تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل الميكالى (٣)

فصل لأبى الفضل الميكالى من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى الطيب.

لئن كانت الرزيّة بمصيبة مؤلمة، وطرق العزاء والسّلوة مبهمة، لقد حلّت بساحة من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، بل يتلقّاها بصدر فسيح يحمى أن يفتح الحزن بابه، وصبر مشيح يحمى أن يحبط الجزع أجره وثوابه، ولم لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من بنانه ولسانه تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ بآدابه وسننه؛ فإن تعزّت القلوب فبحسن تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها.

وله من تعزية إلى أبى عمرو البحترى: قدّس الله روحه، وسقى ضريحه؛ فلقد عاش نبيه الذّكر، جليل القدر، عبق الثناء والنّشر، يتجمّل به أهل بلده، ويتباهى بمكانه ذوو مودّته، ويفتخر الأثر وحاملوه بتراخى بقائه ومدّته، حتى إذا تسنّم ذروة الفضائل والمناقب، وظهرت محاسنه كالنجوم الثواقب، اختطفته يد المقدار، ومحى أثره بين الآثار، فالفضل خاشع الطّرف لفقده، والكرم خالى الرّبع من بعده، والحديث يندب حافظه ودارسه، وحسن العهد يبكى كافله وحارسه.

وله: فأما الشكر الذى أعارنى رداءه، وقلّدنى طوقه وسناءه؛ فهيهات أن ينتسب إلا إلى عادات فضله وإفضاله، ولا يسير إلّا تحت رايات عرفه ونواله، وهو ثوب لا يحلّى إلا بذكره طرازه، واسم له حقيقته ولسواه مجازه، ولو أنه

حين ملك رقّى بأياديه، وأعجز وسعى عن حقوق مكارمه ومساعيه، خلّى لى مذهب الشكر وميدانه، ولم يجاذبنى زمامه وعنانه، لتعلّقت عن بلوغ بعض الواجب بعروة طمع، ونهضت فيه ولو على وهن وظلع، ولكنه يأبى إلا أن يستولى على أمد الفضائل، ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل؛ فلا يدع فى المجد غاية إلّا يسبق إليها فارطا، ويخلّف من سواه عنها حسيرا ساقطا؛ لتكون المعالى بأسرها مجموعة فى ملكه، منظومة فى سلكه، خالصة له من دعوى القسيم وشركه.

وله فصل من كتاب إلى أبى سعيد بن خلف الهمذانى: فأما التّحفة التى شفعها بكتابه فقد وصلت، فكانت ضرّة لزهر الربيع، موفية بحسن الخطّ على الوشى الصنيع، وليس يهتدى لمثل هذه اللطائف فى مبرّة الإخوان، إلّا من يعدّ من أفراد الأقران، ولا يرضى من نفسه فى إقامة شعائر البرّ دون القران، والله يمتّعه بما منحه من خصائص هى فى آذان الزمان شنوف، وفى جيده عقد برصوف.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.