من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من رسائل بديع الزمان (٣)
كتب البديع أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن يحيى: أما أبو فلان فلا شك أنّ كتابى يرد منه على صدر محا اسمى من صحيفته، وقطع حظّى من وظيفته، ونسى اجتماعنا على الحديث والغزل، وتصرفنا فى الجدّ والهزل، وتقلّبنا فى أعطاف العيش، بين الوقار والطّيش، وارتضاعنا ثدى العشرة؛ إذ الزمان رقيق القشرة، وتواعدنا أن يلحق أحدنا بصاحبه، وتصافحنا من قبل ألّا نصرم الحبل، وتعاهدنا من بعد ألّا ننقض العهد، وكأنى به وقد اتخذ إخوانا فلا بأس، فإن كان للجديد لذة فللقديم حرمة، والأخوّة بردة لا تضيق بين اثنين، ولو شاء معاشرنا فى البين، وكان سألنى أن أرتاد له منزلا ماؤه روىّ، ومرعاه غذى، وأكاتبه لينهض إليه راحلته؛ فهاك نيسابور ضالّته التى نشدتها وقد وجدتها، وخراسان أمنيته التى طلبتها وقد أصبتها، وهذه الدولة بغيته التى أرادها وقد وردتها، فإن صدّقنى رائدا، فليأتنى قاصدا.
وله إلى بعض إخوانه يعزيه عن أبيه: وصلت رقعتك يا سيدى والمصاب لعمر الله كبير، وأنت بالجزع جدير، ولكنك بالعزاء أجدر، والصبر عن الأحبّة رشد كأنه الغىّ، وقد مات الميت فليحى الحىّ، والآن فاشدد على مالك بالخمس، فأنت اليوم غيرك بالأمس، وكان الشيخ ﵀ وكيلك، تضحك ويبكى لك، وقد موّلك ما ألّف فى سراه وسيره، وخلفك فقيرا إلى الله غنيا عن غيره، وسيعجم الشيطان عودك، فإن استلانك رماك بقوم يقولون: خير المال ما أتلف بين الشراب والشباب، وأنفق بين الحباب والأحباب، والعيش بين القداح والأقداح، ولولا الاستعمال، ما أريد المال! فإن أطعتهم فاليوم فى الشراب، وغدا فى الخراب، واليوم واطربا للكاس، وغدا واحربا من
الإفلاس، يا مولاى ذلك الخارج من العود يسمّيه الجاهل نقرا، ويسمّيه العاقل فقرا. وكذلك المسموع فى الناى، هو فى الآذان زمر، وفى الأبواب سمر، فإن لم يجد الشيطان مغمزا فى عودك من هذا الوجه، رماك بقوم يمثّلون الفقر حذاء عينيك، فتجاهد قلبك، وتحاسب بطنك، وتناقش عرسك، وتمنع نفسك، وتتوقّى دنياك بوزرك، وتراه فى الآخرة فى ميزان غيرك، لا، ولكن قصدا بين الطريقين، وميلا عن الفريقين، لا منع ولا إسراف، والبخل فقر حاضر، وضرّ عاجل، وإنما يبخل المرء خيفة ما هو فيه.
ومن ينفق الساعات فى جمع مالهمخافة فقر فالذى صنع الفقر
وليكن لله فى مالك قسم، وللمروءة قسم؛ فصل الرّحم ما استطعت، وقدّر إذا قطعت، فلأن تكون فى جانب التقدير، خير من أن تكون فى جانب التبذير.
وله إلى رئيس عناية برجل: كتابى أظال الله بقاء الرئيس، والكاتب مجهول، والكتاب فضول، وبحسب الرأى موقعه، فإن كان جميلا فهو تطوّل، وإن كان شينا فهو تقوّل، وأية سلك الظنّ فله- أيّده الله تعالى- المنّ، من نيسابور عن سلامة شاملة نسأل الله تعالى ألّا يلهينا بسكرها، عن شكرها، والحمد لله رب العالمين. يقول الشيخ- أيّده الله تعالى: من هذا الرجل؟ وما هذا الكتاب؟ فأمّا الرجل فخاطب ودّ أولا، وموصل شكر ثانيا؛ وأما الكتاب فلحام أرحام الكرام؛ فإن يعن الله الكرام تتّصل الأرحام.
هذا الشريف قد حاربه زمان السوء؛ فأخرجه من البيت الذى بلغ السماء مفخرا، ثم طلب فوقه مظهرا؛ وله بعد جلالة النسب، وطهارة الأخلاق، وكرم العهد، وحضرنى فسألته عما وراءه، فأشار إلى ضالّة الأحرار، وهو الكرم مع اليسار،
ونبّه على قيد الكرام، وهو البشر مع الإنعام، وحدّث عن برد الأكباد، وهو مساعدة الزمان للجواد، ودلّ على نزهة الأبصار، وهو الثّراء، ومتعه الأسماع، وهو الثناء، وقلّما اجتمعا، وعزّ ما وجدا معا. وذكر أنّ الشيخ الرئيس- أيده الله- جماع هذه الخيرات، وسألنى الشهادة له، وبذل الخط بها، ففعلت، وسألت الله إعانته على همّته؛ فرأى الشيخ- أيده الله تعالى فى الوقوف على ما كتبت، وفى الإجابة- إن نشط- الموفّق إن شاء الله وله إلى ابن أخته: وصل كتابك بما ضمّنته من تظاهر نعم الله عليك، وعلى أبويك، فسكنت إلى ذلك من حالك، وسألت الله بقاءك، وأن يرزقنى لقاءك، وذكرت مصابك بأخيك، رحمه الله تعالى، فكأنما فتتّ عضدى، وطعنت فى كبدى، فقد كنت معتضدا بمكانه، والقدر جار لشانه، وكذلك المرء يدبّر، والقضاء يدمّر، والآمال تنقسم، والآجال تبتسم، فالله يجعله لك فرطا، ولا يرينى فيك سوءا أبدا، وأنت إن شاء الله تعالى وارث عمره، وسداد ثغره، ونعم العوض بقاؤك.
إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّبامنه اتمهل ذرا وأثّ أسافلا
وأبوك سيدى أيده الله تعالى وألهمه الجميل، وهو الصبر، وأناله الجزيل، وهو الأجر، وأمتعه بك طويلا، فما سؤت بديلا، وأنت ولدى ما دمت والعلم شانك، والمدرسة مكانك، والدفتر نديمك، وإن قصّرت، ولا إخالك، فغيرى خالك.
وله من كتاب إلى أبى القاسم الداودى بسجستان:
كتابى- أطال الله بقاء الفقيه- كتاب من ينسى الأيام وتذكره، ويطويها
وتنشره، ويبيد أبناء دهره، وراء ظهره، ويخرج أهل زمانه، من ضمانه، فإذا تناولهم بيمناه، وتسلّمهم بيسراه، أقسم أن صفقته هى الرابحة، وكفّته هى الراجحة، وأنا- أيد الله الفقيه- على قرب العهد، بالمهد، قد قطعت عرض الأرض، وعاشرت أجناس الناس، فما أحد إلا بالجهل اتّبعته، وبالخبرة بعته، وبالظن أخذته، وباليقين نبذته، وما حمد وضعته فى أحد إلّا ضيّعته، ولا مدح صرفته إلى أحد إلّا غربته، ومن احتاج إلى الناس، وزنهم بالقسطاس، ومن طاف نصف الشرق، فقد لقى ربع الخلق، ومن لم يجد فى النّصف لمحة دالّة، لم يجد فى الكل غرّة لائحة، وكان لنا صديق يقول: إن عشت تسعين عاما مت ولم أملك دينارا؛ لأنى قد عشت ثلاثين ولم أملك ثلثها، وهذا لعمرى ياس، يوجبه قياس، وقنوط، بالحجة منوط، ودعابة ستكون جدّا، ووراء هذه الجملة موجدة على قوم، وغربدة إلى يوم، والأمير السيد واسع مجال الهمم، ثابت مكان القدم، وأنا فى كنفه صائب سهم الأمل، وافر الجذل، والحمد لله على ما يوليه، ويولينا معشر مواليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وذرّيته.
وله إلى إبراهيم بن حمزة خادم الأستاذ الجليل: قد أتبع قدمه، إلى الخدمة قلمه، وأتلى لسانه، فى الحاجة بنان، وقد كان استأذنه فى توفير هذا اليوم فى مجلس السيد الجليل فأذن له على عادته السليمة، وشيمته القويمة، ومن وجد كلأرتع، ومن صادف غيثا انتجع، ومن احتاج للحاجات سأل، وبقى أن يشفع الأستاذ الجليل بإزاء الحوض عفره، وينظم إلى روض الإحسان مطره، ويطرّز أنسنا بأبى فلان؛ فقد وصف لى حتى حننت شوقا إليه، ووجدا به، وشغفا له، وغلوّا فيه، ورأيه فى الإصغاء إلى الكرم عال، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع