تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل ابن العميد (٢)

كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى:

كتابى وأنا بحال لو لم ينغّص منها الشوق إليك، ولم يرنّق صفوها النّزاع نحوك، فعددتها من الأحوال الجميلة، واعتددت حظّى منها فى النعم الجليلة؛ فقد جمعت ليها بين سلامة عامّة، ونعمة تامة، وحظيت منها فى جسمى بصلاح، وفى سعيى

بنجاح، لكن ما بقى أن يصفو لى عيش مع بعدى عنك، ويخلو ذرعى مع خلوّى منك، ويسوغ لى مطعم ومشرب مع انفرادى دونك، وكيف أطمع فى ذلك وأنت جزء من نفسى، وناظم لشمل أنسى، وقد حرمت رؤيتك، وعدمت مشاهدتك، وهل تسكن نفس متشعّبة ذات انقسام، وينفع أنس متشتّت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلنى الله تعالى فداءك؛ فامتلأت سرورا بملاحظة خطّك، وتأمّل تصرفك فى لفظك، وما أقرّظهما فكلّ خصالك مقرّظ عندى، وما أمدحهما فكلّ أمرك ممدوح فى ضميرى وعقدى، وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديرى فيك، فإن كان كذلك وإلا فقد غطّى هواك وما ألقى على بصرى.

وله إلى عضد الدولة يهنئه بولدين:

أطال الله بقاء الأمير الأجلّ عضد الدولة، دام عزّه وتأييده، وعلوّه وتمهيده، وبسطته وتوطيده، وظاهر له من كل خير مزيده، وهنّاه ما اختصّه به على قرب الميلاد، من توافر الأعداد، وتكثّر الأمداد، وتثمّر الأولاد، وأراه من النجابة فى البنين والأسباط، ما أراه من الكرم فى الآباء والأجداد، ولا أخلى عينه من قرّة، ونفسه من مسرّة، ومتجدّد نعمة، ومستأنف مكرمة، وزيادة فى عدده، وفسح فى أمده، حتى يبلغ غاية مهله، ويستغرق نهاية أمله، ويستوفى ما بعد حسن ظنّه؛ وعرفه الله السعادة فيما بشّر عبده من طلوع بدرين هما انبعثا من نوره، واستنارا من دوره، وحقّا بسريره، وجعل وفودهما متلائمين، وورودهما توأمين، بشيرين بتظاهر النعم، وتواتر القسم، ومؤذنين بترادف بنين [يغصّ] بجمعهم منخرق الفضاء، ويشرق بنورهم أفق العلاء، وينتهى بهم أمد النماء، إلى غاية تفوت

غاية الإحصاء، ولا زالت السبل عامرة، والمناهل غامرة، يصافح صادرهم بالبشر [الوارد]، وآملهم بالنيل القاصد.

وقال أبو الطيب وذكر أبا دلف وأبا الفوارس ابنى عضد الدولة:

فلم أر قبله شبلى هزبركشبليه، ولا فرسى رهان
فعاشا عيشة القمرين يحيىبضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادىولا ورثا سوى من يقتلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
[وكانا ابنا عدو كاثراهله ياءى حروف أنيسيان]
دعاء كالثّناء بلا رياءيؤدّيه الجنان إلى الجنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكتب أبو القاسم الإسكافى عن نوح بن نصر إلى وشمكير بن زياد فى استبطاء وتهنئة:

وصل كتابك ناطقا مفتتحه بجميل العذر، فيما نقل من المكاتبة، وبعث من المطالعة، ومعربا مختتمه عن جملة خبر السلامة التى طبّقت أعمالك، والاستقامة التى عمّت أحوالك، وفهمناه، ولولا أنّ مواتاتك- أيدك الله تعالى- فيما تأتى وتذر، وترتئى وتدبّر، عادة لنا أورثتناها قرابة ما بين وفاقنا ووفاقك، وملاءمة حال ألجأتنا لحال استحقاقك؛ لكنا ربما ضايقناك فى العذر الذى اعتذرت به، وإن كان واضحا طريقه، وناقشناك فيه، وإن كان واجبا تصديقه، لفرط الأنس [يخلص إلينا] بكتابك، والارتياح بخطابك، اللّذين لا يؤدّيان إلا خبر سلامة توجب الإحماد، فنحن نأبى إلّا إجراء تلك العادة، كما عودتنا، وإلّا التجافى عما تريد فيه من الزيادة التى أردتها، ولا ندع مع ذلك أن يصل تسويفك إلى الإقلال الذى اخترته بإحمادك على الكتاب إذا كتبته، توخّيا لأن تكون مؤهلا فى الحالين لخالصة

التنويل، مقدما فى درج التفضيل، موفىّ حقائق الإيثار، موقىّ لواحق الاستقصار، ونستعين بالله على قضاء حقوقك، وعلى جميل النية فى أمورك؛ فإن ذلك لا يبلغ إلا بقوّته، ولا يدرك إلا بحوله، وأما بعد فقد عفّى - أعزّك الله تعالى- ما أفاد كتابك بخبر السلامة من أنسه، على آثار من سبقه بخبر العلة من وحشة، فأوجبتنا مقابلة موهبة الله تعالى فى المحبوب صنع، والمكروه دفع، نستقبل به إخلاص المواهب لنا، ونستديم به أخصّ المراتب بنا، فرأيك- أعزّك الله تعالى- فى المطالعة بذكر تستمدّه فى الفوة والصحة من مزيد، والطاعة والكفاية من توفيق وتسديد، موفقا إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.