من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مقامات بديع الزمان (٢)
ومن مقامات الإسكندرى إنشاء البديع: حدّثنا عيسى بن هشام قال:
كنت فى بلاد الأهواز، وقصاراى لفظة شرود أصيدها، أو كلمة بليغة أستفيدها؛ فادّانى السير إلى رقعة [من البلاد] فسيحة، وإذا هناك قوم مجتمعون على رجل يستمعون إليه وهو يخبط الأرض بعضا على إيقاع لا يختلف، وعلمت أنّ مع الإيقاع لحنا، ولم أبعد لأنال من السماع حظّا، أو أسمع من البليغ لفظا، فما زلت بالنظّارة، أزحم هذا وأدفع ذاك، حتى وصلت إلى الرجل، وصرفت الطرف منه إلى حزقّة كالقرنب، مكفوف فى شملة من صوف، يدور كالخذروف، متبرنسا بأطول منه، معتمدا على عصا فيها جلاجل، يضرب الأرض بها على إيقاع غنج، ولفظ هزج، من صدر حرج، وهو يقول:
يا قوم قد أثقل دينى ظهرىوطالبتنى طلّتى بالمهر
أصبحت من بعد غنى ووفرساكن قفر وحليف فقر
يا قوم هل بينكم من حرّيعيننى على صروف الدهر
يا قوم قد عيل بفقرى صبرىوانكشفت عنى ذيول السّتر
وفضّ ذا الدهر بأيدى البترما كان لى من فضّة وتبر
آوى إلى بيت كقيد الشّبرخامل قدر وصغير قدر
لو ختم الله بخير أمرىأعقبنى من عسرة بيسر
هل من فتى فيكم كريم النّجرمحتسب فىّ عظيم الأجر
إن لم يكن مغتنما للشكر
قال عيسى بن هشام: فرقّ له والله قلبى، واغرورقت عينى، وما لبثت أن أعطيته دينارا كان معى، فأنشأ يقول:
يا حسنها فاقعة صفراءمعشوقة منقوشة قوراء
يكاد أن يقطر منها الماءقد أثمرتها همّة علياء
نفس فتى يملكه السّخاءيصرفه فيه كما يشاء
يا ذا الذى يعنيه ذا الثناءما يتقصّى قدرك الإطراء
فامض على الله لك الجزاء
ورحم الله من شدّها فى قرن بمثلها، وآنسها بأختها، فناله الناس ما نالوه؛ ثم فارقهم وتبعته، وعلمت أنه متعام لسرعة ما عرف الدينار، فلما نظمتنا خلوة مددت يمناى إلى يسرى عضديه، وقلت: والله لترينّى سرّك، أو لأكشفنّ سترك؛ فكشف عن توأمتى لوز، وحدرت لثامه، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: أنت أبو الفتح؟ فقال: لا
أنا أبو قلمونفى كلّ لون أكون
اختر من الكسب دونافإنّ دهرك دون
زجّ الزمان بحمقإنّ الزمان زبون
لا تخدعنّ بعقلما العقل إلا الجنون
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع