله كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدما ونلحقها إذا لم تلحق
فقال عبد الملك: أحسنت، وما نرى شيئا فى الإحسان إليك أبلغ من ردّك
إلى أهلك. فأجمل كسوتها، وأحسن صلتها، وردّها إلى أهلها.
ومثل قول كعب بن مالك قول
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع