من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره
كتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء: نبت بى غرّة الحداثة، فردّتنى إليك التجربة، وقادتنى الضرورة، ثقة بإسراعك إلىّ وإن أبطأت عنك،
وقبولك العذر وإن قصرت عن واجبك، وإن كانت ذنوبى سدّت علىّ مسالك الصفح عنى، فراجع فىّ مجدك وسؤددك، وإنى لا أعرف موقفا أذل من موقفى، لولا أنّ المخاطبة فيه لك، ولا خطّة أدنى من خطّتى، لولا أنها فى طلب رضاك.
وهذا المعنى الذى ذهب إليه من الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره قد أكثر الناس منه قديما وحديثا وسأفيض فى طرف من ذلك:
وأنشد أبو عبيدة لزياد بن منقذ الحنظلى، وهو أخو [المرار العدوى، نسب إلى أمة العدوية، وهى فكيهة بنت تميم بن الدّول بن جبلة بن عدى بن] عبد مناة بن أد بن طابخة؛ فولدت لمالك بن حنظلة عديّا ويربوعا؛ فهؤلاء من ولده يقال لهم [بنو] العدويّة، وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها ومنزله بنجد، فقال فى ذلك قصيدة يقول فيها وذكر قومه:
مخدّمون ثقال فى مجالسهموفى الرحال إذا صاحبتهم خدم
لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهمإلّا يزيدهم حبّا إلىّ هم
[وأراه أول من استثار هذا المعنى.
وكان ابن أبى عرادة السعدى مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما فتركه وصحب غيره فلم يخمد أمره، فرجع إليه، فقال:
عتبت على سلم فلما فقدتهوجرّبت أقواما بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيرهفكان كبرء بعد طول من السقم]
وقال مسلم بن الوليد:
حياتك يا بن سعدان بن يحيىحياة للمكارم والمعالى
جلبت لك الثناء فجاء عفواونفس الشكر مطلقة العقال
وترجعنى إليك- وإن نأت بىديارى عنك- تجربة الرجال
وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد للبحترى:
أخ لك عاداه الزمان فأصبحتمذممة فيما لديه المطالب
متى ما تذوّقه التجارب صاحبامن الناس تردده إليك التجارب
وأنشد:
حياة أبى العباس زين لقومهلكلّ امرئ قاسى الأمور وجرّبا
ونعتب أحيانا عليه ولو مضىلكنّا على الباقى من الناس أعتبا
قال الصولى: جرى ذكر المكتفى بحضرة الراضى فأطريته وأكثرت الثناء عليه، فقال لى: يا صولى؛ كنت أنشدتنى لجرير:
أسليك عن زيد لتسلى، وقد أرىبعينيك من زيد قذى ليس يبرح
فقلت: يا أمير المؤمنين، من شكر القليل كان للكثير أشدّ شكرا، وأعظم ذكرا، قال: فأين أنا لك من المكتفى؟ فأنشدته للطائى:
كم من وساع الجود عندى والنّدىلمّا جرى وجريت كان قطوفا
أحسنتما صفدى، ولكن كنت لىمثل الربيع حيا وكان خريفا
وكلا كما اقتعد العلا فركبتهافى الذّروة العليا وجاء رديفا
إن غاض ماء المزن فضت، وإن قستكبد الزمان علىّ كنت رءوفا
وكان المكتفى أول من نادمه الصولى، واختلط به.
ولم يل الخلافة أحد اسمه علىّ إلا علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، وعلىّ بن المعتضد المكتفى بالله، وكان سبب اتصاله به وانقطاعه إليه أنّ رجلا يعرف بمحمد بن أحمد الماوردى نزع إلى المكتفى بالرّفة، وكان ألعب الناس
بالشطرنج، فلما قدم عليه بغداد وهو خليفة قال: يا أمير المؤمنين، أنا أعلم الناس بهذه الصناعة، فأقطعنى ما كان للرازى الشطرنجى؛ فغاظ ذلك المكتفى، وندب له الصولى فلم ير معه الماوردى شيئا. فقال له المكتفى: صار ماء وردك بولا، قال الصولى: فأقبل المكتفى علىّ ورتّبنى فى الجلساء، فحجبت يوما عنه، واتصل بى أن خصمى شمّت بى، فكتبت قصيدة للمكتفى أقول فيها:
قد ساء ظنّ الناس بى وتنكّروالمّا رأونى دون غيرى أحجب
إن كان غلبيه يقرّب أمرهدونى فإنى عن قريب أغلب
فضحك، وأمر لى بمائتى دينار، واندرجت فى خدمته.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع