من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ولهم فى التهنئة بالولاية والأعمال، وما يتصل بها من الأدعية للوزراء والقضاة والعمال
عرفت أخبار البلد الذى أحسن الله إلى أهله، وعطف عليهم بفضله، إذ أضيف إلى ما يلاحظه مولاى بعين إيالته، ويشفى خلله بفضل أصالته. أنا من سرّ
بالولاية يلبس مولاى ظلالها، ويسحب أذيالها، بنعم مستفادة، ورتب مستزادة، سرورى بما أعلمه بكسبه الثناء فى كل عمل يدبّره، من أحدوثة جميلة، ومثوبة جزيلة، ويؤثره من إحياء عدل، وإماتة جور، وعمارة لسبل الخيرات، وإيضاح لطرق المكرمات، سيدى يوفى على الرتب التى يدعى لها بحلوله؛ فهنيئا لها بتجمّلها بولايته، وتحلّيها بكفايته. الأعمال إن بلغت أقصى الآمال، فكفاية مولاى تتجاوزها وتتخطاها، والرتب وإن جلّت قدرا، وكبرت ذكرا، فصناعته تسبقها وتنسؤها، غير أنّ للتهانى رسما لا بدّ من إقامته، وشرطا لا سبيل إلى نقض عادته. الأعمال وإن بلغت أقصى الآمال فكفاية سيدى توفى عليها إيفاء الشمس على النجوم، وترتفع عنها ارتفاع السماء على التخوم.
سيدى أرفع قدرا وأنبه ذكرا، من أن نهنّئه بولاية وإن جلّ أمرها وعظم قدرها. قد أعطيت قوس الوزارة باريها، وأضيفت إلى كفئها وكافيها، وفسخ فيها شرط الدنيا الفاسد فى إهداء حظوظها إلى أوغادها، ونقض بها حكمها الجائر فى العدول بها عن نجباء أولادها. الدنيا أعز الله الوزير مهنّأة بانحيازها إلى رأيه وتنفيذه، والممالك مغبوطة باتصالها إلى أمره وتدبيره. قد كانت الدّنيا مستشرفة لوزارته، إلى أن سدت بما كانت الأيام عنه مخبرة، وحظيت بما كانت الظنون به مبشّرة. أنا أهنّىء الوزارة بإلقائها إلى فضله مقادتها، وبلوغها فى ظلّه إرادتها، وانحيازها من إيالته إلى واضحة الفخر، وتوشحها من كفايته بعزّة سائدة على وجه الدهر. الحمد لله الذى أقرّ عين الفضل، ووطّأ مهاد المجد، وترك الحساد يتعثّرون فى ذيول الخيبة، ويتساقطون فى فضول الحسرة؛ وأرانى الوزارة وقد استكمل الشيخ إجلالها، ووفّى لها جمالها:
فلم تك تصلح إلّا لهولم يك يصلح إلّا لها
والقاضى علم العلم شرقا وغربا، ونجم الفضل غورا ونجدا، وشمس الأدب برّا وبحرا، فسبيل الأعمال أن تهنّأ إذا ردّت إلى نظره الميمون، وعصبت برأيه المأمون. [أسعد الله القاضى بما جدّ] له من رأى مولانا وارتضاه، واعتمده لأجل أمر الشريعة وأمضاه، وأسعد المسلمين والدين بما أصاره إليه، وجمع زمامه فى يديه. عرّف الله سيدى من سعادة عمله، أفضل ما ترقّاه بأمله، ولقّاه من مناجح أمره، أفضل ما انتحاه بفكره. خار الله له فيما تولّاه وتطوّقه، وبلّغه فى كل حال أمله وحققه، وعرفه من يمن ما باشره تدبيره الخير [والخيرة] والبركات الحاضرة والمنتظرة، وجعل المناجح إليه أرسالا، لا تملّ تواليا واتّصالا.
أسعده الله أفضل سعادة قسمت لوالى عمل، وأسهم له أخصّ بركة أسهمت لمسامى أهل، أحضر الله السداد عزمه، والرشاد همّه، وكنقه العصمة وأيّده، وقرنه بالتوفيق ولا أفرده. هنأه الله تعالى الموهبة التى ساقها إليه، ومدّ رواقها عليه؛ إذ كانت من عقائل المواهب، مسفرة عن خصائص المراتب، وحلّت فيه محلّ الاستحباب لا الإيجاب، والاستحقاق دون الاتفاق. هنأ الله نعمته الفضل الذى الولاية أصغر آلاتها، والرياسة بعض صفاتها
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع