من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر يعْفُو عَن الحصني وَيحسن إِلَيْهِ
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي، عَن أبي مُحَمَّد الْحسن بن طَالب، كَاتب عِيسَى بن فرخان شاه، قَالَ: حَدثنِي عِيسَى بن فرخان شاه، قَالَ: لما وليت ديار مصر، لم يزل وجوهها يصفونَ لي مُحَمَّد بن يزِيد الْأمَوِي الحصني بِالْفَضْلِ، وينشدوني قصيدته الَّتِي أجَاب بهَا عبد الله بن طَاهِر، لما فَخر بِأَبِيهِ، ويذكرون قصَّته مَعَه لما دخل عبد الله الشَّام، وأشرف
الحصني على الْهَلَاك خوفًا مِنْهُ، كَيفَ كفي أمره بِلَا سَبَب، وَكَيف أحسن إِلَيْهِ، وَأقرهُ فِي حصنه، فَكنت أتفقد أمره فِي ضيعته، وَأحسن إِلَيْهِ فِي مُعَامَلَته، وَكَانَت كتبه ترد عَليّ بالشكر بِأَحْسَن عبارَة.
فَلَمَّا خرجت لتصفح كور عَمَلي، وأحوال الرّعية والعمال بالنواحي، وَردت الكورة الَّتِي فِيهَا حصن مُحَمَّد بن يزِيد فِي نَاحيَة مِنْهَا، فَخرج مُسْتَقْبلا لي، وراغبا إِلَى فِي النُّزُول عَلَيْهِ.
فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، قَالَ لي: لم أَشك، مَعَ فضلك، أَنَّك لَا تتجاوزني، وَلم آمن أَن يعارضك ظن، يصور لَك أَن عدولك عني، إبْقَاء عَليّ، وإشفاق من نِسْبَة السُّلْطَان إياك إِلَى إِيثَار لذتك فِي لقائي، فتطويني، فَحملت نَفسِي على خلاف مَا كنت أحب أَن يشيع لَك، من ابتدائي بِالْقَصْدِ قبل رغبتي إِلَيْك فِيهِ، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل لَك السَّبق إِلَى المكرمة.
وسرهنا إِلَى حصنه، وأوقفني على الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة فِي الْخَبَر وَالشعر إِلَى أَن دَخَلنَا حصنه، فَلم أجد فِيهِ أهبة للنزول بِهِ، وَرَأَيْت أدبا ومروءة، وَسبق بِمَا حضر من الْقرى، وَلم ينقبض من إِحْضَار مَا أعددته فِي سفرتنا، وَوجدت خدمته كلهَا تَدور على جَارِيَة سَوْدَاء اللَّوْن، خَفِيفَة الْحَرَكَة، يدل نشاطها على اعتيادها الطراق، إِلَى أَن رفع الطَّعَام، وَحضر الشَّرَاب، فَحَضَرت السَّوْدَاء فِي
غير الزي الأول، وَجَلَست تغني، فأنكرتها، حَتَّى استثبته فِيهَا، فوصف لي قديم حرمتهَا، وَقَالَ: هِيَ كَانَت طليعتي يَوْم قصدني عبد الله بن طَاهِر.
فاستفتحني لمسألته عَن الْخَبَر، فَسَأَلته.
فَقَالَ: لما بَلغنِي إِجْمَاع عبد الله بن الطَّاهِر على الْخُرُوج لطلب نصر بن شبث، الْخَارِجِي كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت، بِنَفسِهِ، أيقنت بِالْهَلَاكِ، وَخفت أَن يقرب مني، فتنالني مِنْهُ بادرة مَكْرُوه، وَلم أَشك فِي ذهَاب النِّعْمَة، وَإِن سلمت النَّفس لما بلغه من إجَابَتِي إِيَّاه، عَن قصيدته الَّتِي فَخر بهَا، وأنشدنيها:
مدمن الإغضاء مَوْصُولومديم العتب مملول
ومدين الْبيض فِي تَعبوغريم الْبيض ممطول
وأخو الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ رمىبهواه فَهُوَ مَدْخُول
وَقَلِيل من يبرزهفِي يَد التَّهْذِيب تَحْصِيل
فاتئد تلق النجاح بِهِواعتساف الْأَمر تضليل
واغض عَن عيب أَخِيك يدملَك حَبل مِنْهُ مَوْصُول
من يرد حَوْض الردى صردالَا يَسعهُ الرّيّ تَعْلِيل
من بَنَات الرّوم لي سكنوَجههَا للشمس إكليل
عتبت والعتب من سكنفِيهِ تَكْثِير وتقليل
أقصري عَمَّا لهجت بِهِففراغي عَنْك مَشْغُول
سائلي عَمَّا تسائلنيقد يرد الْخَبَر مسئول
أَنا من تعرفن نسبتهسلفي الغر البهاليل
مُصعب جدي نقيب بنيهَاشم، وَالْأَمر مَجْهُول
وحسين رَأس دعوتهموَدُعَاء الْحق مَقْبُول
سل بهم تنبيك نجدتهممشرفيات مصاقيل
كل غضب مشرب عللاوجراز الْحَد مفلول
وَأبي من لَا كفاء لَهُمن يسامي مجده قُولُوا
صَاحب الرَّأْي الَّذِي حصلترَأْيه الْقَوْم المحاصيل
حل مِنْهُم بالذرى شرفادونه عز وتبجيل
تفصح الأنباء عَنهُ إِذاأسكت الأنباء مَجْهُول
سل بِهِ وَالْخَيْل ساهمةحوله جرد أبابيل
إِذْ علت من فَوْقه يَدهنوطها أَبيض مصقول
وبربات الْخُدُور وَقدجعلت تبدو الخلاخيل
من ثنى عَنهُ الْخُيُولبِأَكْنَافِهَا الخطية الشول
أبطن المخلوع كلكلهوحواليه المغاويل
فثوى والترب مضجعهغال عَنهُ ملكه غول
قاد جَيْشًا نَحْو قَاتلهضَاقَ عَنهُ الْعرض والطول
من خُرَاسَان مصممهمكليوث ضمهَا غيل
وهبوا لله أنفسهملَا معازيل وَلَا ميل
ملك تحْتَاج سطوتهونداه الدَّهْر مبذول
قطعت عَنهُ تمائمهوَهُوَ مرهوب ومأمول
وتره يسْعَى إِلَيْهِ بِهِوَدم يجنيه مطلول
قَالَ: وَكنت لما بلغتني القصيدة، امتعضت للعربية، وأنفت أَن يفخر عَلَيْهَا رجل من الْعَجم، لِأَنَّهُ قتل ملكا من مُلُوكهَا بِسيف أَخِيه، لَا بِسَيْفِهِ، فيفخر عَلَيْهَا هَذَا الْفَخر، وَيَضَع مِنْهَا هَذَا الْوَضع، فَرددت على قصيدته
وَلم أعلم أَن الْأَيَّام تجمعنا، وَلَا أَن الزَّمَان يضطرني إِلَى الْخَوْف مِنْهُ، فَقلت:
لَا يرعك القال والقيلكلما بلغت تهويل
مَا هوى لي حَيْثُ أعرفهُبهوى غَيْرك مَوْصُول
أَيْن لي عدل إِلَى بدلأبديل مِنْك مَقْبُول
إِذْ عدمت الْعدْل مِنْك وَإِذأَنا فِيك الدَّهْر معدول
حمليني كل لائمةكل مَا حملت مَقْبُول
واحكمي مَا شِئْت واحتكميفحرامي فِيك تَحْلِيل
وَالَّذِي أَرْجُو النجَاة بِهِمَا لقلبي عَنْك تَحْويل
مَا لداري مِنْك مقفرةوضميري مِنْك مأهول
أيخون الْعَهْد ذُو ثِقَةلَا يخون الْعَهْد مسئول
وأخو حبيك فِي تَعبمُطلق مرا ومغلول
مَا فراغي عَنْك مشتغلبل فراغي بك مَشْغُول
وبدت يَوْم الْوَدَاع لناغادة عيطاء عطبول
حاسرا أَو ذَات مقنعةذَات تَاج فِيهِ إكليل
أَي عطفيها بِهِ انصرفتأرج بالمسك مَعْلُول
تتعاطى شدّ معجرهاونطاق الخصر محلول
بأداليل لَهَا قتلحبذا تِلْكَ الأداليل
فبنفسي دمج مشطتهاومثانيها الْمَرَاسِيل
سبقت بالدمع مقلتهافلهَا بالدمع تَفْصِيل
ورمت بِالسحرِ من كثبفدفين الدَّاء مقتول
لاحظت بِالسحرِ عابثةفحسام الصَّبْر مفلول
شملنا إِذْ ذَاك مُجْتَمعوَجَنَاح الْبَين مشكول
ثمَّ ولت كي تودعناكحلها بالدمع مغسول
لَا تخَاف الدَّهْر طَائِرهفأذاه عَنْك مَعْقُول
أَيهَا النازي مطيتهلأغاليطك تَحْصِيل
قد تأولتم على جِهَةوَلنَا فِي ذَاك تَأْوِيل
إِن دليلاك يَوْم غَدابك فِي الْحِين لضليل
قَاتل المخلوع مقتولوَدم الْقَاتِل مطلول
قد يخون الرمْح عَاملهوَسنَان الرمْح مصقول
وينال الْوتر طَالبهبعْدهَا تسلو المثاكيل
سَار أوحل فمتبعبِالَّتِي يكبو لَهَا الْفِيل
لَا تنجيه مذاهبهنهر بوشنج وَلَا النّيل
ومدين الْقَتْل مُرْتَهنبدماء الْقَوْم مقتول
بأخي المخلوع طلت يدالم يكن فِي بَاعهَا طول
وبنعماه الَّتِي سلفتفعلت تِلْكَ الأفاعيل
وبراع غير ذِي شفقجالت الْخَيل الأبابيل
يَابْنَ بَيت النَّار موقدهامَا لحاديه سَرَاوِيل
أَي مجد فِيك نعرفهأَي جد لَك بهْلُول
من حُسَيْن أَو أَبوك وَمنمُصعب غالتهم غول
وزريق إِذْ تخلفهنسب عمرك مَجْهُول
تِلْكَ دَعْوَى لَا نناقشهاوأبوّات مراذيل
أسرة لَيست مباركةغَيرهَا الشم البهاليل
مَا جرى فِي عود أثلتكممَاء مجد فَهُوَ مَدْخُول
قدحت فِيهِ أسافلهوأعاليه مَجَاهِيل
إِن خير القَوْل أصدقهحِين تصطك الْأَقَاوِيل
كن على منهاج معرفَةلَا تغرنك الأباطيل
إِن للإصعاد منحدرافِيهِ للهاوي أهاويل
ولريب الدَّهْر عَن عرضبالردي عل وتنهيل
يعسف الصعبة رائضهاوَلها بالعسف تدليل
ويخون الرمْح حاملهوَسنَان الرمْح مصقول
وينال الثأر طَالبهبَعْدَمَا تسلو المثاكيل
مُضْمر حقدا ومنصلهمغمد فِي الجفن مسلول
قَالَ: فَلَمَّا قرب عبد الله بن طَاهِر مني، استوحشت من الْمقَام خوفًا على نَفسِي، وَرَأَيْت بعدِي وتسليمي حرمي عارا بَاقِيا، وَلم يكن لي إِلَى هربي بِالْحرم سَبِيل، فأقمت على أتم خوف مستسلما للاتفاق، حَتَّى إِذا كَانَ الْيَوْم الَّذِي قيل إِنَّه ينزل فِيهِ الْعَسْكَر بِهَذِهِ النواحي أغلقت بَاب حصني، وأقمت هَذِه الْجَارِيَة السَّوْدَاء ربيئة تنظر لي على مرقب من شرف الْحصن، وأمرتها أَن تعرفنِي الْموضع الَّذِي ينزل فِيهِ الْعَسْكَر قبل أَن يفجأني، ولبست ثِيَاب الْمَوْت أكفانا، وتطيب، وتحنطت.
فَلَمَّا رَأَتْ الْجَارِيَة الْعَسْكَر يقْصد حصني، نزلت فعرفتني، فَلم يرعني إِلَّا دق بَاب الْحصن فَخرجت، فَإِذا عبد الله بن طَاهِر، وَاقِف وَحده، مُنْفَرد عَن أَصْحَابه، فَسلمت عَلَيْهِ سَلام خَائِف، فَرد عَليّ بن الْحسن غير مستوحش، فأومات إِلَى تَقْبِيل رجله فِي الركاب، فَمنع ألطف منع وَأحسنه، وَنزل على دكان على بَاب الْحصن.
ثمَّ قَالَ: ليسكن روعك، فقد أَسَأْت الظَّن بِنَا، وَلَو علمنَا أَنا بزيارتنا لَك نروعك مَا قصدناك.
ثمَّ أَطَالَ الْمَسْأَلَة، حَتَّى رأى الثِّقَة مني قد ظَهرت، فَسَأَلَنِي عَن سَبَب مقَامي فِي الْبر، وإيثاري إِيَّاه على الْحَاضِرَة، ورفاهة عيشها، وَعَن حَال ضيعتي ومعاملتي فِي ناحيتي، فأجبته بِمَا حضر لي.
حَتَّى إِذا لم يبْق من التأنيس شَيْء أفْضى إِلَى مساءلتي عَن حَدِيث نصر بن شبث، وَكَيف الطَّرِيق إِلَى الظفر بِهِ، فَأَخْبَرته بِمَا حضرني.
ثمَّ أقبل عَليّ وَقد انبسطت فِي محادثته كل الانبساط، فَقَالَ: أحب أَن تنشدني القصيدة الَّتِي فِيهَا: يَابْنَ بَين النَّار موقدها مَا لحاديه سَرَاوِيل فَقلت: أصلح الله الْأَمِير، قد أربت نِعْمَتك على مِقْدَار همتي، فَلَا تكدرها بِمَا ينغصها.
فَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيد الزِّيَادَة فِي تأنيسك، بِأَن لَا تراني متحفظا مِمَّا خفت، وعزم على فِي إنشادها، عزم مجد، فَقلت: يُرِيد أَن تطرأ على سَمعه، فيثور مَا فِي نَفسه، فيوقع بِي.
وَلم أجد من إنشادها بدا، فَأَنْشَدته القصيدة، فَلَمَّا فرغت مِنْهَا، عَاتَبَنِي عتابا سهلا، فَكَانَ مِنْهُ أَن قَالَ: يَا هَذَا، مَا حملك على تكلّف إجَابَتِي؟ فَقلت: الْأَمِير أصلحه الله، حَملَنِي على ذَلِك بقوله:
وَأبي من لَا كفاء لَهُمن يسامي مجده قُولُوا
فَقلت: كَمَا تَقول الْعَرَب، وتفتخر السوقة على الْمُلُوك، وَكنت لما بلغت إِلَى قولي:
يَا ابْن بَيت النَّار موقدهامَا لحاديه سَرَاوِيل
قَالَ لي: يَابْنَ مسلمة، لقد أحصينا فِي خَزَائِن ذِي اليمينين بعد مَوته،
أَلفَيْنِ وَثَلَاث مائَة سَرَاوِيل من صنوف الثِّيَاب، مَا أصلح فِي أَحدهَا تكة، سوى مَا اسْتعْمل فِي اللّبْس، على أَن النَّاس يقلون اتِّخَاذ السراويلات فِي كساهم.
فاعتذرت إِلَيْهِ بِمَا حضرني من القَوْل فِي هَذَا، وَفِي جَمِيع مَا تضمنته القصيدة، فَقبل القَوْل، وَبسط الْعذر، وَأظْهر الصفح.
وَقَالَ: قد دللتنا على مَا احتجنا إِلَيْهِ، من معرفَة أَمر نصر بن شبث، أفتستحسن الْقعُود عَنَّا فِي حربه.
وَلَا يكون لَك فِي الظفر بِهِ أثر يشاكل إرشادك لوجوه مطالبه؟ فاعتذرت إِلَيْهِ بِلُزُوم ضيعتي ومنزلي، وعجزي عَن السّفر للقصور عَن آلَته.
فَقَالَ: نكفيك ذَلِك، وتقبله منا، ودعا بِصَاحِب دوابه، فَأمره بإحضار خَمْسَة مراكب من الْخَيل الهماليج بسروجها ولجمها المحلاة، وبثلاث دَوَاب من دَوَاب الشاكرية، وَخَمْسَة أبغل من بغال الثّقل، وَأمر صَاحب كسوته بإحضار خَمْسَة تخوت من أَصْنَاف الثِّيَاب الفاخرة، وَأمر خازنه بإحضار خمس بدر دَرَاهِم، فأحضر جَمِيع ذَلِك، وَوضع على الدّكان الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ جَالِسا بِبَاب الْحصن.
ثمَّ قَالَ لي: كم مُدَّة تأخرك عَنَّا إِلَى أَن تلْحق بِنَا؟ فقربت الْموعد، فَقَامَ ليركب، فابتدرت إِلَى يَده لأقبلها، فَمَنَعَنِي، وَركب، وَسَار الْجَيْش مَعَه، وَمَا ترك أحدا ينزل، وَكفى الله مئونتهم، وَخرجت السَّوْدَاء، فنقلت الثِّيَاب والبدر، وَأخذ الغلمان الكراع، وَمَا لقِيت عبد الله بعْدهَا.
قَالَ: عِيسَى بن فرخان شاه: فأقمت عِنْد مُحَمَّد بن يزِيد يومي وليلتي،
فأضافني أحسن ضِيَافَة، وَكَانَت مذاكرته لي، وأدبه، ألذ إِلَيّ من كل شَيْء، فَأسْقطت عَنهُ جَمِيع خراجه فِي تِلْكَ السّنة، وانصرفت.
وَوَقع إِلَيّ هَذَا الْخَبَر، بِخِلَاف هَذَا، فَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنِي ابْن الدهقانة النديم، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن الْفضل الْخُرَاسَانِي، وَكَانَ من وُجُوه قواد طَاهِر، وَابْنه عبد الله، وَكَانَ أديبا، عَاقِلا، فَاضلا: لما قَالَ عبد الله قصدته الَّتِي فَخر فِيهَا بمآثر أَبِيه وَأَهله، وبقتل المخلوع، عَارضه مُحَمَّد بن يزِيد الْأمَوِي الحصني، وَهُوَ رجل من ولد مسلمة بن عبد الْملك، فأفرط فِي السب، وَتجَاوز الْحَد فِي قبح الرَّد، فَكَانَ فِيمَا قَالَ:
يَابْنَ بَيت النَّار موقدهامَا لحاديه سَرَاوِيل
من حُسَيْن وَأَبُوك وَمنمُصعب غالتهم غول
نسب فِي الْفَخر مؤتشبوأبوات أراذيل
قَاتل المخلوع مقتولوَدم الْمَقْتُول مطلول
وَهِي قصيدة طَوِيلَة.
فَلَمَّا ولي عبد الله مصر، ورد إِلَيْهِ تَدْبِير الشَّام، علم الحصني أَنه لَا يفلت مِنْهُ إِن هرب، وَلَا ينجو من يَده حَيْثُ حل، فَثَبت مَكَانَهُ، وأحرز حرمه، وَترك أَمْوَاله وكل مَا يملكهُ فِي مَوْضِعه، وَفتح بَاب حصنه، وَهُوَ يتَوَقَّع من عبد الله أَن يُوقع بِهِ.
قَالَ: فَلَمَّا شارفنا بَلَده، وَكُنَّا على أَن نصبحه دَعَاني عبد الله فِي اللَّيْل، فَقَالَ: بت عِنْدِي، وَليكن فرسك معدا، فَفعلت، فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، أَمر غلمانه وَأَصْحَابه أَن لَا يرحلوا حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَركب هُوَ أَنا وَخَمْسَة من خَواص غلمانه، وَسَار حَتَّى صبح الحصني، فَرَأى بَابه مَفْتُوحًا، وَرَآهُ جَالِسا مسترسلا، فقصده وَسلم عَلَيْهِ، وَنزل عِنْده.
وَقَالَ: مَا أجلسك هَاهُنَا، وحملك على أَن تفتح بابك، وَلم تتحصن من هَذَا الْجَيْش الْمقبل، وَلم تتنح عَن عبد الله بن طَاهِر، مَعَ علمك بِمَا فِي نَفسه مِنْك، وَمَا بلغه عَنْك؟ فَقَالَ: إِن الَّذِي قلت لم يذهب عني، وَلَكِنِّي تَأَمَّلت أَمْرِي، وَعلمت أَنِّي قد أَخْطَأت عَلَيْهِ خَطِيئَة حَملَنِي عَلَيْهَا نزق الشَّبَاب، وغرة الحداثة، وَأَنِّي إِن هربت مِنْهُ لم أفته، فباعدت الْحرم، واستسلمت بنفسي وَبِكُل مَا أملك، فَإنَّا أهل بَيت قد أسْرع فِينَا الْقَتْل، ولي بِمن مضى من أَهلِي أُسْوَة، وَأَنا واثق بِأَن الرجل إِذا قتلني، وَأخذ مَالِي، شفى غيظه، فَلم يتَجَاوَز ذَلِك إِلَى الْحرم، وَلَا لَهُ فِيهِنَّ أرب، وَلَا يُوجب جُرْمِي إِلَيْهِ أَكثر مِمَّا بذلته.
فوَاللَّه، مَا أَجَابَهُ عبد الله إِلَّا بدموعه تجْرِي على لحيته، ثمَّ قَالَ لَهُ: أتعرفني؟ قَالَ: لَا وَالله.
قَالَ: أَنا عبد الله بن طَاهِر، وَقد أَمن الله روعك، وحقن دمك، وصان حَرمك، وحرس نِعْمَتك، وَعَفا عَن ذَنْبك، وَمَا تعجلت إِلَيْك وحدي، إِلَّا
لتأمن، قبل هجوم الْجَيْش، وَلِئَلَّا يخالط عفوي عَنْك، روعة تلحقك.
فبكي الحصني، وَقَامَ فَقبل يَده، فضمه عبد الله إِلَيْهِ، وَأَدْنَاهُ، ثمَّ قَالَ لَهُ: أما إِنَّه لَا بُد من العتاب، يَا أخي، جعلني الله فدَاك، قُلْتُ شعرًا فِي قومِي أَفْخَر بهم، وَلم أطعن فِيهِ على نسبك، وَلَا ادعيت فضلا عَلَيْك، وفخرت بقتل رجل هُوَ وَإِن كَانَ من قَوْمك، فَهُوَ من الَّذين ثأرك عِنْدهم، وَقد كَانَ يسعك السُّكُوت، وَإِن لم يسعك، أَن لَا تغرق وَلَا تسرف.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، قد عَفَوْت فاجعله عفوا لَا يخالطه تَثْرِيب، وَلَا يكدر صَفوه تأنيب.
قَالَ: قد فعلت، فَقُمْ بِنَا ندخل إِلَى مَنْزِلك، حَتَّى توجب علينا حَقًا وذماما بالضيافة.
فَقَامَ مَسْرُورا فأدخلنا منزله، وأتانا بِالطَّعَامِ فأكلنا، وَجَلَسْنَا نشرب فِي مستشرف لَهُ، وَأَقْبل الْجَيْش، فَأمرنِي أَن أتلقاهم فأرحلهم، وَلَا يتنزل أحد مِنْهُم إِلَّا فِي الْمنزل، وَكَانَ على ثَلَاثَة فراسخ من الْحصن، فَنزلت، فرحلتهم، وَأقَام عِنْده إِلَى الْعَصْر، ثمَّ دَعَا بِدَوَاةٍ، فَكتب لَهُ بتسويغه خراجه ثَلَاث سِنِين.
ثمَّ قَالَ لَهُ: إِن نشطت، فَالْحق بِنَا إِلَى مصر، وَإِلَّا فأقم بمكانك.
فَقَالَ: أتجهز، وَألْحق بالأمير.
فَفعل، وَلحق بِنَا، فَلم يزل مَعَ عبد الله، لَا يُفَارِقهُ، حَتَّى رَحل إِلَى الْعرَاق، فودعه، وَأقَام بِبَلَدِهِ.
وحَدثني أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، بِهَذَا الْخَبَر، من لَفظه وَحفظه، وَبِخِلَاف هَذَا، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو دلف هَاشم بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَحْمد عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: لما قَالَ أبي قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
وَأبي من لَا نَظِير لَهُمن يسامي مجده قُولُوا
وَذكر أبياتا من القصيدة، قَالَ: الحصني الْأمَوِي قصيدة أَولهَا:
لَا يرعك القال والقيلكلما بلغت تمحيل
وَذكر أبياتا من القصيدة يشتمه فِيهَا، فَلَمَّا ولي تِلْكَ النواحي، علم المسلمي أَنه لَا يفوتهُ، فَأَقَامَ بِبَلَدِهِ، فَلَمَّا قرب أبي من حصن مسلمة، أَمر الْجَيْش فنزلوا على فَرسَخ مِنْهُ، وَنزع من مَوْضِعه، مَعَ عدَّة من غلمانه، فجَاء إِلَى الْحصن، فابتدأه وَهُوَ على بَاب دَاره، فَسلم، وَنزل.
فَقَالَ لَهُ: من أَنْت؟ قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن مسلمة الْقرشِي الحصني.
قَالَ: الَّذِي هجوت آل طَاهِر.
قَالَ: نعم أعزّك الله.
قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك، فوَاللَّه مَا فَخر الْقَوْم إِلَّا بِقَتْلِهِم رجلا من قبيل قتلكم وأفناكم، فَمَا دخولك فِي هَذَا؟ قَالَ: أطت الرَّحِم وَإِن كَانَت مَقْطُوعَة، ولحقتني الرَّحْمَة وَالْحمية،
وَهُوَ أَمرنِي أَن أَقُول، إِذْ قَالَ: من يسامي مجده قُولُوا قَالَ: فَذَكرنَا مَا عندنَا.
قَالَ: فَلم لم تستتر من عبد الله بن طَاهِر وَقد أظلك؟ قَالَ: علمت أَنِّي لَا أفوته، فجدت بنفسي، وصنت حرمي.
قَالَ: أتعرفني؟ قَالَ: أما فِي الْحَقِيقَة، فَلَا، وَلَكِنِّي أَظُنك من قواده.
قَالَ: لَا، بل أَنا هُوَ، وَإِنَّمَا سبقت إِلَيْك لِئَلَّا تراع، وَقد أمنك الله، وَأمن حَرمك، فسلني حاجاتك.
قَالَ: أما أَنا أَيهَا الْأَمِير، فقد أجبتني عَن قولي بفعلك، وأكذبت شعري بِفَضْلِك، وَمَا لي بعْدهَا حَاجَة، فَإِنِّي فِي كفاف من معيشتي.
فَاحْتمل لَهُ خراجه، وَقَالَ لَهُ: إِن شِئْت فأقم ببلدك، وَإِن شِئْت فَكُن معي.
قَالَ: بل أقيم ببلدي، وأزور الْأَمِير إِذا نشط لي.
فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع