من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من أخبار أبى دلف وشعره
وكان أبو دلف شاعرا مجيدا، وجوادا كريما. جامعا لآلات الأدب والظرف، وله شعر جيد فى كل فن، وهو القائل:
أحبك يا جنان؛ فأنت منىمحلّ الروح من جسد الجبان
ولو أنى أقول: مكان روحىلخفت عليك بادرة الزمان
لإقدامى إذ ما الخيل جالتوهاب كماتها حرّ الطّعان
وكان يتعشّق جارية ببغداد فإذا شخص إلى الحضرة زارها، فركب فى بعض قدماته إليها، فلما صار بالجسر مشى على طرف طيلسان بعض المارّين، فخرقه، فأخذ بعنانه، وقال: يا أبا دلف؛ ليست هذه كرخك، هذه مدينة السلام؛ الذئب والشاة بها فى مربع واحد! فثنى عنانه متوجّها إلى الكرخ، وكتب إلى الجارية:
قطعت عن لقائك الأشغالوهموم أتت علىّ ثقال
فى بلاد يهان فيها عزيز القوم حتى تناله الأنذال
حيث لا مدفع بسيف عن الضيمولا للكماة فيها مجال
ومقام العزيز فى بلد الهون إذا أمكن الرحيل محال
فعليك السلام يا ظبية الكرخ أقمتم وحان منّا ارتحال
ودخل أبو دلف على المأمون بعد الرّضا عنه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال:
خلّفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا عاتيا، قائما على براثنه، يسعد به وليّك، ويشقى به عدوّك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قصد محجّتك، قد فقّهه الحزم، وأيقظه العزم، فقام فى نحر الأمور على ساق التشمير، يبرمها بأيده وكيده، ويفلّها بحدّه وجدّه؛ وما أشبهه فى الحرب إلا بقول العباس بن مرداس:
أكرّ على الكتيبة لا أبالىأحتقى كان فيها أم سواها
[فقال قائل: ما أفصحه على جبليّته! فقال المأمون: وإن بالجبل قوما أمجادا، كراما أنجادا، وإنهم ليوفّون السيف حظّه يوم النّزال، والكلام حقّه يوم المقال، وإن أبا دلف منهم].
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع