من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين الْأمين وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خلف بن الْمَرْزُبَان، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه، وَوجدت فِي بعض الْكتب بِإِسْنَاد غير هَذَا، لَيْسَ لي بِسَمَاع، فَجمعت بَين الْخَبَرَيْنِ، على أتم اللَّفْظ، قَالَ: جرى بَين الْأمين، وَبَين عَمه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، كَلَام، وهما على النَّبِيذ، فَوجدَ الْأمين على إِبْرَاهِيم، وَبَانَتْ لإِبْرَاهِيم الوحشة مِنْهُ، فَانْصَرف إِبْرَاهِيم إِلَى منزله قلقا، وحجبه الْأمين عَنهُ.
وَبلغ إِبْرَاهِيم ذَلِك، فَبعث إِلَى الْأمين بألطاف، ورقعة يعْتَذر فِيهَا، فَرد الْأمين الْهَدِيَّة، وَلم يجب إِبْرَاهِيم عَن الرقعة.
فَوجه إِبْرَاهِيم إِلَيْهِ وصيفة مليحة مغنية، كَانَ رباها، وَعلمهَا الْغناء، وَبعث مَعهَا عودا مَعْمُولا من الْعود الْهِنْدِيّ، مكللا بالجوهر، وألبسها حلَّة منسوجة بِالذَّهَب، وَقَالَ أبياتا، وغنى فِيهَا، وَألقى عَلَيْهَا الأبيات حَتَّى حَفظتهَا، وَأخذت الصَّوْت، وأحكمت الصَّنْعَة فِيهِ.
فوقفت الْجَارِيَة بَين يَدي الْأمين، وَقَالَت: عمك وَعَبْدك، يَقُول.... واندفعت تغني:
هتكت الضَّمِير برد اللطفوكشفت هجرك لي فانكشف
فَإِن كنت تنكر شَيْئا جرىفَهَب للعمومة مَا قد سلف
وجد لي بالصفح عَن زلتيفبالفضل يَأْخُذ أهل الشّرف
فَقَالَ لَهَا الْأمين: أَحْسَنت يَا صبية، مَا أسمك؟ قَالَت: هَدِيَّة.
قَالَ: أفأنت كاسمك، أم عَارِية؟ قَالَت: أَنا كاسمي، وَبِه سماني آنِفا، لما أهداني إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فسر بهَا الْأمين، وَبعث إِلَى إِبْرَاهِيم، فَأحْضرهُ، وَرَضي عَنهُ، وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِينَار.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع